هل انتهت انتخابات 2019 أخلاقيًا وسياسيًا؟

هل انتهت انتخابات 2019 أخلاقيًا وسياسيًا؟

ما قيمة كسب المعركة السياسيّة إذا كان خسرانٌ في المعركة الأخلاقيّة؟

مقال رأي

 

لم يعد الحديث عن تشكيل الحكومة ومن سيكون من فريقها ومن سيكون في المعارضة يغري المتابعين للشأن العام كثيرًا. فقد سئم الجمهور من تناقر ممثّلي الأحزاب بخطاب ضعيف الصلة بالبرامج والحلول للخروج من الأزمة، ولا يكاد يخرج عن التنابز بالفساد والإعلان المتبادل عن افتقاد الثقة فيما بينها. وقد كان انتظار حكومة قويّة ومنسجمة أمًلا في مواجهة أزمة ماليّة اقتصاديّة كادت تأتي على ما يعرف بالطبقة الوسطى.

هذه الانتظارات تحوّلت إلى أسفٍ مع إسقاط حكومة الحبيب الجملي ويبدو أنّها تتجه لتكون إحباطًا شاملًا مع ما رافق إعلان حكومة إلياس الفخفاخ من خلافات حادّة لا تساعد على المرور بثقة إلى البرلمان.

اقرأ/ي أيضًا: حكومة الفخفاخ.. أزمة الربع ساعة الأخير والسيناريوهات الممكنة

إسقاط حكومة الجملي وآثاره

جاء تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة بعد إسقاط حكومة الحبيب الجملي، وقد تركت هذه الحادثة البرلمانيّة غير المسبوقة ندوبًا عميقة في الوجوه والجملي هو مرشّح حركة النهضة المتصدّرة للانتخابات التشريعيّة. وقد دار جدل حول هذه النتيجة: هل فازت النهضة بالانتخابات أم أنّها جاءت في المرتبة الأولى لا أكثر؟ ويعكس الجدل حقيقة النتائج الموسومة بالشتات وما يترتّب عنه من صعوبة تشكيل حكومة قويّة بحزام سياسي واسع يساعد على استكمال مؤسسات النظام السياسي، وفي مقدّمتها المحكمة الدستوريّة، ومباشرة إصلاحات تتطلّبها الأزمة الماليّة الاقتصاديّة.

جاء تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة بعد إسقاط حكومة الجملي، وقد تركت هذه الحادثة البرلمانيّة غير المسبوقة ندوبًا عميقة في الوجوه

كان لهذا الجدل أثرٌ في المفاوضات على من يُنسبون إلى الصفّ الثوري من الأحزاب، وهي التيّار والنهضة والشعب وائتلاف الكرامة، ويُلحق بهذا الصف حزب "تحيا تونس" (يوسف الشاهد) باعتباره أحد مكوّنات القديم "المُدقْرَط" وإن لم يكن الوحيد. فمشتقات النداء أكثر من أن تحصى. وانتهت هذه المفاوضات إلى فشل، فالنهضة أعلنت أنّها مكّنت التيّار والشعب من كلّ ما طلباه، في حين انسحب الحزبان ليلة الإعلان عن تشكيلة الحكومة مشدّديْن على أنّهما غير معنييْن بالمشاركة في الحكومة.

وانتهى التصويت بإسقاط الحكومة، والأهمّ هو الكتلة البرلمانيّة الواسعة التي لم تَمنح حكومة الجملي الثقة وهي كتلة تمتدّ من الدستوري الحر انتهاءً بالتيار الدريمقراطي ومرورًا بالنداء وكلّ مشتقاته الحزبية وحركة الشعب. وصار للرقم 134 الذي يشير إلى عدد الأصوات التي أسقطت الحكومة دلالات قويّة ومعاني سياسيّة حافّة، ولكنّه رقم يستدعي مقابله وهو رقم (72)، ويمثّل عدد الأصوات التي جمعتها النهضة مع حليفها ائتلاف الكرامة في التصويت لحكومة الجملي في البرلمان.   

