ultracheck
منوعات

ميراث الفضة في تونس.. ذاكرة تُورَّث من الجدّات إلى البنات

10 فبراير 2026
ميراث الفضّة.. ذاكرة تُورَّث من الجدّات إلى البنات
الفضّة في عدّة جهات خصوصًا في الأرياف التونسية، ليست زينة عابرة، بل إرثًا نسائيًا ينتقل من قلبٍ إلى قلب (مريم الناصري/ الترا تونس)
مريم الناصري
مريم الناصري صحفية من تونس

في بيوت كثيرة، لا تُحفظ الفِضّة في الخزائن، بل في الصناديق الخشبية القديمة. تُخبأ معها حكايات الجدات وتاريخ العائلات. فالفضّة في عدّة جهات خصوصًا في الأرياف ليست زينة عابرة، بل إرثًا نسائيًا ينتقل من قلبٍ إلى قلب. أساور، خلاخل، وقطع قديمة من الفضة محفورة بعناية، ولكلّ قطعة اسم، ولكلّ خدشٍ نُقش فيها قصّة طويلة من العمل.

تقول الجدّات إن الفِضّة إرث عائلي، ولا تفقد قيمتها مع الزمن. فهي شاهدة على الأعراس، وعلى الولادات، وعلى جميع الأفراح. حين تُسلَّم إلى البنت أو الحفيدة، لا تُسلَّم كملك خاص أو كمجرّد إرث، بل كأمانة يجب أن تُحفظ كما حفظتها الجدّات لسنوات. ففي مجتمعات عديدة، ارتبطت الفِضّة بالحماية والبركة والرزق. كما كانت تُلبس لدرء العين والحسد، وتُرافق المرأة لتمنحها شعورًا بالأمان والاستقلال. وفي أزمنة الشدّة والحاجة، كان يُباع بعضها فقط لفك ذائقة مالية، لأنّ التخلي الكامل عنها يُشبه التفريط في الذاكرة.

ما زالت الفِضّة تحتفظ بمكانتها الصامتة. فهي تهمس بالانتماء إلى إرث طويل.. قيمتها ليست في اللمعان، بل فيما تحمله القطعة من تاريخ توارثته النسوة لتصبح الفضة هنا جسرًا بين أجيال

ورغم بريق الذهب الذي خطف الأنظار، ما زالت الفِضّة تحتفظ بمكانتها الصامتة. فهي لا تلمع فخامة، بل تهمس بالانتماء إلى إرث طويل. تختارها النساء اللواتي يعرفن أنّ القيمة ليست في اللمعان، بل فيما تحمله القطعة من تاريخ توارثته النسوة بالخصوص.

واليوم، حين تتزين المرأة بقطعة حليّ قديمة صُنعت من الفضة ورثته عن جدّتها، فهي لا تكتفي بالتزيّن، بل تُعلن استمرار السلسلة. فالفِضّة تصبح جسرًا بين أجيال، ودليلًا على أنّ بعض الأشياء لا يحدّدها السوق، بل الذاكرة والرمزية.

اقرأ/ي أيضًا: غرفة حرفيي الفضة لـ"الترا تونس": غلاء الفضة غير مسبوق ويهدد استمرار الحرف التقليدية

  • من الجدّة إلى البنت إرث لا يُباع

تفتح الجدّة رقيّة صندوقها الخشبي الهرم الذي شهد من الأعوام ما يفوق القرن. به أساور وخلاخل وعدّة قطع ضاعت بعض خطوط النقوش فيها وبعض تفاصيلها ولكنّها لم تفقد بريقها. تقول "بعضها لبسته يوم زفافي، إذ كان أغلبنا لا يستطيع شراء الذهب. لتضلّ الفضة بديلًا للزينة. ولكنّها بمرور الوقت حفظت مكانتها لدى العائلات التي تتوارثها، ليس لقيمتها المادية بل لقيمتها المعنوية. ففي كثير من البيوت، لا تُقاس قيمة الفِضّة بميزان الغرامات، ولا يجب التفريط فيها، ولا تُباع إلا عند الضرورة القصوى".

 

الجدّة رقيّة: في كثير من البيوت، لا تُقاس قيمة الفِضّة بميزان الغرامات، ولا يجب التفريط فيها، ولا تُباع إلا عند الضرورة القصوى (مريم الناصري/ الترا تونس)

 

وفي المجتمعات الريفية والبدوية، كانت الفِضّة تُورَّث للنساء تحديدًا. فهي مال المرأة الخاص. وتتعدّد أشكال الفِضّة وأنواعها بتعدّد المناطق والتقاليد، وتحمل كل قطعة بصمة المكان والذاكرة الجماعية. ومن حيث الأشكال، تبرز الحُليّ التقليدية مثل الخلاخل الثقيلة، والقلائد العريضة، والأساور المزخرفة، والأقراط الكبيرة المتدلّية، إضافة إلى الأحزمة الفضّية والتيجان النسائية في بعض الجهات الريفية سواء في الشمال أو الجنوب. هذه الأشكال غالبًا ما تكون محمّلة بالرموز، وتُلبس في الأعراس والمناسبات الكبرى.

