هل خفت صوت المدوّنين في تونس؟

هل خفت صوت المدوّنين في تونس؟

دور فاعل للمدوّنين والنشطاء عبر الأنترنت في مواجهة نظام الاستبداد سابقًا (نيكولا فوكي/Getty)

 

 

في إطار ما يُسمى بتسفيه القيّم وتعظيم التافه، أصبح لفظ "مدوّن" يحمل تونسيًا معنى سلبيًا تهكميًا لدى عديد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي حينما يطلقونه على شخص ما لتبيان مدى تفاهة نظرته للأمور، والحال يحمل هذا اللفظ أهمية في تاريخ تونس المعاصر لدور أصحاب هذا اللقب "القدماء" في الوقوف في وجه الدكتاتورية ونقل أحداث الثورة التونسية.

قبل الثورة بسنوات طويلة، كانت تزخر تونس بعدد كبير من المدونين غالبيتهم من الشباب، في زمن لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي تشهد انتشارًا بين التونسيين مثل اليوم، إذ لم يكن السبيل الوحيد وقتها إلا تأسيس "مدوّنات"(Blog). والآن بعد 8 سنوات من الثورة بتحرّر الرقابة على الأنترنت وبعد ثورة مواقع الميديا الاجتماعية، كيف أصبح حال المدوّنين في تونس؟

من زهير اليحياوي إلى الجيل الجديد للمدوّنين

لم تكن الثورة التونسية وليدة لحظة احتراق محمد البوعزيزي أما مقر ولاية سيدي بوزيد، بل سبقها مسار نضالي لعقود قاده معارضون ونقابيون وناشطون من بينهم نشطاء الأنترنت والمدوّنين. من بين هؤلاء زهير اليحياوي الملقب اليوم بـ"شهيد الأنترنت" الذي مات بعد أن ذاق الويلات والتعذيب في سجون المخلوع زين العابدين بن علي تاركًا وراءه إرثًا من النضال ضد الاستبداد عبر الكلمة الحرة التي كان يدونها وينشرها من خلال الشبكة العنكبوتية. وقد ظهر بعده بسنوات جيل جديد من المدونين.

لم تكن الثورة التونسية وليدة لحظة احتراق محمد البوعزيزي أمام مقر ولاية سيدي بوزيد بل سبقها مسار نضالي لعقود قاده معارضون ونقابيون وناشطون من بينهم نشطاء الأنترنت 

اقرأ/ي أيضًا: زهير اليحياوي.. شهيد الإنترنت التونسي

في بداية سنة 2004، بدأت بالظهور مدونات جديدة على الأنترنت تناولت أوضاع حقوق الإنسان والحريات في تونس، وكان عزيز عمامي، ناشط في المجتمع المدني، أحد المدونين الذين ظهروا خلال تلك الفترة. بدأ عزيز نشاطه ضد التضييق على الحريات منذ أن كان تلميذًا في المعهد سنة 2000 ليحول نشاطه إلى العالم الافتراضي عام 2004. وبرز أيضًا المدوّن هيثم المكي، يعمل اليوم كمعلّق صحفي بإذاعة خاصة، الذي نشأ في عائلة سياسية.

تعتبر لينا بن مهني، الناشطة في المجتمع المدني، أن النضال من أجل الحقوق دفعها دفعًا إلى السياسة، وقد بدأت بالكتابة قبل وقت طويل لكن عندما توفرت منصات للنشر على الأنترنت استغلت مواقع المدوّنات للترويج لأفكارها الداعية لإرساء الحريات والديمقراطية.

إلى جانب عزيز وهيثم ولينا، نشط مدونون آخرون عبر المدوّنات، ورغما اختلاف مشاربهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية، كان يجمعهم هم واحد: نقد الوضع السياسي والحقوقي والاجتماعي في تونس.

"الفوبروفيل" أو الاسم المستعار.. طريق للحماية من بطش النظام

دفع تكميم الأفواه وانغلاق الإعلام الرسمي للبحث عن أشكال أخرى للتعبير بدأت مع "المدونات" التي استعملت أدوات محفزة لعبت دورًا في جذب المتلقي. ولاقى التدوين نجاحًا كبيرًا في بداية ظهوره في العالم العربي وفي تونس خصوصًا، وكان يستعمل المدوّنون أسماء مستعارة (فوبرفيل) أمام بطش النظام القمعي.