فالنهضة التي لم تغادر الحكومة منذ 2011 لا تفهم هذا اللقاء الواسع في مواجهة حكومتها إلاّ على أنّه خطوة لإخراجها من الحكم. وقد سبق إسقاطَ حكومة الجملي وتلاها عربدةُ رئسية الحزب الدستوري الحر المكوّن الفاشي من المنظومة القديمة، الرافض للثورة والديمقراطيّة، الممجّد للاستبداد بعهديْه. وهي تعتبر أنّ مهمّتها الأولى الإطاحة بـ"الإخوان" وإخراجهم من الحكم تمهيدا لمحاكمتهم، وهي لا تُخفي تقاطعها مع أجندة الثورة المضادّة في المجال العربي.

وحمل السيد إلياس الفخفاخ وهو يشرع في مفاوضات التكليف الثاني كلّ هذه الرواسب لتخيّم بظلالها على كلّ مراحلها وليكون لها تأثير فعلي على نتائجها.

إلياس الفخفاخ والبداية الخطأ

بعد حوالي الشهر من تكليف إلياس الفخفاخ حصل نوع من الإجماع على البداية الخطأ التي افتتح بها مشاوراته حول تشكيل الحكومة. فقد كان الخطأ الاتصالي في أوّل تصريح له بعد التكليف في إعلانه بأنّ المشاورات ستُقصر على الأحزاب التي صوّتت في الدور الثاني للرئيس قيس سعيّد، وأنّه يستمدّ شرعيّته من رئيس الجمهوريّة. واعتُبر هذا خروجًا عن صريح الدستور ومعالم النظام السياسي شبه البرلماني.

ولئن نصّ الدستور في الفصل 89 على أنّه بعد فشل المحاولة الأولى يكلّف رئيس الجمهوريّة من يراه الأقدر، فإنّ الحكومة تبقى مسؤولة أمام البرلمان وشرعيّة رئيس الحكومة المكلّف مستمدّة من الانتخابات التشريعيّة ونتائجها. وكان بإمكان السيّد الفخفاخ تجنّب كلّ هذا والاكتفاء بضبط الخطّ السياسي لحكومته من خلال برنامج واضح المعالم وعلى ضوئه يكون الانتساب إلى مفاوضات الحكومة من عدمه.

الأمر لا يتعلّق، في تقديرنا، بالحقائب الوزاريّة، رغم الانتقادات الموجّة إلى الفخفاخ ومن بينها إسناده عشر حقائب وزاريّة إلى شخصيات من محيطه، وإنّما عمق الخلاف أساسه حول شروط نجاح الانتقال الديمقراطي

تمشّي الفخفاخ، مضافًا إلى الرواسب والندوب العميقة التي تركتها المفاوضات حول تشكيل حكومة السيّد الجملي، سارع إلى الاصطدام بعنى الإقصاء من ناحية، وبطرح حركة النهضة المتمثل في حكومة وحدة وطنيّة "لا تقصي إلا من أقصى نفسه" مثلما تُشدّد في خطابها السياسي، من ناحية أخرى. وعينها على "قلب تونس" الحزب الثاني في الانتخابات الذي كان من بين من أسقطوا حكومتها. مثلما كانت عيون غيرها على "تحيا تونس" الذي لم يعد موضوع نقاش داخل أغلب مكونات الصف الثوري رغم ما كِيلَ له من قبل التيار الديمقراطي من تهم الفساد والتلاعب "بمؤسسات الدولة والتعيينات المشبوهات في مفاصل مهمّة من الإدارة.

اقرأ/ي أيضًا: ليست "حكومة الرئيس"!

