هل يعي المستهلك التونسي خطر المعلبات الغذائية؟
10 مايو 2025
تقف أمام رفوف السوبرماركت، تنقل بصرها لتقرأ أسماء بعض أنواع المعلبات، وحتى إن تناولت إحداها فلا تكلّف نفسها عناء قراءة مكوناتها أو بعض التفاصيل المدونة على غلافها. فقط ما يهمها تاريخ صلوحية العلبة.
تسألها عن مدى معرفتها بما قد تحتويه أي علبة من تلك العلب من مكوّنات، تجيب "طبعًا خضروات وبعض المواد الحافظة". تقول رقية التي التقينها في أحد المحلات التجارية الكبرى "لم يخطر ببالي يومًا أن أقرأ ما تحتويه أي علبة من المعلبات التي أقتنيها، أركز فقط في الاسم والنوع وتاريخ الصلوحية. حقيقةً، ليس لأنّ الأمر لا يهمني، بل لأنّ ما يهمني هو مذاقها عند الأكل لذا أخيّر نوعًا على آخر".
في ظل غياب التوعية وغياب المعطيات الدقيقة، تستمر الأغذية المعلّبة في التسلل إلى موائد التونسيين، محمّلةً بمواد قد تضر بالصحة على المدى الطويل
رقية ليست الوحيدة التي لا تهتم بمكونات أيّ علبة مصبرات. فغالبية المستهلكين لا يهمّهم إنّ كانت تحتوي على مواد حافظة، أو سكريات زائدة، أو حتى مسببات للحساسية. كل ما يهم هو الشكل الخارجي، والنوع أو ربما السعر، غير مدركين لما يمكن أن تحمله تلك المعلبات من تأثيرات على الصحة. فهل جرّبت في مرة أن تقرأ ما كُتب على غلاف المعلبات المفضلة لديك. وهل جرّبت أن تبحث عن مخاطر بعض تلك المكونات؟
طبعًا أغلبنا يُركز في معرفة ما إذا كانت المنتجات التي نشتريها محلية الصنع أو مستوردة. أو نُركّز في تاريخ صلوحيتها فقط. حتى وإن تعلّق الأمر بشراء المعلبات. فقد ساهم ضيق الوقت وتزايد وتيرة الحياة اليومية في تغيير عادات الاستهلاك الغذائي لدى الكثير من الناس. إذ بات الاعتماد على المنتجات الغذائية الجاهزة والمعلبة خيارًا مريحًا لتلبية الحاجات اليومية في أقلّ وأسرع وقت ممكن. وهو ما أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في استهلاك المعلبات، خاصة في الأوساط الحضرية، حيث يُفضّل الكثيرون السرعة والسهولة نظرًا لضيق الوقت، على حساب التحقق من جودة المكونات أو قيمتها الغذائية.

لكن رغم ما توفره الأطعمة المعلبة من راحة وسهولة في الاستخدام، فإنّ الاعتماد المفرط عليها يحمل العديد من الآثار السلبية على الصحة. فغالبًا ما تحتوي هذه المنتجات على نسب عالية من المواد الحافظة، والصوديوم، والسكريات، والدهون المشبعة، ما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسكري.
بخصوص هذا الموضوع، تقول أخصائية التغذية سلسبيل شمام لـ"الترا تونس" إنّ "غالبية المستهلكين لا يعرفون مكونات المعلبات. ولعلّ أبرز مشكل فيها هو احتواؤها على مواد حافظة وملح وأحيانًا سكريات، وهي مكونات إذا اجتمعت تزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة"، على حد قولها.
غالبًا ما تحتوي الأغذية المعلبة على نسب عالية من المواد الحافظة، والصوديوم، والسكريات، والدهون المشبعة، ما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة
وتضيف: "لا سيما الملح الموجود في الأغذية المعلبة، فإنّ الإفراط في استهلاكها يؤدي إلى ارتفاع مستوى الصوديوم في الجسم، مما يسبب ارتفاع ضغط الدم، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين والسكتات القلبية"، مشيرةً إلى أنّ "الكثير من الناس لا يعون أنّ الصوديوم يؤثر أيضًا على وظائف الكلى ويتسبب في احتباس السوائل في الجسم التي تسبب في آثار جانبية أخرى على المدى الطويل".
كما تؤكد الأخصائية أيضًا أنّ "الأغذية المعلّبة تحتوي عادةً على نسب مرتفعة من السكريات، مما يساهم في زيادة الوزن، خاصةً عند اقترانها بدهون مضافة. ويؤدي ذلك إلى استهلاك سعرات حرارية تفوق المعدّل الطبيعي، بخلاف ما يحصل عند تناول أغذية طازجة. وتزداد المشكلة مع معلبات الخضر والغلال التي تفتقر غالبًا إلى الألياف الطبيعية، ما يُضعف الإحساس بالشبع، ويُبقي الشهية مفتوحة، وهو ما قد يؤدي إلى الاعتياد على تناول الأغذية المعلبة بشكل مفرط".

