مهرجان الأغنية التونسية والأسئلة الثقافية الضرورية
9 مارس 2025
"الأغنية التونسية" يبدو مصطلحًا مفتوحًا وبلا أسوار، مشرعًا على عوالم شديدة التعقيد والحساسية، فإذا ما رمنا تفكيكه وتشقيقه قصد فهمه وتبسيطه نجد أنفسنا إزاء مدارات شتى منها عوالم الفعل الموسيقي على أرض تونس وتشعبات تاريخه منذ النوميديين إلى اليوم على اعتبار أن الموسيقى هي لغة تنبت من الأرض كما الأزهار ويأخذ بعضها برقاب بعض، وتتأثر سريعًا بالخصوصيات الثقافية الوافدة، كما نجد أنفسنا أمام الكلام المغنى أو ما يعرف بالشعر الغنائي وبحوره وأقطابه، وتونس في هذا المجال قوّالة للشعر المغنى من شمالها إلى جنوبها، أما المواجهة الأهم فهي تلك التي تتعلق بالهوية الثقافية لأن الموسيقى والغناء مكون من مكونات ثقافة المجتمع.
يأتي مصطلح "الأغنية التونسية" مشحونًا ومكثف الدلالات لذلك نجده يحتمل تأويلات وقراءات عديدة فتتعد حوله الآراء والقراءات، وإذا ما نظرنا إلى المسألة من زاوية سوسيولوجية إناسية، نجد أن هذا المصطلح تولّد من رحم المجتمع التونسي وهو خلاصة سياقات سياسية واقتصادية وثقافية، محلية أو محيطة.
وإذا ما دققنا النظر أكثر نجد أن "دولة الاستقلال" هي من أرسى هذا المصطلح وروج له وجعله يافطة ثقافية تروج لتونس الجديدة ما بعد الاستعمار، لكن هذه اليافطة أو هذا المصطلح لم يكن جامعًا للحياة الموسيقية التونسية ووفيًا لتاريخها الطويل ورموزها وجملها الموسيقية، بل كان انتقائيًا و"إقصائيًا"، فقد انتصرت دولة الاستقلال لمكون "الموسيقى والغناء الحضري" وجعلت من "الموسيقى والغناء البدوي" هامشًا، بل وأحيانًا لا يلتفت إليه فضاعت أجزاء كثيرة من هذا الشق الأغلبي.
وهكذا كان القرار السياسي حاضرًا ومؤثرًا وحاسمًا في تاريخ الأغنية التونسية فبقي المصطلح المذكور مفرغًا من جواهره ومراكماته، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الأغنية التونسية ممثلة في اللحن الموسيقي الحضري والشعر الحضري المديني وقد ساهمت نشأة "مؤسسة الراشيدية" أو "المعهد الراشيدي" مع بداية القرن العشرين في تكريس الحضرية في جوف مصطلح "الأغنية التونسية" وبقي الشرخ قائمًا رغم محاولات رأبه.
فترة الثمانينيات تعتبر بمثابة الموجة العاتية واللامعة للأغنية التونسية سواء من ناحية عدد الأغاني أو ظهور المغنين أو الأنشطة الموسيقية
وشجعت دولة الاستقلال على بعث تظاهرات ومهرجانات تعنى بالأغنية التونسية، كما تراها هي لا كما يراها التاريخ الثقافي لتونس، فكانت البداية مع نوادي الشبيبة الموسيقية نهاية الستينيات والتي عرفت انتشارها في دور الثقافة سنة 1972، ثم سهرات قرطاج سنة 1973، وبُعث مهرجان المطرب علي الرياحي سنة 1979، ثم أسبوع الموسيقى التونسية سنة 1986، كما كان لنشأة الفرقة الوطنية للموسيقى سنة 1983 الدور الهام في دعم الإنتاج الموسيقي التونسي.
واعتبرت فترة الثمانينيات من القرن العشرين بمثابة الموجة العاتية واللامعة للأغنية التونسية سواء من ناحية عدد الأغاني أو ظهور المغنين أو الأنشطة الموسيقية. فتولد عن كل هذه المراكمة التاريخية وتلك الطفرة الفنية ما يعرف اليوم "بمهرجان الأغنية التونسية" وكان ذلك سنة 1987، وقد كان مطلبًا من مطالب العائلة الموسيقة والفنية التونسية على إثر نقاشات وجدل طويل ساهم الإعلام التونسي في بعض أجزائه ورافقه حدث سياسي وهو تغيير السلطة في تونس (مغادرة الزعيم بورقيبة رأس السلطة وحلول الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي مكانه).