وكما تسنّى للمنظومة القديمة أن تستفيد من صراعات الصف المحسوب على الثورة وتكون حكَمًا بينها تشجعها على الاستقواء بها فيما بينها، أمكن للمكونات المنتسبة إلى صفّ الثورة أن تستفيد مرحليًا من توظيف مكونات المنظومة، من ذلك علاقة النهضة بـ"قلب تونس" وعلاقة التيار وحركة الشعب بـ"تحيا تونس"، ولكن على حساب الانتقال السياسي وتثبيت الديمقراطيّة استراتيجيا. وهذا "التناوب الوظيفي" من الجميع يفسّر إلى حد بعيد خصوصيّة الانتقال الديمقراطي في تونس وتوتّره بين التقدم والتعثر.

ومثلما انسحب التيّار الديمقراطي وحركة الشعب من مفاوضات حكومة الجملي رغم تلبية جلّ مطالبهما، تنسحب حركة النهضة من تشكيلة حكومة الفخفاخ ساعة قبل الإعلان عن تركيبتها من قصر قرطاج. والأمر لا يتعلّق، في تقديرنا، بالحقائب الوزاريّة، رغم الانتقادات الموجّة إلى إلياس الفخفاخ ومن بينها إسناده عشر حقائب وزاريّة إلى شخصيات من حزبه ومحيطه حزب التكتّل غير البرلماني، وإنّما عمق الخلاف أساسه حول شروط نجاح الانتقال الديمقراطي وتوفير مناخات ملائمة للإصلاحات المطلوبة.     

دخول الرئيس قيس سعيّد على الخطّ

رغم إعلان إلياس الفخفاخ عن تشكيلة حكومته من قصر قرطاج، ومن بينها ستّ حقائب وزاريّة لحركة النهضة، فإنّ انسحاب النهضة منع غلق باب المفاوضات والمرور إلى البرلمان لطلب ثقته في الحكومة. وعادت المشاورات في أعلى مؤسسات الدولة لحلحلة الوضع. وكان تدخّل المنظّمة الشغيلة ومنظّمة الأعراف قويًا مع اختلاف في درجة الموقف، إذ كان نورالدين الطبوبي (الاتحاد العام التونسي للشغل) ملحًا على توسيع قاعدة الحكم وحزام الحكومة السياسي، في حين نبّه سمير ماجول (اتحاد الصناعة والتجارة) إلى ضرورة الاعتماد على كفاءات البلاد العالية وإعطاء الأولويّة لاقتصاد البلاد المجهد، فكأنّ الأوّل قريب من فكرة "حكومة وحدة وطنيّة" والثاني أقرب إلى فكرة "حكومة كفاءات". وويذكّر تدخّل المنظمتين بدور منظمات المجتمع المدني والحوار الوطني في أزمة 2013، مع احتلاف نسبي في السياق والتوجّهات والرهانات.

وانتهينا إلى موقفين: موقف حركة النهضة المتشبّث بحكومة الوحدة الوطنيّة وحزام سياسي واسع للحكومة، وموقف الفخفاخ وحزامه السياسي النواة (التيار، تحيا، الشعب)، وهو أقرب إلى ما سمّي بـ"حكومة الرئيس" وفكرة الذهاب إلى البرلمان وتعويض وزراء النهضة المنسحبين. وقد رشحت أخبار عن اتصالات بين أحزاب النواة و"قلب تونس" للمشاركة في الحكومة وترك النهضة، وهو ما حدا بالنهضة التي لم تتخلّص من "الهاجس الوجودي"، والذي لم تحسن ربطه بشروط تأسيس الديمقراطيّة، إلى التصعيد وحديث بعض قياداتها عن إمكانيّة الذهاب إلى الفصل 97 من الدستور وسحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال الحاليّة ومنح الثقة للحكومة الجديدة. ولاقى هذا الحديث صدًا من أكثر من جهة لما يمكن أن يدخله من ارتباك شامل على المسار.