أمّا من حيث الأنواع، فتوجد الفِضّة المزخرفة بالمينا الملوّنة، خصوصًا في الجنوب الشرقي، إذ تمتزج الفِضّة بالألوان الزرقاء والحمراء والخضراء. ولكنّها لم تعد منتشرة بشكل كبير حاليًا. كما نجد الفِضّة المرصّعة بالأحجار الطبيعية مثل المرجان في الساحل، والعقيق والكهرمان في الشمال والصحراء. إلى جانب ذلك، ظهرت الفِضّة العصرية بتصاميم خفيفة وبسيطة، موجّهة للاستعمال اليومي، تجمع بين الذوق الحديث واللمسة التونسية. 

 

في المجتمعات الريفية والبدوية، كانت الفِضّة تُورَّث للنساء تحديدًا. فهي مال المرأة الخاص (مريم الناصري/ الترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا: حرفي الفضة بلقاسم بن عمارة.. 30 سنة في صناعة الحليّ الأمازيغية

  • البحث عن أندرها

يعمل الحرفي بلقاسم بن عمارة منذ أكثر من ثلاثين سنة في صناعة الحليّ من الفضة. يجمع أندرها لا سيما تلك التي تمتزج بالأحجار الكريمة كالمرجان والجوهر أو الزمرّد. يقول لـ"الترا تونس" إنّ العديد من العائلات لا ترضى بيع القطع النادرة التي تتوارثها من جيل إلى آخر. ولكنّه يجد منها في بعض الأسواق ويحاول الحفاظ عليها كما هي، فقط يُضيف بعض التعديلات عليها أو النقوش دون أو يفقدها قيمتها وندرتها. حتى إنّه لا يقوم بتلميعها كثيرًا حتى تحافظ على اللون الرمادي القديم فيها. كما يحافظ على أشكالها وزخرفتها القديمة. يضيف بقوله إنّ "بعض القطع التي تباع لا تباع لوزنها بل لقيمتها التاريخية لا سيما تلك القطع التي لا يصنع لها مثيل في محلات الحرفيين العصريين".

حرفي الفضة بلقاسم بن عمارة لـ"الترا تونس": بعض القطع الفضية لا تباع لوزنها بل لقيمتها التاريخية لا سيما تلك القطع التي لا يصنع لها مثيل في محلات الحرفيين العصريين

  • نقص الفضة الخام من السوق 

يقول من جهته، الحرفي علي بوعزيزي، المختص في صناعة الفضة منذ أكثر من عشرين سنة لـ "الترا تونس" إنّ "الخُمسة أو يد فاطمة كما تُسمّى في عدّة جهات. والخلال من أكثر رموز الفضة حضورًا. تُعلّق في الصدر أو تُدمج في القلائد. وترمز لعدّة أشياء في الموروث الثقافي في عدّة جهات، على غرار الخُمسة التي يُعتقد أنّها تحمي من الحسد. كما ترمز العين الفضية إلى الحماية النفسية، ويمنح المرأة شعورًا بالقوة في مواجهة المجهول. فيما يرمز الخلال إلى الانتماء إلى قبيلة معينة حسب النقوش التي ترسم فيه".

 

حرفي مختص في صناعة الفضة لـ "الترا تونس": الخُمسة أو يد فاطمة والخلال من أكثر رموز الفضة حضورًا (مريم الناصري/ الترا تونس)

 

كما يشير الحرفي إلى أنّهم "كانوا يشترون سابقًا الفضة الخام من الأسواق لصنع الحلي ولكنّ اليوم لا يجدونها بسبب نقص مخزونها عالميًا. وفي أوقات عدّة يلجؤون إلى البحث عن الفضة القديمة أو التي تُسمى (فضة مكسرة) لصهرها وإعادة تصنيعها. ولكن نادرًا ما يحصلون عليها لا سيما الفضة القديمة جدًا، لأنّ أغلب العائلات تتوارثها جيلًا بعد جيل ولا ترضى بيعها أو التفريط فيها لقيمتها لدى الأسر التي تحفظ إرث الجدّات".

  • الفضة القديمة ذات قيمة أعلى

في الأسواق القديمة، ما تزال بعض الورش تحافظ على النقش اليدوي للفضة. إذ يوضّح الحرفي علي بوعزيزي أنّ الفضة كانت تُصنع ببطء لأنّ نقش بعضها يتم بواسطة اليد ويحتاج دقة وعملًا طويلًا. إذ تستغرق بعض القطع أسابيع أو حتى أشهر. وتختلف طريقة الصنع من الجنوب إلى الشمال، كما تختلف فيها الزخارف.

