مهرجان قرطاج الدولي في ستينيته.. متحف كبير للذاكرة الثقافية التونسية
27 يوليو 2026
مهرجان قرطاج الدولي الذي يحتفل هذه السنة بستينيته لم يكن حدثًا ثقافيًا ترفيهيًا أيقونيًا عارضًا راهنت من خلاله دولة الاستقلال في ستينيات القرن العشرين على جعله واجهة لتقديم الثقافة التونسية فحسب، بل يمكن استقراء حدث الإنشاء على أنه كان ضمن لحظة تاريخية أو سياق سياسي تونسي تحديثي أراد إعلاء الثقافة المحلية التي شردها الاستعمار الفرنسي لعقود.
لكن هذا السياق انتقى من مكون الثقافة التونسي ما يتماشى مع فكرة التحديث المهيمنة على تصور جيل بناة دولة الاستقلال بزعامة بورقيبة للوطن الجديد بعد رحيل المملكة القديمة وفي نفس الوقت ارتأوا أن يكون المهرجان بوابة تونسية كبرى منفتحة على ثقافات العالم بما في ذلك التنوع العربي، وهو توجه اختير بعناية فائقة للتعريف بتونس ضمن سياسة التبادل والتزاور الثقافي بين البلدان التي تبنتها السياسة الخارجية التونسية الجديدة التي تعتمد بدورها عدّة آليات من بينها آلية "الدبلوماسية الثقافية" خاصة وأن تونس شرعت في ذلك الوقت في رهان تنموي واقتصادي جديد وهو الاستثمار في السياحة والتبادل الثقافي يعتبر من عناصر نجاحها.
إذا ما راجعنا ذاكرة مهرجان قرطاج الدولي لستين سنة، سنجد أن الرصيد كان كبيرًا ومتنوعًا ما يجعله متحفًا صوتيًا ومرئيًا يحفظ الأسماء والنغمات والرقصات والكلمات.. صداها يتردد في سماء المكان كلما أوغلنا في الإنصات
وقد تحدث المثقف والسياسي التونسي الراحل الشاذلي القليبي مؤسس وزارة الثقافة التونسية من خلال تصريحات صحفية عديدة عن الأفكار الكبرى التي دعمت لحظة تأسيس الجمهورية بعد الاستقلال ومن بينها فكرة إنشاء مهرجانات وتظاهرات واجهة، من بينها مهرجان قرطاج الدولي وجعله حدثًا رمزيًا يترجم وجهًا من وجوه السياسة الثقافية التونسية الجديدة.. لم يكن أمر التأسيس رهين الصدفة، بل هو تدبير ذكي اعتمد على مسألتين أساسيتين مترابطتين ومنصهرتين في نفس الوقت هما:
الفضاء الحاضن للمهرجان أو المدرج الروماني بقرطاج، وهو معلم أثري قديم أنجزه الرومان في خاصرة هضبة بيرصة المطلة على خليج تونس الساحر بعد انتصارهم على إمبراطورية قرطاج وحرق عاصمتها بالكامل وهروب أهلها إلى التخوم وبيع من تبقى منهم في أسواق العبيد، وذلك في ربيع 146 قبل الميلاد بقيادة "سكوبيو إيماليانوس" مع نهاية ما يعرف بالحرب البونيقية الثالثة.
المسرح الدائري بقرطاج الحاضن لهذا الحدث تبلغ طاقة استيعابه ما يقارب 12 ألف متفرج وقد شيّد في عهد يويليوس قيصر، وهو منذ تأسيسه في الفترة الرومانية تلك وإلى حدود اليوم ــ وهي مرحلة ضاربة في الزمن ــ نراه قد راكم رصيدًا تاريخيًا ورمزيًا من العروض الفرجوية في فنون المسرح وتقاطعها مع الآداب وعروض رياضية.. وهي خلاصة ما تدبره الخيال المجنح للأجداد من فنون وآداب وجماليات.