العديد من المختصين يؤكدون أنّ الاعتماد على المعلبات في كثير من الأحيان يؤدي إلى نقص في العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التوعية بأهمية التوازن الغذائي، والاعتدال في استهلاك هذه المنتجات على الرغم من كونها باتت بديلًا غذائيًا في ظل عدم توفر بعض المواد الغذائية الطازجة، سواءً من الخضروات والفواكه أو اللحوم والأسماك.
تقول مفيدة بن صالح (45 سنة)، التقيناها في أحد المحلات، إنّها "تضطر أحيانًا إلى استهلاك الفاصوليا أو البازلاء المعلبة وغيرها من الخضروات، لأنها لا تحصل عليها سوى في مواسمها ولم يخطر ببالها حتى تخزين البعض منها خلال المواسم التي تتوفر فيها"، مضيفةً: "الأمر لا يحتاج مني سوى اقتناء علبة وتفريغها في القدر لساعة فقط ويكون العشاء جاهزًا".
سلسبيل شمام (أخصائية تغذية) لـ"الترا تونس": المستهلك يميل إلى استسهال تناول الأغذية المعلّبة، خاصة في ظل غياب حملات توعوية كافية تحذر من مخاطر الإفراط في استهلاكها
عن مكوناتها تقول إنّها لم تقرأ مرة أي غلاف علبة لتطلع على مكوناتها، فما يهمّها هو السعر وتاريخ صلوحية العلبة، وحتى مصدرها لا يعني لها الكثير، فالمهم بالنسبة لها طعمها خلال الأكل.
لا توجد إحصائيات عن نسبة استهلاك المعلبات في تونس أو تصنيف بعضها حسب نسب الاستهلاك، لكن بحسب أرقام مجمع صناعات المصبرات الغذائية "جيكا"، فإنّ المواطن التونسي يحتلّ المرتبة الأولى عالميًا في نسبة استهلاك معجون الطماطم منذ سنة 2014 بمعدل استهلاك سنوي يقدر بنحو 10 كغ للفرد الواحد. أي ما يُمثّل 60 كغ من الطماطم المعدة للتحويل، ويصل معدل الاستهلاك الوطني الإجمالي إلى 100 ألف طن سنويًا.
وتشير أخصائية التغذية سلسبيل شمام إلى أنّ "المستهلك يميل إلى استسهال تناول الأغذية المعلّبة، خاصة في ظل غياب حملات توعوية كافية تحذر من مخاطر الإفراط في استهلاكها، كما أن النقص في الإحصائيات حول نسب استهلاك هذه المنتجات أو أنواعها الأكثر رواجًا يزيد من صعوبة تقييم مدى انتشار الظاهرة والتعامل معها بفعالية".