مهرجان الأغنية التونسية أداره الأستاذ الموسيقي فتحي زغندة طيلة سبع دورات متتالية (من 1987 إلى 1994) باستثناء دورة 1992 التي أدارها خليل محفوظ، وهي تعتبر فترة ترسيخه في المشهد الثقافي التونسي كحدث أساسي ينتظره عامة الناس ويتابعونه باهتمام عبر التلفزيون الرسمي.
ثم تتالى على إدارته العديد من الوجوه الموسيقية التونسية على غرار المايسترو أحمد عاشور والشاعر محمد بوذينة والفنان الملحن عبد الكريم صحابو والمايسترو حمادي بن عثمان والمطربة سنية مبارك.
وشهد مهرجان الأغنية التونسية تعثرات عديدة نتيجة لفوضى تعم قطاع الموسيقى، وذلك رغم مطالبة أبناء هذا القطاع بإصلاحات هيكلية والذهاب إلى تشريعات جديدة وحماية الموسيقى التونسية من الضياع في زحمة التفاهة التي كرستها تلفزيونات التفاهة في "زمن البارابول والفضائيات"، لكن السلطة باعتبارها الداعم الأوحد للثقافة كانت لا تبالي فانجر عن ذلك توقف المهرجان طيلة 12 سنة كاملة من 2008 إلى 2021.
ولكن عاد النقاش من جديد بشأن واقع الأغنية التونسية في ظل متغيرات جديدة بعد الثورة في 14 جانفي/يناير 2011، فأثمر عودة للمهرجان على يد الفنان المغني شكري بوزيان وهو الذي كان ابنًا لفترة الثمانينيات الذهبية ومن ثمة تواصل الحدث الثقافي وتشبث بوجوده مرتكزًا على إرث طويل.
يترأس الفنان والملحن المعروف الطاهر القيزاني، الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان الأغنية التونسية لسنة 2025، التي انطلقت مساء السبت 8 مارس/آذار 2025 لتتواصل حتى 11 مارس/آذار 2025، ويمكن القول إنها تنهض بثلاث مهام جسام، إذ تتمثل الأولى في رتق الهوات التي حصلت في الأثناء طيلة المسار من 1987 إلى اليوم وذلك رغم الصعوبات والوعي بها والمحافظة على استمرارية المهرجان والتأكيد على أنه حدث ثقافي مركزي على غرار باقي المهرجانات الكبرى الأخرى التي ترعاها وزارة الشؤون الثقافية رأسًا.
أما المهمة الثانية فتتمثل في رفع لواء المحافظة على عنصر الموسيقى الكلاسيكية الوترية، في ظل متغيرات تقنية هادرة وناسفة للقديم، فهذا المهرجان يمكن له إحداث توازنات ما في المشهد الموسيقي التونسي، وتنحصر المهمة الثالثة في خلق مناخات تفكير حول الفعل الموسيقي والغنائي في ظل واقع دولي معولم يسعى إلى التنميط الثقافي.
شهد مهرجان الأغنية التونسية تعثرات عديدة نتيجة لفوضى تعم قطاع الموسيقى، لكنه عاد من جديد لمحاولة تأصيل نفسه في المشهد الثقافي التونسي
وللتأكيد على وعي المهرجان بمهامه الرمزية تلك نظم في رحاب مركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء يوم 6 مارس/آذار 2025 أي قبيل انطلاقه، مسامرة رمضانية تحت عنوان "الأغنية التونسية إلى أين؟" حضرتها الثقافة التونسية، وتم التطرق خلالها إلى عديد المسائل الحارقة في علاقة بالأغنية التونسية على غرار مدى انتشارها والدعم العمومي والقوانين والتشريعات الثقافية.
وتضم الدورة 23 لمهرجان الأغنية التونسية، ثلاث مسابقات وهي مسابقة الأغنية الجديدة ويشارك فيها 13 مغن من مختلف الأجيال، ومسابقة المعزوفات ويشارك فيها 10 عازفين، ومسابقة الآداء الفردي ويشارك فيها ثلاثة أصوات، وقد وقع اختيار المشاركين من ضمن 149 عملاً مرشحًا.
ووجهت الدورة الدعوة لأسماء فنية لمعت مع بداية المهرجانات في الثمانينيات ليكونوا ضيوف شرف في بعض السهرات على غرار نجاة عطية ونوال غشام ونبيهة كراولي.
وكان حفل الافتتاح في سهرة 8 مارس/آذار 2025 مميزًا بمحتوى راق يترجم ما وصل إليه الفعل الموسيقي التونسي، فاستقبل الجمهور التونسي عرض "تخيّل" للفنان الفيلسوف كريم ثليبي وهو عرض مستلهم من نص للكاتب والشاعر والروائي التونسي محسن بن نفيسة عنوانه "غدا.. يوم القيامة".