كان أول اسم اختارته لينا بن مهني بعد تأسيس مدونتها هو "أفكار مجنونة"  قبل أن تغيره ليصبح "بنيّة تونسية" سنة 2009، وتقول لينا في حديثها لـ"ألترا تونس": "كان لزامًا علينا في ظل ما كنا نعيشه أن نحاول إخفاء هويتنا لأن ما نكتبه قد يؤدي بنا إلى السجن في ظل نظام دكتاتوري".

لينا بن مهنّي من أهم وجوه التدوين زمن الاستبداد (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

من جهته، اختار عزيز عمامي اسمًا غريبًا لمدونته وهو "قطوس" (قطّ)، ويحدثنا عن الوضع حينها قائلًا: "كنا في ذلك الوقت مجموعة كبيرة من المدونين لم نعرف بعضنا معرفة شخصية إلا من خلال الأسماء المستعارة حتى أن بعض الأشخاص حافظوا على هذه الأسماء بعد الثورة". ويشير إلى أن التعارف الرسمي للمدونين حصل بعد أحداث الرديف سنة 2008 "وقتها أصبحنا نعرف بعضنا البعض ونشأت صداقة ألزمتها مواجهة العدو المشترك وهو النظام القمعي".

هزيمة مواقع التدوين أمام مواقع التواصل الاجتماعي

عرفت حركة التدوين التونسي أوجها سنة 2005 بمناسبة استضافة القمة العالمية حول مجتمع المعلومات، احتجاجًا على تنظيم القمة في بلد يتصدر قائمة دول قمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان في العالم. تزامن هذا التحرك الاحتجاجي مع بروز مفهوم "صحافة المواطنة" الذي يقوم على جهد المواطن العادي في نقل ما تعجز وسائل الإعلام التقليدي عن نقله أو ترفض ذلك لأي سبب من الأسباب.

لاحقًا، شهدت الأنترنت ظهور أنموذج إعلامي جديد، وهي الشبكات الاجتماعية مثل "فيسبوك" و"تويتر" التي سحبت إليها في أشهر قليلة أغلب المدونين التونسيين، حتى بات لفظ "فيسبوك" الكلمة السحرية لبدايات الثورة التونسية.

عرفت حركة التدوين التونسي أوجها سنة 2005 بمناسبة استضافة القمة العالمية حول مجتمع المعلومات

وقد رافقت الطفرة التي عرفتها مواقع التواصل الاجتماعي طفرة في عدد مستعملي الأنترنت في تونس ما ضاعف حجم تأثير المدونين، وقد انتقلت جحافل المدونين من مواقع المدوّنات إلى مواقع التواصل الاجتماعي. في هذا الجانب، يقول عزيز عمامي لـ"ألترا تونس": "كان لابد من مجاراة هذا التطور السريع واستغلاله قدر الإمكان".

اقرأ/ي أيضًا: إنترنت تونس زمن بن علي.. بوليسية إلكترونية أيضًا

لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد المدونات التونسية ولكن نتائج البحث في محركات البحث ترجح وجود ما بين 6 و8 آلاف مدونة تونسية. بدأ عصر المدونات الإلكترونية بالأفول بعد أن كانت بمثابة ثورة على الإعلام التقليدي والصحافة التي تعاني من القيود والتضييق، وساهمت بالخصوص مواقع التواصل الاجتماعي في انحسارها خاصة مع افتكاك حرية التعبير وجعلها متاحة للجميع عدا عن سهولة استعمال هذه المواقع.

المدونون والثورة

تختلف تجربة المدونين في ثورة تونس بين التنكيل والإخفاء والسجن والهروب المتواصل. يقول هيثم المكي إن الثورة جاءت نتيجة لعمل نضالي طويل، مشيرًا إلى إطلاق المدونين قبل أشهر من اندلاع الثورة لحملتين على "فيسبوك" وهما "نهار على عمار" و "سيّب صالح".

