نحو تأميم الجهل وخوصصة المعرفة...

نحو تأميم الجهل وخوصصة المعرفة...

أمّا وقد صودرت المدارس وتمّت خوصصة التعليم والمعرفة بطريقة غير مباشرة فيبدو أنّنا إزاء عمليّة تأبيد للواقع عبر تجهيل ممنهج (صالح حبيبي/أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

إن أردنا تناول موضوع التربية والتعليم، فلا مفر من الرجوع إلى عالم الاجتماع الفلّاح الفرنسي، الشيخ بيير بورديو ونصّه المؤسّس لأطروحة الرأسمال الرمزي "الورثة les héritiers" حيث كتب "تقدّر حظوظ ابن إطار سامي بحوالي 80 ضعفًا حظوظ ابن أجير فلاحي، و40 ضعفًا مقارنة بابن عامل يومي، وأيضًا ضعفين أكثر من فرص ابن إطار متوسّط". بهذه الأسطر يخطّ بورديو مدخله لتسليط الضوء على الفوارق الاجتماعية التي تتكرّس داخل الفضاء المدرسي، وعلى شرعنة الهرميّة الطبقية والإقصاء الطبقي من خلال الفرز الأكاديمي. 

كتب هذا النص في الستيّنيات، أشهرًا قليلة قبل مارس/آذار 68 في تونس وماي/ آيار 68 في فرنسا، وما يعنيه ذلك من انتفاضات ثورية ضد النزعة الرأسماليّة التي بدأت تهدّد المنظومات الاجتماعية وتدفع نحو تقليص السلطة البيولوجية للدولة مقابل تعزيز ذراعها الحديديّة. ترى ماذا كان سيكتب لو عاش بورديو بيننا ومعنا أيام الكورونا والسجن الطوعي، وشاهد بهلونيّات السلطة التي أفتت باللجوء للـ "التعليم عن بعد".

لا يخفى على أحد ما تعانيه المنظومة التعليمية في تونس من عجز هيكلي جذري أدّى إلى تراجع مردوديّتها واضمحلال جودتها بنسبة انقطاع بلغت الـ 100 ألف شاب/ة سنويًّا

لا يخفى على أحد ما تعانيه المنظومة التعليمية في تونس، تربية، تعليمًا وتكوينًا مهنيًا، من عجز هيكلي جذري أدّى إلى تراجع مردوديّتها واضمحلال جودتها. بنسبة انقطاع بلغت الـ 100 ألف شاب/ة سنويًّا، ووفق آخر دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE, 2018)، تقبع تونس في المرتبة 65 من أصل 72 دولة. 

تمتدّ جذور الأزمة إلى سنوات التسعينيات ومنذ انخراط النظام السابق في حملة التزويق السطحي تمهيدًا لاعتلائه منصّة "التلميذ النجيب" الّتي منحتها إيّاه المنظّمات النيوليبراليّة الدولية. والفاتورة كانت اهتراء المنظومات الاجتماعيّة العمومية بمختلف أضلعها بما في ذلك التعليم. 

وكأنّ ذلك لم يكف، ومع مواصلة تدهور النظام التربوي طيلة سنوات انتقال ديمقراطي لا تنتهي، حلّت الجائحة منذ سنة لتدقّ آخر مسمار في نعش المدرسة العمومية. في إطار الإجراءات الوقائيّة، اتفق طرفا منظومتي التربية والتعليم والعالي، الوزارة وشريكها الاجتماعي المتمثّل في النقابات، على اعتماد نظام الأفواج بداية السنة الحالية كإجراء وقائي لضمان التباعد الجسدي. وبعد بضعة أيام، تحديدًا منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تعالت الأصوات الّتي تطالب بتعليق الدروس والتعليم الحضوري والالتجاء للتعليم عن بعد إلى أن يتمّ تلقيح كامل الإطار التربوي. عن قرب ولم نفلح إذ نحتلّ المرتبة 65، فما بالك بالتعليم عن بعد! 