حرفي مختص في صناعة الفضة لـ "الترا تونس": كنا نشتري سابقًا الفضة الخام من الأسواق لصنع الحليّ ولكنّنا لا نجدها اليوم بسبب نقص مخزونها عالميًا. وفي أوقات عدّة نلجأ إلى البحث عن الفضة القديمة أو "الفضة المكسرة" لصهرها وإعادة تصنيعها

ويشارك العديد من الحرفيين في معارض الحليّ الفضية التي تُنظم في عدّة جهات، ويبدعون في عرض موديلات جمعت بين التقليدي والعصري. ولكن وحدها القديمة والتي يفوق عمرها المائتي عام تشهد إقبالًا كبيرًا. إذ تُعدّ الفضة القديمة ذات قيمة أعلى غالبًا من الفضة الجديدة، ليس فقط بسبب وزنها أو نقائها، بل لما تحمله من بُعد تاريخي وفني نادر. فالقطع الفضية القديمة تعكس مهارة الصياغة اليدوية والأساليب التقليدية التي اندثرت، وقد ترتبط بعصور أو أحداث تاريخية معيّنة، ما يرفع ثمنها في نظر الهواة وجامعي التحف. 

أما الفضة الجديدة، فعلى الرغم من نقائها العالي، فإنّ سعرها يعتمد أساسًا على سعر الفضة في السوق ووزن القطعة، دون قيمة إضافية ناتجة عن القِدم أو الندرة. لذلك قد تفوق قطعة فضة قديمة صغيرة في ثمنها قطعة حديثة أكبر وزنًا، لأنّ القيمة هنا تتجاوز المعدن نفسه إلى التاريخ والتميّز.

 

قد تفوق قطعة فضة قديمة صغيرة في ثمنها قطعة حديثة أكبر وزنًا، لأنّ القيمة هنا تتجاوز المعدن نفسه إلى التاريخ(مريم الناصري/ الترا تونس)

الكلمات المفتاحية

مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور

مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور

عضو جمعية تراث تستور: مشموم الأقواس التستوري هو علامة تراثية وثقافية من علامات تستور وعادة جلبها معهم أهل الأندلس، هذا المشموم هو مكون من مكونات الأناقة لدى التستوري ودلالة على الانسجام والسعادة والإقبال على حب الحياة، وهذه العادة توارثتها الأجيال وحافظت عليها كذكرى طيبة عن الديار في شبه الجزيرة الإيبيرية


بالصور.. تعرّف على منارات تونس وتاريخها

بالصور.. تعرّف على منارات تونس وتاريخها

هذه المنارات التونسية، بني 16 منها زمن الاستعمار الفرنسي لتونس وذلك بداية من سنة 1888، وقد ذهبت فرنسا إلى إنشاء هذا العدد من المنارات بعد أن تعددت مصالحها في تونس.. تعرّف عليها


شواطئ مخفيّة لا يعرفها كثير من التونسيين

بالصور.. شواطئ مخفيّة لا يعرفها كثير من التونسيين

بحر تونس الزاخر بالأسرار والحكايات والحافظ للقصص والمانح للجمال. هل نعرف مكامنه؟ هل وقفنا على قصصه الإنسانية، هل أنصتنا إلى أمواجه المالحة من دموع المودعين؟ هل زرنا القصيّ منه؟ هل تأملنا انسكاب الغروب على أديمه مساء؟


تحت ظلال القباب التونسية.. حكاية هندسة تقاوم النسيان

تحت ظلال القباب التونسية.. حكاية هندسة تقاوم النسيان

تتميز صناعة القباب التقليدية بخصائص بيئية وحرارية مذهلة تعجز عنها العمارة الحديثة، فهي تتنفس، وتمتص الرطوبة، وتكيف الهواء طبيعيًا. ورغم القيمة الجمالية والبيئية للقباب، فإنّ هذا الفن المعماري يُواجه اليوم خطر الاندثار

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

طقس تونس سحب أمطار
منوعات

طقس تونس.. حرارة مستقرة وأمطار منتظرة في بعض المناطق

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر هادئ إلى قليل الاضطراب


شركة استغلال وتوزيع المياه
مجتمع

خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة

قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..

طقس تونس Pexels
منوعات

طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تراجع إنتاج الدواجن في تونس.. نحو توريد بيض التفقيس لتعديل السوق


2
منوعات

ما هي الوجهة القادمة للاعب التونسي عمر الرقيق؟


3
اقتصاد

وكالة "فيتش رايتنغ" تثبّت التصنيف الائتماني لتونس عند "B-" مع آفاق مستقرة


4
رأي

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟


5
میدیا

"دون استكمال استنطاقه".. بطاقة إيداع بالسجن في حق الصحفي محمد اليوسفي