يعتبر المكي في تصريحه لـ"ألترا تونس" أن الثورة كانت بمثابة ثقب صغير في جدار الديكتاتورية "لقد أحدثت احتجاجات سيدي بوزيد ثقبًا صغيرًا في جدار النظام السابق السميك وكان علينا فقط أن نجعل هذا الثقب أكبر وأوسع حتى يمكن لنا التفاوض معه لكن لم نكن نتوقع تمامًا أن ينهار بهذه البساطة".

لينا بن مهنّي: كنت متأكدة أن احتجاجات سيدي بوزيد عام 2010 هي المسمار الأخير في نعش النظام السابق

في المقابل، قضى عزيز عمامي أيام الثورة في أماكن مختلفة أمام شاشات الحواسيب بين محطات القطارات والمقاهي "كنت أكتب بنهم كبير وكنت أشارك كل شي أفكر فيه أو ألحظه إلى أن تم إلقاء القبض عليّ وإطلاق سراحي يوم 14 جانفي، لكن بعد هروب بن علي كنت متأكدًا أن النصيب الأكبر من النضال مازال مستمرًا". أما لينا بن مهني فتقول إنها كانت متأكدة في قرارة نفسها أن احتجاجات سيدي بوزيد هي المسمار الأخير في نعش النظام السابق.

وشقّ كل مدوّن طريقه..

"تونس في الوضع الحالي تشبه نفسها كثيرًا، هناك الكثير من العمل يجب إنجازه من أجل الارتقاء بوعي الشعب"، هكذا يتحدث عزيز عن وضع تونس اليوم وهو الذي لا يتوقع انفراجًا في المستقبل القريب.

هيثم المكي يصف من جهته الوضع الحالي بأنه عبارة عن "فوضى وتسيب وهمجية وجهل بأبسط الأشياء"، قائلًا: "هناك تقدم بسيط في بعض المسائل في علاقة بالحريات لكن لن أسامح جميع من مارس الحكم بعد الثورة لأنهم ضيعوا علينا وعلى أنفسهم حلم بناء دولة متقدمة بلا مشاكل اقتصادية". لكن يعتقد المكي أنه بدون أمل لا يمكن للدول أن تتقدّم "عاجلًا أم أجلًا ستجتاز تونس هذه الأزمة لا أعرف كيف و لكنها ستتجاوز أزماتها" كما يقول.

هيثم المكّي: ستجتاز تونس عاجلًا أو أجلًا الأزمة التي تعيشها حاليًا لا أعرف كيف ولكن تونس ستتجاوز أزماتها

أما لينا بن مهني فاختصرت رؤيتها للمستقبل في تونس من خلال رؤية تلاميذ الباكالوريا المعبّر عنها في "دخلة الباك سبور" مؤخرًا، مشيدة بنضج الوعي السياسي للجيل الجديد ومؤكدة أن اللافتات المرفوعة "تجعلك بكل بساطة تعطي أملًا في وعي الجيل القادم الذي تربى على الحرية والديمقراطية".

تغيرات المشهد في تونس دفعت المدونين إلى اتباع أساليب جديدة للنشاط واختلفت اهتمامات كل واحد منهم، فكان عزيز عمامي من بين أهم المشاركين في حملات كثيرة بعد الثورة مثل حملة "مانيش مسامح" في مواجهة قانون المصالحة، أما هيثم المكي فلا يزال يقدم إلى حد الآن موقفه من الأوضاع في تونس بصفة يومية كمعلّق صحفي في إحدى الإذاعات. أما لينا بن مهني فوجدناها في حلقة نقاش حول خطاب الكراهية على فضاء الأنترنت، وقد قادت حملة لجمع الكتب للسجون إلى أن جمعت أكثر من 30 ألف كتاب، كما أطلقت حملة "وينو الدواء" الهادفة إلى مساعدة المواطنين في ظل أزمة نقص الأدوية مؤخرًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"دحروج" و"شافط" و"المسخ".. التخفي الذي كشفته هيئة الحقيقة والكرامة

ماذا تعرف عن صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد؟