ultracheck
مجتمع

ولهم في المقاهي مآرب أخرى..

1 أغسطس 2025
مقهى مقاهي حسن مراد Universal Images Getty
في بعض المقامات لا تمثّل القهوة إلّا مجرّد تأشيرة للبقاء في الفضاء الذي يضمن اللعب والدردشة.. (حسن مراد/Universal Images/Getty)
أحمد الزوابي
أحمد الزوابي باحث من تونس

العلاقة بين الاسم والمسمىّ غالبًا ما تكون اعتباطيّة اصطلاحيّة، بل هي متقلّبة متحوّلة، فيظلّ الدالّ قائمًا ثابتًا صوتيًّا خاضعًا إلى التفريغ والشحن الدلاليّ من عقد إلى آخر، ذاك شأن كلمتي القهوة والمقهى في الملفوظ التونسيّ واللهجة المحليّة المتداولة. 

الباحث في هذه المسألة لا يسعفُه اللسان العربيّ إلّا بمعطيات ماديّة تتّصل بالمكوّن والحيز، فالقهوة ببساطة لغةِ المفسّرين ووضوحها هي "شراب البنّ المُغلّى"، أمّا المقهى فهي "مكان عامّ تُقدّم فيه القهوة ونحوها من الأشربة" وإذا جاد عليك المعجميّون ذكروا لك مفردات يربطها بالقهوة جوار دلالي مثل الترشّف والاحتساء أي فعل الشرب جرعة جرعة.

في المقابل تتّسع دلالات القهوة والمقهى عند النظر إليها من زوايا ثقافيّة وذوقيّة وتاريخيّة وسلوكيّة لتدرك أخطر درجات العمق والتعقيد وأدقّ مستويات الإيحاء والترميز.

الدوبامين والأدرينالين والرغبة في "تعمير الراس"

نأكل لنسدّ الجوع، ونشرب لنروي الظمأ، ونحتسي القهوة طلبًا للتركيز ورغبة في تنشيط الجسد، هذا التعليل لأكثر الأفعال تواترًا في حياتنا، يحدّد لنا في جانب منه السبب الأصلي الموضوعيّ العلميّ للذهاب إلى المقهى والتردّد عليها، فهي توفّر لنا مشروبًا يحتوي على مادّة الكافيين التي تتسرّب إلى الدم وتصل إلى الدماغ فتساهم فضلاً عن أدوار أخرى في إفراز مادّتي الدوبامين والأدرينالين اللّتين تنهضان بوظيفة تنبيهيّة.

التوّجه إلى المقهى طلبًا للنشاط واليقظة له مؤشّرات ذات صلة بالتوقيت والمدّة والرفقة.. و"نُشربو قهوة" في اللهجة التونسيّة دعوة تنطوي على رسائل شتّى منها طلب اللقاء للتشاور والحوار

وبناءً على ذلك فإنّ العامل بالفكر أو بالساعد حينما يقصد المقهى إنّما يطلب في الأصل جرعات من موادّ تجعل الذهن صاحيًا والجسد أكثر حيويّة ونشاطًا، هذا ما يترجمه التونسيون بعبارات من قبيل "نُشرب القهوة باش نفيق"، و"نشربها باش نعمّر راسي".

 

التوّجه إلى المقهى طلبًا للنشاط واليقظة له مؤشّرات ذات صلة بالتوقيت والمدّة والرفقة (Getty/Dominika Zarzycka/NurPhoto)

 

التوّجه إلى المقهى طلبًا للنشاط واليقظة له مؤشّرات ذات صلة بالتوقيت والمدّة والرفقة، فمن كانت القهوة بالنسبة إليه مجرّد منبّه يقصد المقهى في الغالب الأعمّ صباحًا أو قُبيل الشروع في العمل، وغالبًا ما يكون زائرًا خفيف الظّل منفردًا يحتسي قهوته واقفًا أو يحملها معه إلى سيّارته أو إلى مكتبه، وقد يستغني عن المقهى متى وجد ضالّته في قهوة يحسن إحضارها بنفسه ببُنّ يختاره بعناية. 

الوعي بمكوّنات القهوة وتأثيرها جعل أحدهم في ولاية بنعروس يطلق على محلّه المخصّص لبيع القهوة والشاي "أدرينالين" لكنّ الناظر في هيئة المتردّدين على هذه المقهى وملامحهم وسلوكهم يحصل له انطباع أنّهم لا يطلبون الأدرينالين من كافيين القهوة بقدرة ما يطلبونه من جلسات الحبّ والمودّة. 

