ultracheck
رأي

هذه العناصر أفقدت الطفل التونسي لذة القراءة ومتعة اللعب‎

30 مايو 2025
هذه العناصر أفقدت الطفل التونسي لذة القراءة ومتعة اللعب‎
الفتيان والفتيات في تونس فقدوا لذّة القراءة ومتعة اللعب لأكثر من سبب (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/ أ ف ب)
أحمد الزوابي
أحمد الزوابي باحث من تونس

مقال رأي 

 

في نهاية شهر ماي/أيار، قبلَها قليلًا أو بعدها بأيّام، تطوي المدارس والجمعيّات الرياضيّة مراحل التعلّم والتدرّب والجدّ والاجتهاد والتنافس والمغالبة، بعد تسعة أشهر من النشاط المنظّم ما أشبهها بفترة الحمل، وها هو الطفل ككلّ بداية صيف -تلميذًا كان أو لاعبًا- على موعد مع عطلة تبيح له الانزياح عن آداب الفصول وأحكام الملاعب وضوابطها التي تبدو لغالبيّة الصبيان مقلقة مضجرة مُنفّرة.

هذه المصادرة قد يراها البعض غريبة مُربكة تحتاج إلى البرهنة والتعليل رغم أنّ الكثير من القرائن والظواهر تؤكّدها وتجعلنا نعلنها إعلانًا صريحًا لا تردّد فيه، ألا إنّ الفتيان والفتيات في تونس قد فقدوا لذّة القراءة ومتعة اللعب، ولنا في ذلك أكثر من قرينة ودليل.

  • جاذبيّة العوالم العفويّة

"لا ستيلو لا كرّاسه ملّا راحة من الدراسة" بهذا المطلع من أهزوجة قصيرة، تغنّى بفرح وسرور أمام إحدى المدارس وَلدانِ وثلاث بنيّات لا يزيد عمر الواحد منهم عن التسع سنوات، احتفالًا بنهاية السنة الدراسيّة، وغير بعيد عنهم تكدّست كرّاسات ممزّقة وأوراق منثورة على الرصيف وبجانب الجدران وفي مدخل ساحة المدرسة وداخلها، رغم ما بدت عليه المؤسّسة في بنيتها التحتيّة ومظهرها العامّ من علامات تسرّ الناظرين، فضاء نظيف وجدران مزيّنة برسوم أخّاذة ومساحات خضراء توحي ببيئة نفسيّة وتربويّة مفيدة وجذّابة.

الميل إلى الإفراط في الضبط والتقعيد جعل، وفق إحدى الدراسات، حوالي 70% من أطفال الأكاديميّات الرياضية يهجرون كرة القدم بعد سنّ 13  في حين يظلّ "لاعبو الشوارع" مغرمين بهذه الرياضة

وفي البطحاء المقابلة، اجتمع أطفال صنعوا في الجهة اليمنى مرمى بلا شبكة ولا عارضة قامت فيه محفظتان مقام العمودين، وفي الجهة اليسرى المقابلة حيث الحائط سطر الصبيان مرمى بقائمين وعارضة، ورغم أنّ هذه البطحاء الصغرى افتقرت إلى التهيئة و تناثر فيها الحصى وخرقتها الحفر وشابتها النتوءات، فقد ارتفعت حرارة المباراة بين الأطفال وبلغت أعلى درجات الاندفاع والحماسة.

من بين هؤلاء الأطفال المندفعين بين أترابهم، صبيٌّ كان يجري ويروّض الكرة ويسدّد ويستميت في الدفاع عن مرماه.. تراه هو نفسه مساءً في إحدى الأكاديميّات يجرّ قدميه في امتعاض وينصت إلى توصيات المدرّب بضجر رغم التضحية الماديّة والنفسيّة التي يبذلها أبوه في سبيل أن يجعل منه نجمًا، هذه المفارقة تجعلنا نتساءل: ما الذي أحدث في أطفالنا كلّ هذا النفور من الفضاء المدرسيّ المنظم؟ ما الذي يجعل الطفل في مرحلة التكوين يفقد لذّة اللعب وعفويّته حينما يتحوّل من النشاط الرياضي الحرّ إلى التدرّب في إحدى الأكاديميّات؟