اقرأ/ي أيضًا: مدرسة الفرصة الثانية: ترقيع آخر للجسد التربوي

التعليم عن بعد.. امتياز لمن استطاع إليه سبيلاً 

دون الغوص كثيرًا في غوغائيّة أرقام المعهد الوطني للإحصاء، يمتدّ مسار الفقر في تونس على كامل العمق التّونسي من غابات الجبال إلى رمال الصحراء مرورًا بسباسب الهضاب. 

وفق ما جاء في المسح الوطني حول الإنفاق ومستوى العيش لسنة 2015، فقط 52% من العائلات التونسية لها ربط بشبكة الإنترنت

وفق ما جاء في المسح الوطني حول الإنفاق ومستوى العيش لسنة 2015، فقط 52% من العائلات التونسية لها ربط بشبكة الإنترنت. هذا بالإضافة إلى الخرائط المصاحبة لخريطة الفقر في تونس، سبتمبر 2020، والّتي تظهر التّناسب العكسي لمعدّلات الفقر المرتفعة مع نسب امتلاك الحواسيب وتغطية الإنترنت المنخفضة أو المنعدمة. 

ما يعزّز حقيقة التفاوت الطبقي ويغذي جدلية التفاوت الجهوي والفوارق البين-مناطقيّة وما يعنيه ذلك من شحذ سهام الفتنة الجهوية التي تخبو وتطفو منذ فترات. هذه المعطيات منشورة ونلمس مظاهرها يوميّا في الطّرقات متى اعترضتنا مواكب "البرباشة" وجحافل المتسوّلين الّذين زادت الجائحة من بئسهم.

في بلد إفريقي في العالم الثالث يعاني صعوبات النّهوض الاجتماعي والاقتصادي منذ الاستقلال، كيف تطرح مسألة التعليم عن بعد؟ هل يعيش من طرح هذا معنا؟ هل مثل هؤلاء من كان يقصدهم الصغيّر أولاد حمد بالجالية التونسية في تونس؟ 

عاشت الوزارة ظروفًا مماثلة في الأشهر الأخيرة من السنة الدراسية الماضية 2019-2020. جائحة وحجر صحي ثم تعليق للدروس ودعت لاعتماد التعليم عن بعد. 

ومطلع السنة الحالية، 2020-2021، قامت باستبيان شارك فيه نحو 1.8 مليون بين تلاميذ الابتدائي والثانوي. أجمع نحو 71% و49% من تلاميذ الابتدائي والثانوي، على التوالي، أن ليس لديهم تجهيزات إعلامية. فكيف سيكون مصير هؤلاء.

المصدر: خريطة الفقر في تونس عن المعهد الوطني للإحصاء، سبتمبر 2020

 

في بلد إفريقي في العالم الثالث يعاني صعوبات النّهوض الاجتماعي والاقتصادي منذ الاستقلال، كيف تطرح مسألة التعليم عن بعد؟

يعني تخيّل تلميذًا من الطبقة الفقيرة، وينتمي إلى فضاء جغرافي مهمّش، وقد التحق بالتعليم الابتدائي في السنة الماضية، يفترض أنّه هذه السنة في السنة الثانية. كيف سيكون تحصيله العلمي؟ فلنذهب أبعد من ذلك، التلاميذ الذين صادف أن تكون سنواتهم الدراسية الأولى 2011، 2012، 2013.. وصادف أيضًا أن يعيش مرحلة التعليم الإعدادي مع الجائحة.. وما صادف هذه الفترات من إضرابات طويلة وتهديدات بسنوات بيضاء كلّ سنة تقريبًا، كيف سيكون مشهد شباب البلاد سنة 2030؟ تبقى هذه الأسئلة وغيرها في علم الغيب وإن كانت أجوبتها بديهيّة.

