من فسقية مهملة إلى مسرح أثري.. شرارة في ثورة المواطنة

من فسقية مهملة إلى مسرح أثري.. شرارة في ثورة المواطنة

مبادرة تلمذية مواطنية لاقت إشادة واسعة

من سيدي بوزيد، وتحديدًا من منطقة سيدي علي بن عون، خطّ تلاميذ المدرسة الإعدادية الرابطة درسًا في المواطنة عبر تحويل فسقية مهملة إلى مسرح أثري.

سيدي بوزيد، التي انطلقت فيها شرارة الثورة على الواقع الاقتصادي والسياسي ذات ديسمبر/كانون الأول، أوقد فيها أطفال شرارة في ثورة المواطنة، أطفال برهنوا على ولائهم للوطن وخدمته رغم صغر سنّهم. فلم يتوان تلاميذ المدرسة الإعدادية "الرابطة" عن أداء واجبهم تجاه مسقط رأسهم على وجه الخصوص وموطنهم عمومًا، من خلال خطوة كشفت إيلاءهم اهتمامًا بتاريخ تونس ومعالمها الأثرية.

قام تلاميذ المدرسة الإعدادية "الرابطة" بسيدي علي بن عون بتحويل فسقية مهملة إلى مسرح أثري

والبادرة التي برهنت أنّ الفضاء المدرسي مجال لترسيخ قيم المواطنة، قد تبدو في ظاهرها بسيطة ولكن في باطنها ترشح بحب الوطن وكل شبر منه، بادرة نفضت غبار التهميش والنسيان عن معلم أثري يعود إلى قرون مضت.

وكان الشأن الثقافي بوابة تلاميذ المدرسة الإعدادية الرابطة، لتجسيد مواطنتهم، فكانت إعداديتهم فضاء دارت فيه فعاليات الملتقى الجهوي للسينما والصورة بالوسط المدرسي في الرابع عشر من الشهر الجاري.

وتنوّعت في الملتقى العروض بين فيلم وثائقي بعنوان "ما وراء الضباب" وفيلم روائي قصير بعنوان "الخيالي"، وومضة توعوية بعنوان" الغش"، وقد رشّحت هذه الأعمال للملتقى الوطني للسينما والصورة بسليانة المنتظر تنظيمه من 27 إلى 29 من شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري.

اقرأ/ي أيضًا: أيّام عقارب السينمائيّة: إذا عقارب يومًا أرادت السينما فلا بد أن يستجيب القدر

والفيلم الوثائقي "ماوراء الضباب" الذي أعدّه تلاميذ المدرسة الإعدادية "الرابطة" بسيدي علي بن عون بما أتاحته لهم الدولة من إمكانيات بسيطة، يلقي الضوء على تاريخ الفسقية المهملة، فيما يوثق الفيلم الروائي القصير "الخيالي" لرحلة بعث الحياة في الفسقية، المعلم الأثري الذي قبرته الدولة بتهميشها.

بعد أيام بذلها التلاميذ والإطار التربوي، في الكشف عن ملامح معلم أثري يعود إلى مئات السنين، بدت الفسقية فاتنة بحجارتها التي تحكي قصص مرور الرومان من المكان، حجارة تحفظ الذاكرة والتاريخ.

الجازية الهلالية، وعليسة، وحنبعل، ومحمد المنصف الباي حضروا في الفيلم الروائي القصير في أداء تلاميذ، حملوا لواء الحفاظ على ذكرى شخصيات وسموا تاريخ تونس، فكان "الخيالي"، فسحة للتذكير بشخصيات تاريخية وفضاء للرقص وترديد الأغاني والزغاريد.

قام التلاميذ بتحويل الفسقية إلى مسرح لممارسة النشاط الثقافي

والجميل في الأمر، أنّ عملية تصوير "الخيالي" تمت على شاكلة عرض فرجوي، الغاية منه لفت انتباه السلطات المعنية لإيلاء مزيد الاهتمام بالآثار المنسيّة ومن بينها الفسقية التي تحوّلت بمجهود التلاميذ وبتشجيع الإطار التربوي ومديرة المدرسة الإعدادية إلى مسرح أثري، يهرب إليه التلاميذ من الآفات المجتمعية التي قد تحيق بهم.

وفي حديثها عن البادرة التي لاقت استحسان روّاد موقع الفايسبوك، الذين تداولوا صور الفسقية قبل تهيئتها وبعدها، تقول مديرة المدرسة الإعدادية "الرابطة" بمنطقة سيدي علي بن عون رتيبة الصالحي لـ"الترا تونس" إنّ فكرة ترميم الفسقية قائمة منذ ثلاث سنوات، أي منذ انطلاق التدريس بالمدرسة الإعدادية المستحدثة في السنة الدراسية 2016/2015، وفق تعبيرها.