من أدرينالين القهوة إلى أدرينالين العشق

"نُشربو قهوة" في اللهجة التونسيّة دعوة تنطوي على رسائل شتّى منها طلب اللقاء للتشاور والحوار، ومنها الرغبة في تأكيد المودّة وعلاقة الأخوّة، ومنها خاصّة السعي إلى بناء علاقة عاطفيّة أو إعادة إحيائها.

في الحالة الثالثة تكون الوجهةُ المقهى المختلطة ذكورًا وإناثًا، وغالبًا ما يكون المشروب لونًا من ألوان العصير الثمين، فالأدرينالين الذي يطلبه العامل صباحًا من كافيين القهوة تنوب عنه نظرات العشق وهمسات الحبّ وحركات اللهفة والكَلف والهيام في مقاهي الهُيام والغرام.

مقاهي "الكوبلووات" Les couples (التي يرتادها العشّاق)ما انفكّت تنتشر خاصّة في الأحياء الراقية، الخدمات فيها تتّصف بالجودة غير أنّ الأسعار مرتفعة ومشطّة أحيانًا. اللافت أنّ النادل "رضا" اعتبر الظاهرة علامة محمودة صحيّةً، فكلّما ارتفع السعر كان الزبائن أكثر لياقة وكرمًا، وخلا المقهى من المتطفّلين و"أصحاب المشاكل" على حدّ تعبيره.

ما يلفت الانتباه أنّ هذا اللون من المقاهي قد يتحوّل إلى فضاء للتعارف، وقد يرقى الأمر إلى ما يمكن نعته بالمراودة، ولئن كشفت لنا بعض التقارير الصحفيّة التلفزية هذه الظاهرة باعتمادها الكاميرا المخفيّة فإنّ الأمر لم يعد في العديد من المقاهي في حاجة إلى البيان والتبيين، فلا يمُرَّنَّ الواحد بتلك الأماكن إلا وقد أورثت فيه هذا الانطباع.

أردينالين الورق والقمار والكرة 

هذا يضرب على الطاولة فرحًا بورقة ضمنت له الربح في لعبة "الشكبة" أو "الرامي"، وذاك يهتزّ لسماع نتيجة مباراة في كرة القدم أتاحت له الربح في رهان رياضيّ، وهؤلاء تجمّعوا أمام التلفاز يتابعون بمنتهى الحماسة والتوقّد لقاء رياضيًّا يُعرض في قناة مشفّرة ليست متاحة للجميع، يحدث هذا في جلّ المقاهي الشعبيّة ومقاهي الأرياف المُتاخمة للمدن.

في هذه المقامات لا تمثّل القهوة إلّا مجرّد تأشيرة للبقاء في الفضاء الذي يضمن اللعب والدردشة والانضمام إلى مدارج المقهى التي يلبس فيها الزبون لبوس محبّ وفيّ يتابع ناديه ويشجعه ويدافع عنه ويخاصم من أجله جيرانه ورفاقه.

في بعض المقامات لا تمثّل القهوة إلّا مجرّد تأشيرة للبقاء في الفضاء الذي يضمن اللعب والدردشة.. وما يمكن قوله أنّ المقهى في مثل هذه الوضعيّات أبعد ما يكون عن المقصد الأصلي أي طلب التركيز والانتباه

"عماد" نادل في إحدى المقاهي الشعبيّة يؤّكد لـ"الترا تونس" أنّ الزبائن يتضاعف عددهم كلّما كانت المباراة أكثر إثارة خاصّة بين الأندية التونسيّة ذات القاعدة الجماهيريّة الواسعة، غير أنّ الوجه المقلق لهذه المناسبات التي تدرّ مكاسب أوفر هو ما قد يحدث من تنابز يفضي إلى خصام وعراك من شأنه أن يخلّف أضرارًا ماديّة وإفلاتًا من خلاص المشروبات.

ما يمكن قوله أنّ المقهى في مثل هذه الوضعيّات أبعد ما يكون عن المقصد الأصلي أي طلب التركيز والانتباه، فالنشاط الصادر على الكرة والورق والقمار أشدّ حرارة وتوقّدًا من مفعول الأدرينالين الذي يجود به كافيين القهوة. 