  • فرط التقعيد

في أكاديميّات كرة القدم، يتحوّل الطفل إلى مساحة مستطيلة الشكل مستوية الأرضيّة مضبوطة الحدود، فيفقد شيئًا فشيئًا سرّ البطحاء المدفون في حفرها وثناياها وخطوطها الملتوية فيعزّي نفسه بجمال الملعب المعشّب أو الاصطناعيّ وخضرته، لكنّ المكان سرعان ما يتحوّل إلى ثكنة محكومة بتوجيهات دقيقة ووصف مطوّل وصياح غير مبرّر من المدرّب وإكراهات تنظيميّة وتكتيكيّة في التمركز والتمرير والمحاصرة وضوابط صارمة في مرحلة عمريّة من قواعدها الجوهريّة، اتركوا الأطفال يلعبون، لا تشحنوا أذهانهم بالتوجيهات، لا تحرموهم لذّة الاكتشاف والمبادرة.. أين مدربو الشبان في تونس من هذه الوصايا الثمينة؟ 

سنة 2008، في نهاية حصّة تدريبيّة للأطفال بإحدى الحدائق الرياضيّة بالعاصمة، وجدت وليًّا يكفكف دموع طفل في العاشرة من عمره، استفسرت عن السبب فقيل لي إنّ المدرّب قد استغنى عنه رغم كفاءته بتعلّة أنّ لديه أكثر من لاعب جيّد في نفس الخطّة المناسبة لهذا الطفل! يا إلهي هل يحقّ لنا الحديث عن مراكز تكتيكيّة ثابتة في هذه المرحلة العمريّة التي تسبق مرحلة التكوين ويكون الرهان فيها على تذكية الحيويّة والشغف لدى الطفل وتحسين بعض المهارات الأساسيّة مثل التناسق في الحركة بالكرة وبلا كرة فضلًا عن المرونة وسرعة ردّ الفعل والسرعة في المسافات القصيرة؟

هذا الميل إلى الإفراط في الضبط والتقعيد جعل، وفق إحدى الدراسات، حوالي 70% من أطفال الأكاديميّات الصارمة يهجرون كرة القدم مطلقًا بعد الثالثة عشر في حين يظلّ "لاعبو الشوارع" مغرمين بهذه الرياضة على سبيل الهواية طول العمر، لأنّ الرغبة الداخليّة لا تفتر ولا يقتلنّها إلّا الإرغام والتضييق، يقول التوحيديّ في كتابه المقابسات "متى كانت الحركة بشوق طبيعيّ لا تسكن البتّة"، ومن مخلفات الإفراط في الضبط والتقعيد والإكراه الفني والتكتيكي للفئات العمريّة الصغرى نتائج المباريات، ففي تونس تكون الأهداف في مباريات الأصناف الصغرى شحيحة وفي البطولات الغربيّة تفضي المباراة الواحدة إلى عدد من الأهداف يفوق العشرة، إنّها لذّة اللعب، إنها متعة زيارة الشباك، ألا تعْسًا لكرة تحرم الأطفال عفويّتهم الخلاقة وتعسًا لمدربين يصرّون على هذه الجناية الرياضيّة.

في المدرسة التونسيّة، لا يختلف الأمر كثيرًا عن الأكاديميات الرياضيّة، إذ يجد الطفل نفسه أما كمّ هائل من القواعد النحويّة والصرفيّة والضوابط المعجميّة والتعبيريّة والمعادلات الرياضياتيّة والفيزيائيّة والدقائق التاريخيّة والجغرافيّة فيُدعى إلى الحفظ والمحاكاة والتطبيق وفق منوال مخصوص بأسلوب غالبًا ما يكون جافًّا نمطيًّا متكرّرًا خاليًا من الإثارة، ورغم حرض التوجيهات البيداغوجيّة على تنويع المداخل والأساليب وتوخّي الطرائق التنشيطيّة والحواريّة، فإنّ المعلّم أو الأستاذ يكون في الغالب بسبب ضغط الموادّ والبرنامج مجبرًا على توخّي منطق النجاعة وطيّ المراحل وصولًا إلى النتائج والخلاصات، فيكون ذلك على حساب لذّة الظفر بعد حيرة ومتعة الخروج من المشكل بعد كدّ الذهن وتقليب المسألة من جهات عديدة. 