كل هذا الرصيد التاريخي الكبير وما يحمله من رمزيات حدا برجال دولة الاستقلال في سنة 1964 إلى اختياره فضاءً حاضنًا للمهرجان الأبرز في تونس وفي ذلك دلالة على الربط مع تاريخ المكان في إشارة إلى الاستمرار والتواصل وأن تونس هي خلاصة كل الحضارات التي مرت على أرضها وتركت ما تركت للأجيال من موروث مادي ولا مادي.. والمكان يوجد في مربع الحكم قديمًا وحديثًا وإعادة الحياة للمسرح القديم من خلال المهرجان فيه إشارة بأن الثقافة هي جزء من السلطة بل هي السلطة الباقية بعد أن يرحل كل شيء.
مهرجان قرطاج الدولي ومنذ تأسيسه إلى اليوم لم يشذ كثيرًا عن ثوابته الأولى فهو يقدم بدرجة أولى المنتج الموسيقي والغنائي والمسرحي وعروض الفرجة.. في مادة منتقاة بعناية
أما المسألة الثانية فهي تخيّر المادة الفنية والثقافية المحلية أو تلك الوافدة من ثقافات العالم بكل عناية حتى تكون ضمن برمجة المهرجان الكبير وتقدم على ركح المسرح الأثري بقرطاج في قلب صيف تونس (بين شهري جويلية/يوليو وأوت/أغسطس من كل سنة).
مهرجان قرطاج الدولي ومنذ تأسيسه إلى اليوم لم يشذ كثيرًا عن ثوابته الأولى فهو يقدم بدرجة أولى المنتج الموسيقي والغنائي والمسرحي وعروض الفرجة.. مادة تونسية منتقاة بعناية إذ كان لا يسمح لموسيقى الهامش أن تكون موجودة على ركح المسرح الأثري على غرار "المزود"، كما كان لا يسمح أيضًا للموسيقى والغناء البدوي بالحضور فلا "طبلة" ولا "زكرة" ولا "قصبة" ولا "فحل" ولا تلك الأصوات المنسابة من السهول والسفوح والمضرجة بالأحزان والحب وتحمل في تجاويفها رائحة الأرض وانسياب الماء من العيون.. فلا يعتلي الركح إلا المنتج الفني المديني وذلك رغم أن غالبية التونسيين لا يطربهم ويهزهم إلا ما اعتبر هامشًا.
وإذا ما راجعنا ذاكرة المهرجان لستين سنة سنجد أن الرصيد كبيرًا ومتنوعًا ما يجعله متحفًا صوتيًا ومرئيًا يحفظ الأسماء والنغمات والرقصات والكلمات.. صداها يتردد في سماء المكان كلما أوغلنا في الإنصات.
مهرجان قرطاج الدولي.. سرديات الذاكرة
الدورة التأسيسية كانت سنة 1964 وقد أدارها الشاذلي القليبي نفسه وكان من ضمن فريقه محمد مزالي أستاذ الفلسفة الشاب الذي أصبح فيما بعد وزيرًا أول (رئيس حكومة) في الفترة الأخيرة لزمن بورقيبة قبل تحول زين العابدين بن علي بقليل، وأيضًا المسرحي على بن عياد الذي قدم عرض الافتتاح وهو مسرحية عنوانها "مدرسة النساء" عن نص لموليار وقد اقتبسه المسرحي محمد الزرقاطي وكلاهما من أبناء الفرقة المسرحية لبلدية تونس.. وهكذا ترسخت عادة العروض المسرحية في مهرجان قرطاج الدولي وأيضًا عادة أن يكون الافتتاح تونسيًا.. وقد أسهمت في إدارة الدورة الأولى والثانية "شركة سباقات الخيل".
اقرأ/ي أيضًا: سياسة التمييز بين المهرجانات في تونس..
من الأسماء التي أدارت المهرجان وعلقت في الذاكرة نجد الفنان المطرب أحمد حمزة بمعية حسن الأسود من 1968 إلى 1970 وهي الفترة التي عرفت ترسيخ الأغنية التونسية ذات الموسيقى الوترية وكانت مؤسسة "الراشيدية" من منابع هذه الفكرة فلمعت أسماء وأصوات مثل صوت مطرب الخضراء علي الرياحي، علية ونعمة وسلاف والهادي الجويني والصادق ثريا..