 

المقهى فضاء حافظ منذ عقود على جاذبيّته، وقد اكتسب هذه السمة بفضل تجدّده (حسن مراد/Universal Images/Getty)

 

التكييف والأنترنت والهرب من "جحيم البيوت"

ينشأ التوتّر في البيوت عن "الطلاق العاطفي" ويشتدّ بسبب مطالب الأبناء التي يعزّ الاستجابة لها، ويبلغ ذروته في فترات الحرارة وعندما يصبح الهرب من الواقع السوداوي أمرًا مستعصيًا، في هذه الحالة تتحوّل المقهى إلى قارب نجاة آنيّ، فيها يجد العديد من الرجال التكييف المناسب لمواجهة قسوة المناخ، وفيها يظفر بتدفّق الأنترنت التي تفتح نوافذ على عوالم تجعل المُبحر فيها ينسى هموم الواقع والأسرة.

يقول "منير" لـ"الترا تونس" لا قيمة للمقهى دون أنترنت وتكييف، حالما أدخلها أختار ركنًا بعيدًا، فأرمي ورائي همومًا تطاردني صباحًا مساءً، ولا أجد منها مخرجًا غير هذا الفضاء الذي يضمن لي الهدوء ويقلّص من غضبي وقلقي، ويجعلني أعود بعد سويعات هادئ البال قادرًا على تقبّل اللوم والعتاب والمطالب المستعصية بهدوء وأريحية. 

لا شكّ أنّ للمقهى وظائف أخرى في صلة بالتلامذة والطلبة والعمّال والمثقفين والمراهقين ممّا يجعلنا على بيّنة من أنّ هذا الفضاء قد حافظ منذ عقود على جاذبيّته، وقد اكتسب هذه السمة بفضل تجدّده خلافًا لدور الثقافة والفضاءات العلميّة التي عجزت عن كسب ودّ الجمهور، بل استعصى عليها المحافظة على مكتسباتها الشحيحة من الروّاد والمولعين بالفكر والآداب والفنون. 

https://whatsapp.com/channel/0029VaF3y7359PwK40VKVd34

الكلمات المفتاحية

الغش والتسريبات في البكالوريا.. هذا ما جنيناه من مدرسة التسييس والتساهل والمحاباة

الغش والتسريبات في البكالوريا.. هذا ما جنيناه من مدرسة التسييس والتساهل والمحاباة

الغشّ في الامتحانات لم يعد في ظنّ التلامذة -وقسمًا واسعًا من المربّين- جريمة تضرب مبدأ الاستحقاق، فقد تحوّل إلى ثقافة مدرسيّة قلّما يتمّ التصدّي لها بالأسلوب الصارم المناسب.. المزيد عن ظاهرة الغش والتسريبات في البكالوريا في مقال أحمد الزوابي


منها النقد والموعظة والسخرية.. معاني التشبيه في اللهجة التونسية ومرجعياته

منها النقد والموعظة والسخرية.. معاني التشبيه في اللهجة التونسية ومرجعياته

التشبيه في اللهجة التونسيّة ينطوي على عمق ثقافيّ ودينيّ وقيمي ويتّصف بالانفتاح على الواقع في بعده الاجتماعي والسلوكي ويتميّز بالطرافة وروح الإبداع والابتكار


عاملات الفلاحة حسن مراد Getty Universal Images

الاعتراف بمهنة عاملة فلاحية في تونس بين النص والواقع

تواجه عاملات الفلاحة في تونس ظروفًا مهنية قاسية في ظل غياب الاعتراف الرسمي بنشاطهن من طرف مصالح الدولة


اللهجة التونسية المجتمع التونسي قهوة مقهى حسان مراد UCG

الثناء والاستحسان في اللهجة التونسية.. أصالة وطرافة وتجدّد

اللهجة العاميّة التونسيّة تحتاج كغيرها من الثروات الوطنيّة والموروث المشترك إلى التعهّد والنظر والتدقيق في سبيل الإحياء من جهة ورفع اللبس الدلالي من جهة ثانية

نوفمبر خريف طقس.jpg
مجتمع

لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح

حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية

مخدرات.jpg
مجتمع

سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال

تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج


جمعية تقاطع وثّقنا شهادات نساء متضررات من القمع السياسي خارج أسوار السجن
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين

نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..

إليسا
ثقافة وفنون

إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات

أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

هيئة الدفاع: إعادة راشد الغنوشي إلى السجن بعد إخفائه وعزله لمدة 3 أسابيع


2
ثقافة وفنون

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟


3
سیاسة

5 أشهر من الإيقاف.. إضراب جوع يُفاقم المخاوف على صحة نشطاء أسطول الصمود


4
سیاسة

قيس سعيّد: الإصلاحات التعليمية المتعاقبة لم تكن بريئة وبعضها أُملي من الخارج


5
مجتمع

مأساة في القيروان.. البحث عن الكنوز ينتهي بفاجعة داخل دهليز