مديرة مدرسة "الرابطة" لـ"الترا تونس": الإطار التربوي لاحظ أن نسبة العنف المدرسي قلت على اعتبار أن الأطفال استنفذوا طاقاتهم في تهيئة الفسقية

والفسقية، موجودة في محيط الاعدادية المستحدثة في المنطقة الريفية، وهي قريبة من الملعب الذي يمارس فيه التلاميذ حصص التربية البدنية، وقد لاحظت مديرة الإعدادية وجودها وتراكم الأوساخ في محيطها لكن ضعف الإمكانيات والنقص في الإطار التربوي جعل من فكرة تهيئتها أمرًا مؤجلًا، حسب ما أفادتنا به مديرة المدرسة.

وبعد ثلاث سنوات من التأجيل، أقدم التلاميذ على تنظيف الفسقية وتهيئتها بتشجيع من الإطار التربوي فكانت فضاء لتجسيد أنشطة سينمائية كوسيلة للترفيه عن أطفال يقطنون في قلب الريف، وفق تعبير محدّثتنا.

أقدم التلاميذ على تنظيف الفسقية وتهيئتها بتشجيع من الإطار التربوي

وفيما يتعلّق بدعم المندوبية الجهوية للتربية والمندوبية الجهوية للثقافة للبادرة التي بعثت الحياة في الفسقية، تؤكّد أنّها لا تنتظر أي شيء من الآخر وأنّ ما ترنو إليه أن توفّر فسحة ترفيه لتلاميذ يدرسون بإعدادية لا سور خلفي لها، مشيرة إلى أنّها وجّهت مراسلات لمندوبية التربية والثقافة لإعلامهم باعتزامهم تصوير فيلم في الفسقية وهو ما يتطلب تنظيفها ولكنها لم تتلق ردًا فاعتبرت ذلك موافقة.

اقرأ/ي أيضًا: بالفيديو: نجاة بامري.. فنانة عصامية تحدّت الإعاقة لترسم بفمها

وأمام عدم تفاعل الجهات المعنية، أقدم التلاميذ على إزالة الأوساخ التي كانت تطمس الفسقية دون أن يضفوا عليها أي تغييرات باستثناء سلالم تمّ بناؤها لتسهيل مرور الجمهور، وفق قول رتيبة الصالحي، التي أكّدت أنّها تواصلت مع ممثل للمعهد الوطني للتراث وعاين الفسقية دون أدنى تفاعل.

وعن كواليس تنظيف الفسقية، تقول مديرة المدرسة الإعدادية، إنّه وعلى اعتبار أنّ المدرسة الإعدادية تعمل بنظام الحصّة الواحدة من الثامنة صباحًا إلى الثالثة مساء، فإنّ ساعات الراحة تخصّص لممارسة البستنة أو أنشطة أخرى على غرار تنظيف الفسقية الذي استغرق قرابة الشهرين، مشيرة إلى أنّ المعهد يتسم بالنشاط على الصعيد الثقافي.

هم 143 تلميذًا من منطقة الرابطة الريفية التابعة لسيدي علي بن عون، يعدّون معزولين عن كل وسائل الترفيه، وفق مديرة المدرسة الإعدادية، ولكنّهم موهوبون وتحصلوا على الجائزة الأولى للملتقى الوطني للسينما في الوسط المدرسي عن فيلم "الزيتون لا يموت".

 الهدف من تكثيف الأنشطة الثقافية ترغيب الأطفال في الدراسة

ولأن نسبة الانقطاع المدرسي مرتفعة في منطقة الرابطة، تؤكّد محدّثتنا أن الهدف من تكثيف الأنشطة الثقافية ترغيب الأطفال في الدراسة وتوفير متنفس لهم حتى لا يكلوا التعليم علما وأنها من هواة المسرح وكانت تنشط في مجموعة يشرف عليها المسرحي حافظ الجديدي.

وفي حديثها على تأثير النشاط الثقافي الأخير في التلاميذ، تشير إلى أنّ الإطار التربوي لاحظ أن نسبة العنف المدرسي قلت على اعتبار أن الأطفال استنفذوا طاقاتهم في تهيئة الفسقية.

وقد أثبتت المدرسة الإعدادية "الرابطة" بسيدي علي بن عون أن الفضاء المدرسي قادر على تربية وخلق أفراد يعتبرون أنّ المواطنة ممارسة وفعل، لا شعارات رنانة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ياسمين القرمازي.. عندما تكون التجربة الشخصية حافزًا للاختراع

"الأنتيكا".. رزق للفقراء وهواية لبعض الأثرياء