من الأسماء التي أدارت المهرجان وعلقت في الذاكرة نجد الفنان المطرب أحمد حمزة بمعية حسن الأسود والكاتب والروائي التونسي الطاهر قيقة، فضلًا عن الطاهر شريعة وحسن بوزريبة.. وغيرهم
بعد هذه الفترة أدارت المهرجان أسماء قدمت من مشارب ثقافية وأيديولوجية متعددة من بينهم كتّاب وسينمائيون وموسيقيون وجامعيون وإداريون وهنا نذكر:
الكاتب والروائي التونسي "الطاهر قيقة" صاحب رواية نسور وضفادع والذي أشرف على الدورة الثامنة في صائفة 1971 بعد نجاح تجربته مع مهرجان الحمامات الدولي وتأسيسه للمركز الثقافي الدولي بالحمامات (دار سيباستيان).
الطاهر شريعة وهو واحد من آباء السينما التونسية ومؤسس أيام قرطاج السينمائية أدار الدورة التاسعة من مهرجان قرطاج الدولي سنة 1972 وقد دعي لهذه المهة بعد نجاحه في إدارة مهرجان السينما وكانت بصمته في انفتاحه الملحوظ على الموسيقى الإفريقية ومحاولاته في برمجة سهرات سينمائية.
الموسيقار "صالح المهدي" كان له مرور بإدارة المهرجان في الدورة 16 سنة 1979 وقد حاول تثبيت الأغنية التونسية بالمهرجان من خلال منحها حيز الافتتاح والاختتام وتقديم مادة يقدمها أصحابها لأول مرة خصيصًا للمهرجان الكبير، وقد ترسخت هذه العادة إلى اليوم.
المثقف والمسرحي والكاتب سمير العيادي كان من الأسماء المؤسسة التي أدارت المهرجان في دورته 20 سنة 1983 وهو من أنصار برمجة أعمال مسرحية تونسية وأجنبية بالمهرجان.. أيضًا الكاتب والرسام والسيناريست علي اللواتي أدار المهرجان سنة 1985 في دورته 22 وكان من أنصار بناء ذوق رفيع في تخير العروض وخاصة العروض التونسية.
أما أطول إدارة للمهرجان فكانت مع المثقف التونسي حسن بوزريبة من 1989 إلى 1995 أي من الدورة 26 إلى الدورة 32 وكان انفتاحه على الساحة الثقافية العربية واضحًا وخاصة مع الموجة الجديدة الصاعدة في الشرق والتي عرفت بنجوم الكليبات ومنها جورج وسوف وعاصي الحلاني ونجوى كرم وماجدة الرومي وكاظم الساهر.. أيضًا مع سمير بلحاج يحيى الذي أدار المهرجان من 1999 إلى 2003 ثم عاد إليه سنة 2008 فسنة 2011.
الممثل والفنان المسرحي رؤوف بن عمر أشرف هو الآخر على دورة 2007.
الصحفي والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي مختار الرصاع والذي أدار باقتدار مهرجان المدينة الرمضاني أشرف على دورتين من مهرجان قرطاج الدولي (53 و54) سنتي 2017 و2018.
كل واحد من هذه الأسماء مما ذكرنا وغيرهم من الأسماء اجتهدت قدر تجربتها الثقافية والفنية في إضافة قطعة للوحة الفسيفساء المفتوحة إلى اليوم.
اقرأ/ي أيضًا: الدورة 60 لمهرجان قرطاج الدولي.. تعرف على تفاصيل البرنامج
نجوم علقوا في ذاكرة مهرجان قرطاج الدولي
من المطربين العرب الذين اعتلوا ركح المسرح الأثري بقرطاج نذكر الفنانة فيروز التي زارت تونس سنة 1968 بدعوة من وسيلة بن عمار زوجة الرئيس الحبيب بورقيبة وغنت الأغنية الخالدة "إليك قرطاج" وقد رافقها على الركح الفنان نصري شمس الدين.. الفنان المصري محمد عبد المطلب في سنة 1976 غنى في قرطاج أغانيه الشهيرة "يا حاسدين الناس، ساكن في حي السيدة"..
وردة الجزائرية زارت المهرجان مرتين في سنة 1976 وسنة 1991. الفنان سيد مكاوي كان نجم المهرجان في صيف 1985. الفنانة نجاة الصغيرة اعتلت ركح قرطاج الأولى في الستينيات والثانية سنة 2001.