الجهوية، الفئوية.. والقطاعوية

لا ندري ما الذي لم يحصل بعد. الطبقية باعتبارها صيرورة تاريخيّة لتطوّر اقتصادي ما بانتظار ثورة البروليتاريا الّتي ستنهيها حسب اليوتوبيا الماركسية. والفئوية وهي لزوم العلاقة الزبائنيّة والمحسوبيّة بين المنظومات النخبويّة بانتظار دقّ طبول حرب مكافحة الفساد المعلنة والّتي تحوّلت إلى إيديولوجيا سياسيّة. ولئن امتدّت أسباب هذه الأورام إلى ما قبل الثورة فإنّ للحتميّة الثوريّة أيضًا نتائجها.

نعيش منذ سنوات أعراض تورّم سرطاني جديد ينخر الجسم الاجتماعي المنهك بحكم الضرورة: القطاعية أو القطاعوية. في تصريح له، يقول أحد مسؤولي نقابة التعليم الثانوي التي ما فتئت تنادي بتعليق الدروس حرصًا على صحّة منظوريها: "الأولوية تُعطى لمن له استحقاق وطني أهم وهو أكثر عرضة من غيره للإصابة بالعدوى بكورونا". 

نعيش منذ سنوات أعراض تورّم سرطاني جديد ينخر الجسم الاجتماعي المنهك بحكم الضرورة: القطاعية أو القطاعوية

المظلوميّة وتوظيف دور الضحيّة للمناكفة السياسية صارا من بين الرياضات الشعبية في هذا البلد. ماذا عن عمّال الفضاءات التجارية والخدماتية الّذين استثنتهم الحكومة من الضرورة الصحية الطارئة للحجر؟ ماذا عن عمال الفلاحة، البناء، الجيش... وباقي عمال المصانع الذين يستقلّون الحافلات الصفراء والميترو الأخضر كلّ يوم بالآلاف؟ فضلاً عن سوّاق هذه الحافلات.

من يضفي الصبغة الحيويّة.. الاستراتيجية الوطنيّة.. إلى باقي الكليشيهات المستهلكة، على قطاع دون آخر؟ ما الّذي يميّز قطاعًا دون آخر حتّى يبتزّنا بأفضليّته عن غيره؟ هل ذنبنا عجز الحكومة؟ هل ذنبنا اضمحلال سلطة الوزارة؟ هل أختزل العمل النقابي في المطلبيّة الماديّة دون مشاريع إصلاحيّة كبرى والاضطلاع بدور ريادي جامع؟ 

بعد إمضاء الجامعة العامة للتعليم الأساسي على اتفاق مع الوزارة يقضي باستئناف دروس الأقسام النهائيّة، يوم 30 أفريل/ نيسان 2021، تراجعت النقابة عن الاتفاق ببيان يشبه "إعلان حرب" ضمنته شروطها لاستئناف الدروس، وكأنّنا إزاء معاهدة فرساي: "حقيبة صحّية لكلّ تلميذ/ تعقيم يومي لكلّ مدرسة/ تعقيم دورات المياه مرّتين يوميًّا/ تلقيح كلّ المربّين قبل مباشرة مهامهم..."  وجملة من الشّروط التعجيزيّة ليست ضد الوزارة، بل ضد الحكومة (جزء من نقابة التعليم الأساسي يقوم بمعركة سياسيّة باسم الحقوق النقابيّة للمربّين)، هكذا قال الصحفي محمّد بوغلّاب في مداخلته اليومية على إذاعة شمس أف أم بعنوان "سيدي الوزير شكر الله سعيكم"

من شيم الفيروس التّاجي أنّه عادل. لا يفرّق بين الألوان السياسيّة والطبقيّة لضحاياه. من بين أكثر من 11 ألف ضحية إلى تاريخ نشر المقال، توفّي حوالي 56 ضحيّة من الفضاء المدرسي. الإصابات هي في حدود 10467، شفي من بينهم 10263 (على أمل الشّفاء للباقين). 

