من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء
29 ديسمبر 2025
تقع واحات جمنة في بلدية جمنة التابعة لولاية قبلي، جنوب تونس، وتمثّل تجربة استثنائية في مقاومة التهميش والدفاع عن الأرض والكرامة. فبعد أن استُردّت أراضيها من شركة فلاحية تابعة للدولة سنة 2011، ومن ورائها مستثمرين اثنين في القطاع الخاص، وفق رئيس جمعية حماية واحات جمنة، قرّر أهالي الجهة، إدارة واحاتهم بأنفسهم، بعيدًا عن الوصاية الرسمية، في إطار جمعية محلية تُعنى بصيانة النخيل وتسويق التمور وضمان العدالة في توزيع المداخيل.
ما ميّز تجربة جمنة ليس فقط نجاحها الاقتصادي -حيث ارتفعت إنتاجية النخيل وتحسّن دخل السكان- بل أيضًا نزاهتها المالية وشفافيتها الإدارية، ما جعلها مصدر إلهام وطنيًّا ودوليًّا، ونُموذجًا يُحتذى به في الاقتصاد التضامني والتنمية المحلية المستدامة. وقد حظيت التجربة باعتراف رسمي وشعبي واسع، بل ووُصفت مرارًا بأنها "واحة الكرامة" في قلب الصحراء التونسية.
رئيس جمعية حماية واحات جمنة لـ"الترا تونس": كل ما نريده هو أن تسوّغنا الدولة هذه الأرض كشركة أهلية، وندفع ما علينا من واجبات، ونبقى نُديرها لصالح أهالي الجهة، في منطقة لا صناعة فيها، ولا مشاريع تنموية، ولا أفق سوى هذه الواحة
في هذا السياق، تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، على أحرّ من الجمر، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.
وأكّد طاهر الطاهري، رئيس الجمعية والممثل القانوني لها، أن القضية الاستعجالية، التي قدمها المكلف العام بنزاعات الدولة باسم وزارة أملاك الدولة، ستنظر فيها المحكمة يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، وتهدف إلى إخلاء أراضي الضيعة التي يديرها أهالي جمنة منذ أكثر من 15 سنة. وأشار إلى أن محاولة مماثلة سبق أن قام بها الوزير السابق مبروك كورشيد عام 2016، حين وجّه ثلاث مراسلات إلى والي قبلي آنذاك، وليد الوقيـني، طالبًا تدخّل القوّة العمومية لإخراج الأهالي، لكن الأخير رفض استعمال القوّة، مفضّلًا الحلول التوافقية.
اقرأ/ي أيضًا: هل كشفت جمنة أزمة دولة ما بعد الثورة في تونس؟
في المقابل، ذكّر الطاهري بأن القضية الثانية، المزمع البتّ فيها يوم 19 جانفي/يناير 2026، تتعلّق بطلب تعيين خبراء لتقييم قيمة محاصيل واحات النخيل منذ عام 2011.
وشدّد على أن الجمعية لا تخشى من نتائج هذه القضية، نظرًا لأنها تلتزم سنويًّا بمبدأ الشفافية في إدارة مواردها، إذ تُجري تدقيقًا دقيقًا لكل الفواتير والمصاريف والمحاصيل، من خلال مكتب محاسبة بقابس، وتُصدر تقريرًا ماليًّا سنويًّا يُعرض على الرأي العام. ورغم غياب أرقام رسمية من الدولة حول إنتاج جمنة منذ 2011، فإن الجمعية قدمت معطياتها كتابةً إلى جهات حكومية، بما في ذلك وزارة الشؤون الاجتماعية، عند مناقشة قانون الاقتصاد التضامني.