في المدرسة، يجد الطفل نفسه أما كمّ هائل من القواعد والمعادلات.. فيُدعى إلى الحفظ بأسلوب غالبًا ما يكون جافًّا نمطيًّا متكرّرًا خاليًا من الإثارة

لقد حوّل الكثير من المربّين الدرس إلى بضاعة جاهزة، وتراجع منسوب التفاعل والانفعال، حتّى النصوص الجميلة المثيرة أصبح المعلّم والأستاذ يمرّان عليها مرور الكرام فيجري التركيز على القضايا والمعطيات التي تصلح في الامتحانات فغلب على الدرس خاصّة بالنسبة إلى السنوات النهائيّة (السادسة والتاسعة أساسيًّا والرابعة ثانويًّا) منطق النجاعة. النصوص الفنيّة والآثار الأدبيّة والوضعيّات الإشكاليّة الحيويّة يتمّ التخلّي عنها ربحًا للوقت، وإذا تمسّك بها المربّي بدت مادّته بالنسبة إلى الأولياء والرقباء أقرب إلى الثرثرة والثقافة العامّة، وإن جاملوه قيل له إنّ حصّتك ممتعة لكنّها غير مفيدة، فيتمّ الاتجاه عند المبشّرين بالنجاح والتفوّق مباشرة إلى التلخيصات وهو ما يسميّه عامّة الأولياء "روح الزبدة"، ويجري التركيز على التمارين المحاكية للامتحانات، على هذا النحو يصبح التلميذ رهين نمط متكرّر مثير للملل والضجر، فلا متعة ولا إثارة ولا شغف، إنّها هي مناهج وطرائق ونماذج يتمّ اتباعها بمنتهي الدقّة، ويدرك هذا المسلك التعليمي أعلى درجات البرود النمطيّ والصرامة النفعيّة في الدروس الخصوصيّة.

ولنا في الإعلانات المبثوثة لهذه السلع المعروضة دليلًا على ذلك، فهي لا تستهدف من التلميذ غير رغبته في النجاح وتحصيل النقاط الأوفر في الامتحان، أمّا غائيّات النظام التربوي فهي منسيّة مهملة فلا رهان على بناء الشخصيّة المتوازنة المعتدلة ذات الذوق السليم الشغوفة بالجمال وحبّ الاطلاع، ولا حرص على بناء جيل حريص على المعرفة مولع بالإبداع والابتكار والمبادرة.

خلاصة القول، إنّ أسوار المناهج وسلطان الضوابط وحمّى النتائج والامتحانات والرهانات..كلّ هذه العوامل التي تغذيها الثقافة الماديّة قد جعلت المدرسة والملعب بلا عطر ولا نغمة ولا بهجة، لا نكاد نرى فيهما غير الأرقام والقواعد والأشكال الهندسيّة ذات الزوايا الحادّة. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

تثبيت أحكام قضية التآمر.. أحزاب محاكمة سياسية للمعارضة الرافضة للانفراد بالحكم

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟

قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين


حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

طقس تونس سحب أمطار
منوعات

طقس تونس.. حرارة مستقرة وأمطار منتظرة في بعض المناطق

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر هادئ إلى قليل الاضطراب


شركة استغلال وتوزيع المياه
مجتمع

خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة

قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..

طقس تونس Pexels
منوعات

طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تراجع إنتاج الدواجن في تونس.. نحو توريد بيض التفقيس لتعديل السوق


2
منوعات

ما هي الوجهة القادمة للاعب التونسي عمر الرقيق؟


3
اقتصاد

وكالة "فيتش رايتنغ" تثبّت التصنيف الائتماني لتونس عند "B-" مع آفاق مستقرة


4
رأي

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟


5
میدیا

"دون استكمال استنطاقه".. بطاقة إيداع بالسجن في حق الصحفي محمد اليوسفي