وانتحر المنطق!
15 فبراير 2025
مقال رأي
اهتزّ الشّارع التّونسيّ، الأسبوع الماضي، لمحاولة 4 أشخاص، على الأقلّ، الانتحار بإضرام النّار في أجسادهم.
ليست تلك المرّة الأولى – وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة - الّتي تُسجَّل فيها أحداث مماثلة في تونس، مع اختلاف الدّوافع والسّياقات وحتّى التّداعيات. ولعلّ المثال العالق في الأذهان يبقى واقعة محمّد البوعزيزي، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، حين أشعل انتحارُه حرقًا فتيلَ موجة من الاحتجاجات الشّعبيّة أسقطت معظم ديكتاتوريّات المنطقة.
في علم الاجتماع، باب واسع لتأصيل الجذور الاجتماعيّة للانتحار كفِعل احتجاجيّ، من أوائل من فتحه الفيلسوفُ الفرنسيّ، إميل دوركايم. مثّلت الثّورة الفرنسيّة عيّنة نموذجيّة عمِل عليها دوركايم تشخيصًا وتحليلاً، مُنطلقًا من فرضيّة أن التحوّلات الكبرى قد تؤدّي إلى عواقب اقتصاديّة واجتماعيّة وخيمة تترك ضحاياها من الفئات المهمّشة المفقّرة عُرضةً للانفصال عن المجتمع وتدفع بهم إلى الانتحار. انتهى دوركايم، فعلاً، إلى أنّ الانتحار شكل من أشكال انعكاس حالة المجتمع على الفرد، بل ويُوجّه نحو خطورة غياب التّضامن الاجتماعي كدافع للإقدام على تلك الخطوة المُميتة.
بعيدًا عن لغة الأرقام ومحاولات التّفكير في الأسباب والعوامل الّتي أدّت إلى تفاقم الظّاهرة، تحوّل الانتحار إلى موضوع للاستقطاب، وإن بشكل مبتذل
وانتبه المنتدى التّونسيّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلى هذا الأمر، انطلاقًا من عام 2015، حين بادر بضمّ حالات الانتحار إلى أشكال الاحتجاجات الّتي يُحصيها بشكل شهريّ، من النّاحيتين الكمّيّة والكيفيّة. وذكرت المنظّمة، الشّهر الماضي، أنّ الرّبع الأخير من سنة 2024 شهد 22 حالة ومحاولة انتحار، 40 بالمائة منها كانوا من فئة الشّبّان. وأوضح المنتدى أنّ ولاية القيروان (وسط غربي)، وهي إحدى أفقر الولايات في تونس، سجّلت أعلى نسب الانتحار بسبب "هشاشة الوضعيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالجهة".
لكن، بعيدًا عن لغة الأرقام ومحاولات التّفكير في الأسباب والعوامل الّتي أدّت إلى تفاقم الظّاهرة، تحوّل الانتحار إلى موضوع للاستقطاب، وإن بشكل مبتذل، إذ ذهب أنصار للرّئيس قيس سعيّد إلى حدّ اتّهام المقدمين على الانتحار بالتّآمر على الدّولة من خلال تأليب الرّأي العامّ على السّلطة الحاكمة في البلاد وتغذية الغضب والسّخط الشّعبيّين. في المقابل، عبّر محسوبون على المعارضة، خاصّة من المقرّبين من أحزاب شاركت بالحكم بين عامي 2011 و2021، عن صدمتهم من تعاظم أرقام المقدمين على الانتحار وكأنّ البلاد حديثة عهد بهذه الظاهرة، والحال أنّ الحكومات المتعاقبة أدارت ظهرها لكلّ التحذيرات من تدهور الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ومن بينها الأرقام الشّهرية الّتي كان المنتدى التّونسي للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة ينشرها ولا يزال.
تجاهل البعض بكلّ فجاجة الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ الخطير في البلاد... أمّا البعض الآخر، فقفز على ترِكة لا تزال جاثمة أمامنا كواقع مرير ترزح تحته عشرات الآلاف من العائلات التّونسيّة. وفي كلتا الحالتين، نحن إزاء حالة إنكار هي الأخطر، فعلاً، على البلاد
تجاهل الفريق الأوّل بكلّ فجاجة الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ الخطير في البلاد، ناهيك عن تدهور السّجلّ الحقوقيّ بأشكال ومظاهر عدّة، ليس أقلّها التّعامل الأمنيّ الخشن مع أيّ شكل من أشكال الاحتجاج، والّذي يُرجَّح أن يكون أحد دوافع إقدام أحد الأربعة على الانتحار.
أمّا الفريق الثّاني، فقفز على ترِكة لا تزال جاثمة أمامنا كواقع مرير ترزح تحته عشرات الآلاف من العائلات التّونسيّة.
وفي كلتا الحالتين، نحن إزاء حالة إنكار هي الأخطر، فعلاً، على البلاد.
ثمّة أزمة حقيقيّة مركّبة في تونس، يختلط فيها السّياسيّ بالاقتصاديّ والاجتماعيّ والحقوقيّ والقضائيّ والمؤسسّاتي والثّقافيّ والأخلاقيّ. ولا يبدو أنّ هناك أفقًا لحلّ أو لسبيل إلى حلّ، لأنّ الإرادة السّياسيّة لدى سلطة من العقلانيّ وصفها بسلطة الأمر الواقع تكاد تكون معدومة، وهي الّتي تتعامل مع التّونسيّين بمنطق أنّه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ثمّة حاجة حقيقيّة للأمل، وقبل ذلك إلى المنطق في إدارة الشّأن العامّ. عدا عن ذلك، سيتواصل النّزيف وتُمتحن عشرات الأسر التّونسيّة في خيرة بناتها وأبنائها
وتستقرّ نسبة البطالة في تونس عند مستوى 16 بالمائة، لكنّها ترتفع إلى 24 بالمائة في فئة خرّيجي الجامعات، وهو ما يُفسّر تسارع وتيرة الهجرة، بشكل نظاميّ وغير نظاميّ. وأظهر استطلاع للرّأي أجرته شبكة "الباروميتر العربيّ" ونشرته الأسبوع الماضي أنّ 46 بالمائة من التّونسيّين عبّروا عن رغبتهم في مغادرة البلاد، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي النّسبة الأعلى في المنطقة العربيّة.
وتشير كلّ الأرقام، انطلاقًا من موازنة العام الجاري، إلى استمرار سياسة التقشّف، مقابل عرض بدائل مُبهمة، كبرنامج الشّركات الأهليّة الّذي يُمثّل ركيزة الخطاب الاجتماعيّ لسعيّد.
لكن، من الواضح أنّ التّونسيّين بحاجة إلى أكثر من ذلك، بتدهور مقدرتهم الشّرائيّة وتردّي الخدمات كالصّحّة والتّعليم والنّقل. ثمّة حاجة حقيقيّة للأمل، وقبل ذلك إلى المنطق في إدارة الشّأن العامّ. عدا عن ذلك، سيتواصل النّزيف وتُمتحن عشرات الأسر التّونسيّة في خيرة بناتها وأبنائها.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"
جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة
حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"
طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي
خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة
قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..
طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب
طقس تونس.. درجات الحرارة مستقرة والبحر قليل الاضطراب
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب
كؤوس الأندية الإفريقية.. الإفريقي يضع قدمًا في الدور المقبل والصفاقسي ينهزم في نيجيريا
فاز فريق النادي الإفريقي اليوم على ضيفه دجوليبا المالي بنتيجة..