وأعرب الطاهري عن دهشته وحيرته إزاء تصعيد الدولة في مسألة الضيعة، بالرغم من الدعم المتكرّر الذي أبداه رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، لتجربة جمنة. وقال إن الرئيس اتصل به شخصيًّا تسع مرّات خلال جائحة كوفيد-19، وكان يؤكد له في آخر مكالمة: "لن أنسى جمنة، وملفها سيتمّ حله". بل إن سعيّد، وفق الطاهري، ذكر تجربة جمنة علنًا أكثر من مرّة في مناسبات رسمية، لا سيما عند افتتاح أول شركة أهلية في البلاد، وأثنى على نموذجها أمام مجالس وزارية، معتبرًا إياه نبراسًا لاقتصاد تضامني ناجح.
اقرأ/ي أيضًا: الدقلة لا تزال في عراجينها وكساد في السوق.. تمور تونس ثروة منسية
وأوضح أن أهالي جمنة استجابوا للإطار التشريعي الجديد، فأسّسوا قبل ستة أشهر شركة أهلية تحمل اسم "عراجين الكرامة"، تمّ اختياره تيمنًا بوثائقي حول التجربة للصحفي غسّان بن خليفة. وأضاف أن هذه الشركة، التي أشرفت هذا الموسم على جني التمور وتغليفها، التقى ممثلوها بكاتبة الدولة المكلفة بالشركات الأهلية، حسناء جيب الله، كما تواصلوا مع وزير التشغيل لدعم المشروع.
لكن الطاهري حذّر من تداعيات قرار إخلاء الضيعة، لا سيما على اليد العاملة: "كانت الضيعة توظّف 162 شخصًا، بينهم حاملو شهادات عليا، وكان مورد رزق لعائلات كاملة. واليوم، تقلّص العدد إلى 50 عاملًا دائمًا، بين سقاة وحرّاس وإداريين. وخلال المواسم الفلاحية مثل الذكار والتجريد، نستعين بمئات العمال الموسميين من حامة قابس والجريد وجمنة نفسها". وشدّد على أن أي قرار بإخلاء الأرض سيدفع هؤلاء إلى براثن البطالة، في منطقة تعاني أصلاً من شحّ المشاريع والفرص.
رئيس جمعية حماية واحات جمنة لـ"الترا تونس": أهالي جمنة استجابوا للإطار التشريعي الجديد، فأسّسوا قبل ستة أشهر شركة أهلية تحمل اسم "عراجين الكرامة"، وقد أشرفت هذه الشركة، هذا الموسم على جني التمور وتغليفها
وأعاد التذكير بأن النزاع على ملكية الأرض ليس جديدًا، "إذ حاولت الدولة سنة 2004 تسجيل 74 هكتارًا من واحات جمنة كأملاك دولة، لكن المحكمة رفضت ذلك، مستندة إلى وثائق تؤكد أنها على ملك أجدادنا إلى جانب وثائق أخرى تعود إلى سنة 1856 تثبت أن بقية الأرض كانت لأجداد الأهالي، وانتزعها الاستعمار الفرنسي". وأوضح أن أهالي جمنة، خلافًا لمناطق أخرى كتوزر ونفطة، رفضوا تقسيم الأرض بين الأفراد، وآثروا أن تبقى موحّدة لخدمة الصالح العام.
وختم الطاهري قائلاً: "كل ما نريده هو أن تكرِيَنا الدولة هذه الأرض كشركة أهلية، وندفع ما علينا من واجبات، ونبقى نُديرها لصالح أهالي الجهة، في منطقة لا صناعة فيها، ولا مشاريع تنموية، ولا أفق سوى هذه الواحة التي تظلّ بظلّها على الأجيال".
يظل ملف جمنة اليوم اختبارًا حقيقيًا لمدى تناغم أجهزة الدولة مع مشروع "الشركات الأهلية"، وبينما ينتظر الأهالي جلسة 31 ديسمبر 2025، تبقى "عراجين الكرامة" معلقة بين طموح التنمية وواقع الملاحقة القضائية.
الكلمات المفتاحية

أبرز عادات شهر رمضان في تونس.. من بوطبيلة إلى موائد الإفطار
حول عادات التونسيين في رمضان، يذكر الشيخ محمد الحشائشي في كتابه "الهدية في العادات التونسية" في الجانب الذي خصصه لشهر رمضان المعظم: "جميع الحواضر يتأنق أهلها فيه وخصوصًا الحاضرة (العاصمة) وتكثر من ألوان الطعام والحلويات فيه وكل يدعو أحبابه للعشاء عنده (...) ويسرفون في ذلك زيادة على العادة، وتسرج فيه جميع المنائر بالمصابيح ليلًا ويحيون لياليه بالألعاب.."

اعتداء جنسي على طفل في روضة.. ملاحقة المشتبه بهم وغضب واسع في تونس
هزّت واقعة الاعتداء الجنسي على طفل داخل أحد رياض الأطفال مؤخرًا، الرأي العام في تونس، وتصاعدت مواقف الاستنكار لهذه الواقعة والمطالبة بالتحرك العاجل من طرف السلطات

زيادة بنحو 23%.. تصاعد نسق الاحتجاجات في تونس خلال جانفي 2026
منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: شهد شهر جانفي لسنة 2026، تصاعدًا في نسق الاحتجاج في تونس، بتسجيله 501 تحركًا احتجاجيًا أي بزيادة بنحو 23% مقارنة بنفس الفترة من سنة 2025

بعد سطو مسلح… نقابة التاكسي تطالب بتركيب كاميرات داخل السيارات
دعت النقابة الأساسية للتاكسي الفردي الجهات المعنية إلى الإسراع بفرض تركيب كاميرات مراقبة داخل جميع سيارات الأجرة، على غرار وسائل النقل العمومي الحديثة، بهدف الحدّ من الجريمة وتأمين الحماية الضرورية للسائقين والحرفاء. كما شددت على أهمية تدخل وزارة العدل لمراجعة العقوبات وتسليط أشدّ الجزاءات على المتورطين في جرائم السطو

طقس تونس.. سحب عابرة وارتفاع في درجات الحرارة
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي، يوم الأربعاء 18 فيفري 2026، بأنّ طقس تونس سيكون مميّزًا بسحب عابرة بأغلب المناطق وتكون الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة، ثمّ تتقوّى تدريجيًا لتصبح قوية نسبيًا قرب السواحل

"خرق للقانون".. وزارة المرأة: نحذر مؤسسات الطفولة من نشر صور الأطفال
ذكّرت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ القائمين على إدارة مؤسسات الطفولة الخاصة، يوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 من محاضن ورياض أطفال ومحاضن مدرسية ونوادي، أنّه يمنع منعًا باتًا نشر صور الأطفال عبر المواقع والمنصات وصفحات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت

رابطة حقوق الإنسان: غياب الحوار الاجتماعي يهدد القدرة الشرائية وكرامة المواطنين
قالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان لها، يوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 إنّ “غياب سياسة اقتصادية واجتماعية تشاركية يفاقم الأزمة المعيشية للمواطنين”، معبّرة عن “قلق بالغ، ونحن على بعد ساعات من دخول شهر رمضان

