هنا تباع

هنا تباع "الشماريخ" خلسة..

تهدد الألعاب النارية وبالخصوص الشماريخ سلامة الأفراد (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

تتعدّد مظاهر الاحتفال في المناسبات التونسيّة لتكتسي حلّة من البهرج لا يكتمل الفرح إلّا بها، وفق الكثيرين، ومن أبرز هذه المظاهر الاستعمال المفرط للألعاب الناريّة. وباتت تعتبر هذه السلع من الأساسيات عند اقتناء لوازم الأفراح أو لارتياد الملاعب خاصة في مباريات كرة القدم.

فبين أزقّة الأسواق، تجد الجميع يبحث عن محلّ يبيع "الشماريخ" أو "الفوشيك" أو "الفلام"، ليقتني ذخيرته التي أوصاه عليها "مولا الفرح" أو أصدقاؤه أو مرافقوه للملعب.

ورغم مخالفتها للقانون، تكتسح هذه السلع عديد الأسواق وتشعل أجواء الاحتفالات في عديد الفضاءات، لكن قد تكون مخلفات استعمالها مغايرة تمامًا.

اقرأ/ي أيضًا: رحلة "النحاس" في تونس.. من التهريب إلى التصدير

أشعل "الفلام" فانطفأت روحه..

فاجعة الموت هي حادثة فارقة في حياتنا سواء كان الفقيد من العائلة أو صديقًا أو من المقرّبين، ولكنّها تظلّ حدثًا استثنائيًا يتسلّل لكياننا فيبعثرنا خاصّة إن كان غير متوقّع وغير منتظر.

ومن أكثر الوفيات التي تترك أثرًا عميقًا هي تلك التي تكون متعلّقة بشاب أو شخص في مقتبل العمر يكون في مخيّلتنا أنّه منئي عن الموت، ولكنّ أقدار الله قد تكون أسرع من خطواته التي يخطوها في درب الحياة. فكم من شاب مات غرقًا وكم من فتاة ماتت بسكتة قلبيّة وكم من طفل صغير حار الأطبّاء في الكشف عن أسباب موته؟ فتكثر الأحاديث والتعاليق من نوع "والله ترزى في شبابو" "والله صغير على الموت" و"الموت درس لينا باش نفيقو الي الدنيا فانية" ويبدأ الحديث عن فكرة الموت التي عادة ما تكون بعيدة عن أذهاننا.

رغم مخالفتها للقانون، تكتسح الشماريخ والفلام والفوشيك عديد الأسواق وتشعل أجواء الاحتفالات في عديد الفضاءات، لكن قد تكون مخلفات استعمالها مغايرة تمامًا

فاجعة موت الشاب التونسي رياض الوسلاتي هي من إحدى هذه الحوادث حيث توفّي متأثّرًا بإصابته بـ"فلام" انفجر على مستوى الكبد أثناء حضوره حفل زفاف صديق له. يعمل رياض الوسلاتي كـ"كرونيكور" (معلق صحفي) في إذاعة "ديوان أف أم" يقدّم فقرة تعنى بالرياضة نظرًا لتكوينه وتخرّجه من المعهد العالي للرياضة بتونس، ويدّرب مجموعة من الأطفال بإحدى جمعيات كرة القدم.

تأنّق ذات أربعاء واتّجه ليشارك صديقه الاحتفال بـ"الحنّة" وهي جزء من الأعراس التونسية التي يجتمع فيها الشباب ليحتفلوا بهذا الحدث المهم في حياة صديقهم أو قريبهم أو جارهم. ولأنّ أفراحنا لا تخلو من مظاهر الزينة والبهرج، فإنّ هذا الحدث لا يمكن أن يمرّ دون استعمال الألعاب الناريّة التي تضفي شيئًا من السحر والبريق للمكان وتزيد صخب الأجواء.

تقاسم الشباب ذخيرة هذه الألعاب فيما بينهم والكلّ يستعدّ لإطلاق ما بحوزته من "شماريخ" أو "فلامات" وسط الزغاريد والموسيقى. لكن تشاء الأقدار أن تكون "قنبلة الموت" من نصيب رياض.

توفي الشاب رياض الوسلاتي متأثّرًا بإصابته بـ"فلام" انفجر على مستوى الكبد أثناء حضوره حفل زفاف صديق له

اقرأ/ي أيضًا: حفلات الزواج في تونس.. حلبة مصارعة للتفاخر والتباهي

فحسب ما يرويه صديقه ناجي لـ"ألترا تونس"، حاول رياض عديد المرات إطلاق "الفلام" التي في يديه لكنّها أبت في البداية ولكن مع إصراره المتكرّر اشتعلت "الفلام" وانطفأت روح رياض. تمّ نقله مباشرة لمستشفى "شارل نيكول" بالعاصمة ولكن ورغم المحاولات لإنقاذه إلا أنّ رياض وافته المنيّة في مشارف الصبح حسب ما نقله لنا صديقه، وهكذا تحوّل الفرح لمأتم.