نسبة العدوى في الفضاء المدرسي لا تتجاوز 1/9 من المعدّل العام. على هذا النّسق، وعملاً بما ذهبت إليه النقابات، نغلق المستشفيات والمحاكم والمحلّات... الكل ضحيّة أمام سلطة متخاذلة ومتقاعسة بكلّ مكوّناتها من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ونواب البرلمان. هل حكم على بقيّة المواطنين دفع ضريبة تقاعس هؤلاء وتخاذلهم؟ طبعًا، ومن غيرنا سيدفع؟ 

أغلقت المدارس وقضي الأمر وانتصر المناضلون. وأحرزت الأهداف السّياسيّة والنقابيّة أيضًا بين المتنافسين داخل المنظومة النّقابيّة، غرماء الفصل 20 والآن؟ هل نحن مطالبون بالسكوت عن هذه المناكفات الشعبوية بين الزعامات الهلاميّة في البلاد، بعدما تحوّلت المركزيّة النقابيّة إلى ما يشبه طفّاية الحرائق الّتي تشعلها باقي الهياكل سعياً لتكوين أرصدة نضاليّة يدفع ضريبتها من لا نقابة لهم؟ باقي المهمّشين غير المرئيين لا في حسابات الحكومة العاجزة ولا في بيانات النقابة الغاضبة؟ 

نعم أنا منحاز. منحاز لمن هم تحت كما يقول ناجي العلي. كما يقول إدوارد سعيد أيضا: "وجوب بقاء المثقف أميناً لمعايير الحق الخاصة بالبؤس الإنساني والاضطهاد، رغم انتسابه الحزبي، وخلفيته القومية، وولاءاته الفطرية. ولا شيء يشوه الأداء العلني للمثقف أكثر من تغيير الآراء تتبعاً للظروف، والتزام الصمت الحذر، والتبجح الوطني، والردّة المتأخرة التي تصور نفسها بأسلوب مسرحي"  (المثقّف والسّلطة، ص14). 

يقوم جزء كبير من الأولياء خاصة من الميسورين بتوجيه أبنائهم نحو الدروس الخصوصية، لكن ماذا عن أبناء الطبقة الفقيرة هل يتركون هكذا لمصير الأمر الواقع؟

في هذه الأيام، يقوم جزء كبير من الأولياء، 93% منهم يرفضون مبدأ التعليم عن بعد، خاصة الميسورون بتوجيه أبنائهم نحو الدروس الخصوصية الخاصة، إمّا بالحضور المباشر لدى المربين في فضاءاتهم الخاصة كالمنازل، أو عبر التعليم عن بعد باستعمال منصّات إلكترونيّة كمنصّة "TakiAcademy".

تتباين الأسعار بين الجهات وحسب معايير مختلفة كالسمعة وإلى غير ذلك لكن لا شكّ أنّه لا قدرة لـ30% من التلاميذ، أبناء الطبقة الفقيرة الّتي تشير إليها دراسة معهد الإحصاء، على تحمّل تكلفة هذه الدروس الخاصة. فما السّبيل؟ هل يتركون هكذا لمصير الأمر الواقع؟ هل فرض عليهم الجهل؟ كانت المدرسة العموميّة، أو المصعد الاجتماعي، إلى حد قريب تعاني من صعوبات جوهريّة في محاربة الأميّة والارتقاء الاجتماعي أمّا وقد صودرت هذه المدارس وتمّت خوصصة التعليم والمعرفة بطريقة غير مباشرة وبتواطئ من مختلف الأطراف، فيبدو أنّنا إزاء عمليّة تأبيد للواقع عبر تجهيل ممنهج. 

هل هذا هو الفعل السياسي الّذي تحدّث عنه هنريش بول؟ يخطر ببالي ما كتبه الكاتب "السياسة، هذا العلم المضاد للطبيعة، القائم على ارتكاب كل السوء الممكن واستغلال كلّ الوسائل الّتي تسوّق كشرعيّة، للحصول على الهدف".. سخفاً لهكذا أهداف.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

حينما يكشف فيروس "كورونا" هنات المنظومة التربوية في تونس

المتحصلة على جائزة أفضل معلمة في العالم: انتهى عهد الطباشير والورقة (حوار)