تحوّل مهرجان قرطاج الدولي مع مرور الزمن إلى ذاكرة ثقافية تونسية وعالمية صلبة تروي مسيرات فنانين وقصص النجاحات الفنية والإبداعية وقربت ثقافات بعيدة وأنضجت شراكات فنية وعرّفت بتونس لدى أمم أخرى
الموسيقى عمر خيرت، طلال مداح، محمد عبده، الفنانة ماجدة الرومي، نصير شمة، مارسيل خليفة، سميرة توفيق، صباح، ياسمين الخيام، ميادة الحناوي، عبد الهادي بلخياط، جيل جيلالة، الفنان الجزائري رابح درياسة، الشاب خالد، الفنان الليبي محمد حسن، بالي كارك لله اللبناني، دريد لحام أثناء عرضه مسرحية على نخبك يا وطن والمسرحي المغربي الطيب الصديقي ، فائزة أحمد، رياض السمباطي، عفاف راضي، حسين الجسمي، أحلام، وليد توفيق، راغب علامة، حسين الجسمي، عبد المجيد عبدالله، الفنانة الموريتانية معلومة بنت الميداح، الشاب مامي.. وغيرهم من الأسماء وقد كان حضورهم ترجمة لرؤى ومشاريع الإدارات والهيآت المتعاقبة.
اقرأ/ي أيضًا: مهرجانات تونس وتظاهراتها.. جسد منهك يحتاج جراحة عاجلة وجريئة
من ثقافات العالم عرف ركح مهرجان قرطاج الدولي على تاريخه مئات الحفلات الأيقونية الوافدة من القارات الخمس نذكر منها: سهرة ليوفري، داليدا، شارل أزنفور، جون ميشال جار، خوليو إغليسياس، باليه البولشوي الروسي، ياني، الفنان الجاماييكي "شاغي"، الفنانة الفرنسية الكندية "باتريسيا كاس"، جو كوكر، الإيطالي "إيروس رامازوتي"، ألفا بلوندي، ماريام ماكيبا، الفنانة الإيرانية غوغوش، لارا فابيان، أشرف شريف خان، نصرت علي خان، الاخوة جاكسون، سيرج لاما..
مهرجان قرطاج الدولي تحول مع مرور الزمن إلى ذاكرة ثقافية تونسية وعالمية صلبة تروي مسيرات فنانين وقصص النجاحات الفنية والإبداعية وقربت ثقافات بعيدة وأنضجت شراكات فنية وعرّفت بتونس لدى أمم أخرى.. هذه الذاكرة تحولت إلى وثائق وأرشيفات ثقافية وجب متحفتها بشكل من الأشكال كأن يخصص متحف يطلق عليه "متحف مهرجان قرطاج الدولي" يجمع الوثائق والأرشيفات الصور والأصوات والقصص المحاذية.. بأسلوب عصري يخلد اللحظات الفارقة للمهرجان وللثقافة التونسية، أو إنجاز شريط سينمائي وثائقي يحكي المسيرة المتوجة لهذه التظاهرة الواجهة والأعرق، أو إنجاز كتاب توثيقي، أو جميعهم معًا.. فمهرجان قرطاج الدولي ومع تعاقب الدورات تحوّل إلى علامة ثقافية وطنية بساطها وأرضها التاريخ وثمارها هي "المعنى" بكل ما تحمله الكلمة من دلالات شعرية وفلسفية.
الكلمات المفتاحية

طفرة الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي.. كيف تباينت آراء الشعراء التونسيين؟
الشعر اليوم في زمن الثورة الاتصالية بات تحت تهديد الذكاء الاصطناعي، الذي نراه حلّ محل الشعراء في بعض الأحيان ويلقى رواجًا على المنصات

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟
ماذا يحدث عندما لا يعود الفنان مجرد شخص نسمع أغانيه ونستمتع بأعماله، بل يصبح حاضرًا في عالمنا العاطفي والنفسي؟ أين ينتهي الإعجاب الطبيعي؟ ومتى يبدأ التعلق؟ ولماذا قد يصبح شخص لا يعرفنا أصلاً محورًا لمشاعرنا واهتماماتنا وحياتنا؟

10 مواقع تونسية مصنفة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.. ماذا نعرف عنها؟
تحوز تونس الترتيب العربي الأول في قائمة اليونسكو العالمية بـ 10 مواقع هامة من رصيدها الكبير. وهذه المواقع والمعالم التاريخية هي..

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..