كان الخبر صادمًا للجميع سواء لعائلته أو أصدقائه أو حتى متابعيه عبر الأثير والذين لم يتقبّلوا إلى اليوم فكرة موته. فكيف لرياض أن يرحل وهو الباحث عن الحياة في قاعات الرياضة وبين أقدام الأطفال الذين يدرّبهم على كرة القدم؟ كيف يرحل ذاك الذي كان النظام والأكل الصحي أساس حياته؟ كيف يرحل مانح الفرح لوالديه ومصدر القوّة لأخويه ونبع الحب لخطيبته نور؟

أسئلة تبادرت لأذهان جميع الحاضرين في مأتم رياض فلم يستطع أحد أي يخفي حسرته ولوعته على فراق هذا الشاب. في المقابل، كانت هناك عديد الأسئلة الأخرى المتداولة على غرار كيف "لفلام" أن تزهق روح الفتى؟ وأين تكمن خطورة هذه الألعاب الناريّة؟ وأليس من الممنوع بيعها وتداولها في الأسواق؟

شعلة للفرح أم قنبلة موت؟

كان خبر موت رياض الوسلاتي مادّة إعلاميّة مهمّة لعديد الإذاعات والمواقع الصحفية الذين جعلوا من موته عبرة للسامعين. فأطلق عدد من الإذاعات إنذارات لاستعمال الألعاب الناريّة و"الفوشيك" ونبّهوا من خطورتها على سلامة الأفراد وأضرارها الوخيمة التي تصل حتّى للموت.

حصص توعويّة وتحسيسيّة للمواطنين لم تكن كافية للحدّ من هذه الظاهرة، فإلى يومنا هذا لا نزال نسمع صوت المفرقعات في عديد الأحياء وقاعات الأفراح ولا تزال تباع هذه الألعاب خلسة داخل الأسواق.

كان خبر موت رياض الوسلاتي مادّة إعلاميّة مهمّة لعديد الإذاعات والمواقع الذين جعلوا من موته عبرة للسامعين

وقد بات استعمال الألعاب الناريّة مظهرًا من مظاهر الفرح سواء في المناسبات أو الأعراس أو المحافل الرياضيّة. وتصنع أغلبها من مواد كيميائيّة شديدة الاشتعال ينتج عن تفاعلها سواء ألوان أو أصوات مدوّية أو دخان ينتشر في الهواء.

وتتسبّب في عديد الأضرار الجسيمة لمستعملها فقد تضرّ العين وتصل حدّ العمى بسبب روائح الاحتراق المنبعثة منها ومنها ما يتسبب في بتر بعض الأعضاء كالأصابع واليد وقد يصل الأمر إلى الوفاة. وتعتبر سجلات الاستعجالي والنجدة أكبر شاهد على هذا حيث تعجّ بعديد الحالات التي نتجت عن استعمال هذه الألعاب.

وقد ذكرت وزارة التجارة والصناعات التقليديّة في بلاغ لها بمقتضيات الإعلان المشترك الصادر عن وزير الداخليّة والماليّة والتجارة والصحّة القاضي بمنع صنع وتوريد وخزن وترويج الألعاب الناريّة. وأكدت أنّ كلّ مخالف لمقتضيات هذا الإعلان يعرض نفسه للتتبعات والعقوبات المنصوص عليها بالتشاريع الجاري العمل بها.

نحتاج اليوم لتتكاتف جميع الهياكل والمنظّمات للحدّ من ظاهرة استعمال المفرقعات لكي لا نفجع في شبابنا ولا تتحوّل أفراحنا لمآتم

ورغم منع توريد ومسك الألعاب النارية باعتبارها من البضائع المحجّرة عند التوريد، ورغم اعتبار ترويجها بالسوق المحلية مخالفًا للقوانين، إلا أنّ الأطنان من الألعاب النارية والمفرقعات خاصة الأنواع الصينية منها والتي تكون عادة دون ضوابط ومراقبة في تصنيعها، تجتاز حدودنا ويقع ترويجها وبيعها في الأسواق على قارعة الطريق بشكل عادي.

وحتى الحملات الأمنيّة المكثّفة من قبل الوحدات الامنية للتصدّي من هذه الظاهرة لم يكن كافيًا لمنع تدفّق هذه البضائع بسبب السوق الموازية والمسالك غير القانونية للترويج.

رغم أنّ أخبار الموت والحوادث تنسى مع مرور الأيام وليست بالرادع الكافي لخلق وعي جمعي يلتزم بالقوانين ويحترم بنودًا وضعت من أجل سلامته وحمايته، نحتاج اليوم لتتكاتف جميع الهياكل والمنظّمات للحدّ من ظاهرة استعمال المفرقعات لكي لا نفجع في شبابنا ولا تتحوّل أفراحنا لمآتم .

 

اقرأ/ي أيضًا:

إدمان الحقن.. أخطر أنواع إدمان المخدرات

جدل "تحرير" القنب الهندي يتجدّد في تونس