وتضيف أنّ "معظم الأغذية المعلّبة تحتوي على مكونات قد تضرّ بالجهاز الهضمي، إذ يمكن أن تسبب المواد الحافظة المستخدمة فيها اضطرابات مثل الغازات والانتفاخ. كما أن القيمة الغذائية لهذه المنتجات، من حيث الفيتامينات والأملاح المعدنية، تقلّ كثيرًا مقارنة بما تحتويه الخضروات الطازجة، ما يجعلها في كثير من الحالات أقرب إلى غذاء منخفض الفائدة".
وتعقّب محدثة "الترا تونس" في ذات الصدد: "يزداد الأمر خطورة مع بعض أنواع المعلّبات التي تحتوي على مواد كيميائية تعيق امتصاص العناصر الغذائية الأساسية، مما يؤثر سلبًا على وظائف الجهاز الهضمي، وقد يُضعف المناعة على المدى الطويل"، حسب تقديراتها.
سلسبيل شمام (أخصائية تغذية) لـ"الترا تونس": معظم الأغذية المعلّبة تحتوي على مكونات قد تضرّ بالجهاز الهضمي وملوّثات قد تتسبب في اضطرابات هرمونية وأمراض متعلقة بالغدة الدرقية
على صعيد آخر، أشارت إلى أنّ "العديد من الأغذية المعلّبة تحتوي على ملوّثات قد تتسبب في اضطرابات هرمونية وأمراض متعلقة بالغدة الدرقية، سواء بفرط نشاطها أو خمولها، وهو ما يشكل خطرًا خاصًا على الشباب وصغار السن. كما أن بعض هذه المواد تؤثر سلبًا على النمو الطبيعي للأطفال، وقد تُضعف قدرتهم على التركيز، مما ينعكس على أدائهم الذهني والسلوكي".
وأكدت أنّ "أغلب المستهلكين يفرغون العلبة بما فيها من ماء خلال عملية الطبخ، وهذا أمر في غاية الخطورة لا سيما وأنّ المياه التي توجد في تلك العلبة تحتوي على كميات كبيرة من المواد الحافظة"، مستطردة القول: "على المستهلكين غسل تلك الخضر أو الغلال المعلبة قبل استهلاكها، على الأقل، للتقليل من نسبة المواد الحافظة فيها"، حسب تقديرها.
إنّ الوعي بمخاطر الأغذية المعلبة لم يعد ترفًا، بل ضرورة صحية تفرضها وتيرة الاستهلاك المتسارعة. فاختياراتنا الغذائية اليوم ترسم ملامح صحتنا غدًا.

الكلمات المفتاحية

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة

رفض الإفراج عن عبد الله السعيد وتأجيل محاكمته وسط تضامن حقوقي واسع
عبرت عديد المنظمات والجمعيات الحقوقية عن تضامنها ومساندتها للناشط الجمعياتي عبد الله السعيد ودعت إلى الإفراج عنه وإيقاف كلّ التتبّعات ضدّه

الدورة الشهرية والمراهقات في المدارس.. آلام جسدية وغياب للتوعية
"في اليوم الأول من الدورة، لا تشبه ابنتي نفسها" هكذا عبّرت الأمّ عن حالة ابنتها وهي تحاول أن تختار كلماتها بحذر: "هي في العاشرة من عمرها فقط، لكن جسدها قرر أن يسبق عمرها بخطوات"

الغابات التونسية بين التحديات البيئية والقانونية.. دعوة لمراجعة شاملة لمجلة الغابات
تعد الغابات التونسية أحد المكونات البيئية الحيوية للنظام الإيكولوجي الوطني، ليس فقط من حيث الغطاء النباتي، بل لدورها الفاعل في تحقيق التوازن المناخي، والحفاظ على التنوع البيولوجي، ودعم التنمية المستدامة للمجتمعات المحلية، وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار رعدية في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الجمعة 13 فيفري 2026 يتميز بسحب عابرة تكون أحيانًا كثيفة تدريجيًا آخر النهار بالمناطق الغربية للشمال والوسط، مع أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية، لتشمل محليًا الجهات الشرقية أثناء الليل

عمال شركة "Sanofi" يقرّون إضرابًا إثر اعتزام الشركة إيقاف نشاطها بتونس
الاتحاد الجهوي للشغل بتونس يمدّد بقرار شركة "سانوفي أفانتيس تونس" (Sanofi) إيقاف نشاطها في تونس، وهو القرار الذي وصفته الهياكل النقابية بالتعسفي وغير المبرر اقتصاديًا

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة

قصر صقانس بالمنستير.. ذاكرة التحديث في تونس البورقيبية
قصر صقانس بالمنستير جاء تشييده في سياق الرؤية التحديثيّة التي كانت تسكن العقل السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة، وقد صرّح بذلك في أكثر من مكان. وقد حازت مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم النصيب الأوفر من إنجازات المهندس المعماري "كاكوب".