وبعد عودته الثابتة ومحاولة تأصيل نفسه في المشهد الثقافي التونسي، فإن مهرجان الأغنية التونسية مطالب بتأسيس نفسه والتفكير بجدية في التحول إلى مؤسسة لها هامش من الحرية يمكنها من إعادة تصور المهرجان على غرار تظاهرات عالمية وإقليمية.
والمهرجان مطالب أيضًا بتشريك الجامعة التونسية ونخبها المهتمة، والرصيد الرمزي من أسماء ومؤسسات من أجل خلق منظومة قيم موسيقية وثقافية جديدة يدافع عنها المهرجان، فضلاً عن الذهاب إلى حماية نفسه من الإيقاع الشديد للمتغيرات وذلك بالتشبث بتراث المهرجان وصيانته ومتحفته.
الكلمات المفتاحية

فلسطين 36.. فيلم مضاد للزهايمر السياسي
يعرض فيلم "فلسطين 36" جذور المأساة الفلسطينية، ويكشف الدور الذي لعبته القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، في صياغة واقع جيوسياسي خانق للفلسطينيين

"دريسينغ روم".. سطور من التجاعيد تروي ذكريات النساء
"دريسينغ روم" أو غرفة تبديل الملابس، هو عمل فني لا يتعلق بتغيير قطعة قماش تغطي جسدًا ما كما يبدو العنوان، بل يغوص نحو الأعمق، عن التغيير الجسدي الذي يحصل للمرأة عند وصولها لما يسمى "سن اليأس"

"كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها
مسرحية "كل حاجة حلوة" وإن كانت من فئة الممثل الواحد، فقد شارك فيها الجمهور كله تقريبًا، ففريق العمل يوزع على الداخلين للفرجة، قصاصات كتبت عليها بعض الكلمات والجمل التي لا يفهم المغزى منها في البداية

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار غزيرة في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الأحد 15 فيفري 2026، سيكون أحيانًا كثيف السحب مع أمطار متفرقة بالشمال ومحليًا الوسط، وتكون مؤقتًا رعدية وأحيانًا غزيرة بأقصى الشمال الغربي، مع إمكانية تساقط البرد بأماكن محدودة

وسام الصغير: قمع الحقوق والحريات من أركان الاستبداد والفشل الاجتماعي والاقتصادي
وسام الصغير لـ"الترا تونس": تقييم الأنظمة بالمساندة أو بالنقد لا يكون بشكل دغمائي عبثي، بل يقوم على تقييم المنجز من عدمه.. وبمرور 3 سنوات على وجود السياسيين في السجون، فإنّ الأوضاع تراوح مكانها وكلّ القطاعات تعاني أزمة

جبهة الخلاص: السلطة كثّفت من حملة استهداف حرية التعبير معتمدة تطويع القانون
جبهة الخلاص الوطني: "نطالب بالإفراج عن المعتقلين السّياسيّين ونعبّر عن انخراطنا الكامل في النّضال المدني السّلمي من أجل إنهاء المظلمة المسلّطة عليهم وقد افتتح بعضهم العام الرّابع خلف القضبان دون تهمة ولا ذنب"

الرصد الجوي: درجة إنذار كبيرة بعدة ولايات وتحذيرات من رياح قوية جدًا
معهد الرصد الجوي: ندعو إلى اتخاذ جملة من الإجراءات من بينها، توخي الحذر في حركة التنقل وفي الأنشطة ذات العلاقة بالنقل الجوي والبحري، مع تجنب القيام بأنشطة ترفيهية في الخارج