فما قيمة كسب المعركة السياسيّة إذا كان خسرانٌ في المعركة الأخلاقيّة، وهل الثورة إلاّ تذكير بالأخلاق حين تطغى الدولة باسم القانون الذي تطوّعه حسب هواها

في هذا الجدل المحتدم ومصير الحكومة المجهول، كان دخول رئيس الجمهوريّة على الخط. واعتبر أنّ الدستور واضحٌ بكلّ اللغات في الموضوع، وأنّ العمليّة السياسيّة الحاليّة لا يمكن أن تخرج عن الفصل 89 من الدستور. وفي هذا السياق قام جدل عن علاقة رئيس الجمهوريّة بالدستور: هل هو مؤتمنٌ على حماية الدستور مثلما يقرّره الدستور نفسه أم هو مؤتمَنٌ على تأويله؟

في اللقاء الذي جمعه برئيس مجلس النواب راشد الغنوشي ورئيس الحكومة المكلّف، بدا رئيس الجمهوريّة أقرب إلى يوسف الشاهد. وفي الكلمة التي تمّ بثّها كان في حديث رئيس الجمهوريّة درجة من التقريع لرئيس مجلس النواب، وأنّه لا مجال للمناورات التي تحدث في الخفاء أن تمرّ.

وقُرئ هذا التدخّل بعيون مختلفة، فهناك من رأى فيه إقحامًا لرئيس الجمهوريّة في الصراع المحتدم فصار طرفا فيه. وجوهر هذا الصراع موصول بمستقبل الانتقال الديمقراطي وتأثير الدوائر الأقليميّة والدوليّة صاحبة المصالح المستدامة في تونس، وهي تعمل جاهدة على أن يكون الانتقال برعايتها ولا يتعارض مع مصالحها. وهذا التدخّل من رئيس الجمهوريّة يجعل منه جزءا من المشكل، وهو ما قد يثير غبارًا حول مرجعيّته الأخلاقيّة التي يحتاجها مشهد سياسي متقلّب.  

ورأي آخر يذهب إلى أنّ قيس سعيّد يستفيد من ارتباك الأحزاب وعجزها عن بناء مشترك يستقرّ عنده البناء الديمقراطي. وهو ما يشهد لأطروحته في فساد بنية الديمقراطيّة التقليديّة وما صاحبها من نصّ دستوري ونظام سياسي والحاجة إلى بناء جديد أفقي يعيد إنتاج المشاركة الشعبيّة الواسعة والمحاسبة المستمرّة لممثلي الحكم، وبذلك يمسك بخيوط اللعبة مقدّمةً إلى مشروعه الذي بقي في مجمله غائما وعناوين عامة تحتاج إلى تفصيل.

تتواصل المشاورات فيما بقي من المهلة الدستوريّة للتكليف، وتجري اتصالات في اللحظات الأخيرة قد تَجمع الشمل حول حكومة الفخفاخ بحلول وُسطى تضمن أوسع مشاركة. غير أنّ ما خلّفته التجاذبات السياسيّة التي تركّزت على التنابز بشتّى الألقاب وإغفال حديث البرامج والحلول ستترك آثارها العميقة في ثقة الناس في الحكم وفيمن سيتجاورون في مجلس الوزراء ويتحملون مسؤوليّة هذه المرحلة المفصليّة من تاريخ تونس الديمقراطيّة. فما قيمة كسب المعركة السياسيّة إذا كان خسرانٌ في المعركة الأخلاقيّة، وهل الثورة إلاّ تذكير بالأخلاق حين تطغى الدولة باسم القانون الذي تطوّعه حسب هواها.

صورة الأحزاب في مشهدنا السياسي وهي تخرج بندوب غائرة على محيّاها وقد تكافأت أخلاقيّا أمام الرأي العام أشبهُ بزوجيْن تشاجرا وخرجا إلى الشارع وكالَ كلّ منهما للآخر من تهم الرذيلة ما كالَ، ثم يعودان إلى محلّهما ليظهرا في أوّل مناسبة فرح متعانقيْن. فمن سيصدّق حبّهما الجديد؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 ملاحظات حول توضيح رئاسي "غير عادي"

حركة النهضة.. الانقسام المؤجّل؟