من بينها الدلافين.. ما هو واقع الكائنات البحرية في تونس في ظل التلوث؟
24 يوليو 2025
تشهد المنظومة البيئية البحرية في تونس تغيّرات بيئية تهدد توازنها واستدامتها، نتيجة مزيج من العوامل أبرزها التغيرات المناخية، التلوث، الصيد الجائر وغيرها، وفق المختصين وفي هذا الإطار تواصل "الترا تونس" مع عدد من الباحثين في علوم البحار والبيئة البحرية، إلى جانب مهنيين في قطاع الصيد للوقوف على تفاصيل آثار هذه التغيرات على الثروة البحرية.
محمد نجم الدين البرادعي: "الدلافين حراس البحر مهددون.. والتوازن البيئي في خطر"
أوضح أستاذ التعليم العالي والباحث في علوم البحار، محمد نجم الدين البرادعي في حديثه لـ"الترا تونس" أنّ الكائنات البحرية في تونس تواجه جملة من التهديدات البيئية المتفاقمة، يأتي على رأسها التغير المناخي، الذي قال إنه يُعدّ "عاملًا محوريًا في نقص تكاثر الكائنات الحية، ويؤثر على توزيعها وهجرتها داخل البحر".
وأشار البرادعي إلى أن "الدلافين من بين الكائنات الأكثر تضررًا من هذه التحولات، إذ تتسبب ظاهرة الصيد العرضي في تعلقها بشباك الصيادين، ما يؤدي في حالات كثيرة إلى نفوقها".
وعدد الباحث أنواع الدلافين الموجودة في المياه التونسية، موضحًا أنها أربعة أساسًا، من بينها الدولفين الكبير والدولفين المخطط، مشددًا على أن "الدلفين كائن ذكي ومهم، يُعرف بحارس البحر، وله دور حيوي في التوازن الطبيعي"، غير أنه يواجه تهديدات متعددة أبرزها التلوث والتغير المناخي والسياحة غير المسؤولة.
باحث في علوم البحار لـ"الترا تونس": الدلافين مهددة لأن كثرة الأساطيل والبواخر تلوث الهواء الذي تتنفسه هذه الكائنات، ناهيك عن الضجيج الناجم عن المحركات، والذي يعطل قدرتها على تتبع الذبذبات الصوتية
وحذر من خطورة حجز الدلافين داخل الأحواض قائلًا: "ينبغي أن يعيش هذا الكائن حرًا، يجب احترام مساكنه الطبيعية وحماية الفضاءات البحرية التي تؤويه".
كما نبه البرادعي إلى التأثير السلبي للملاحة البحرية، وقال إن "الدلافين مهددة لأن كثرة الأساطيل والبواخر تلوث الهواء الذي تتنفسه هذه الكائنات، ناهيك عن الضجيج الناجم عن المحركات، والذي يعطل قدرتها على تتبع الذبذبات الصوتية اللازمة لتحديد مواقع فرائسها".
وأعرب عن قلقه من وصول كائنات بحرية غريبة عن المنطقة من البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، "أصبحت في تنافس مباشر مع الأنواع المحلية في البحر الأبيض المتوسط"، مشيرًا إلى تسجيل دخول أنواع من الأسماك والقوقعيات والقشريات الغازية، والتي أثرت على إنتاج الكائنات الأصلية.
تهديدات متزايدة لدلافين وقروش البحر الأبيض المتوسط
ومن جهته، قال ياسين رمزي الصغير، رئيس جمعية "تونس البحر" (TunSea)، في تصريح لـ "الترا تونس"، إن الدلافين في تونس ليست مهددة بالانقراض ككل، ولكن هناك أصناف معيّنة منها تواجه خطر الانقراض، مشيرًا إلى أن الإشكال الرئيسي يتعلق بالاحتكاك القائم بين هذه الكائنات والصيادين. وأوضح في هذا السياق أن الدلفين يقوم في العادة بأكل الأسماك من شباك البحارة، وهو ما يخلق نزاعًا ومواجهة مباشرة بين الطرفين.
وأضاف أن الدلافين مهددة اليوم في كامل الحوض المتوسطي، وليس في تونس فقط، وذلك بسبب عدة عوامل متشابكة، أهمها: التغير المناخي، تراجع الثروة السمكية، والتلوث، والاحتكاك المستمر مع الصيادين.
وأشار الصغير إلى أن "البحر الأبيض المتوسط الذي نتشاركه مع 21 دولة، يعيش فيه حوالي نصف مليار شخص، والعديد من هذه الدول مثل تونس، الجزائر، إسبانيا وغيرها، أغلب سكانها يقيمون على الشريط الساحلي، ما يجعل الضغوطات البشرية أكبر في هذه المناطق، سواء على مستوى النشاط الاقتصادي أو التلوث أو التمدد العمراني".
وأكد في حديثه أن "هذه الضغوطات تخلق خللًا في التوازن البيئي"، مضيفًا أن "علينا أن نفكر في البحر دائمًا كمنظومة مترابطة"، وتابع:" لا يمكن الحديث عن حماية القروش والدلافين دون التفكير في النباتات البحرية والطحالب التي تُعدّ الغابة الأساسية التي تعيش فيها الكائنات الصغيرة، والتي تتغذى عليها كائنات أكبر، وتصل في نهاية السلسلة إلى الدلافين والقروش".
رئيس جمعية "تونس البحر" لـ"الترا تونس": لا يمكن الحديث عن حماية القروش والدلافين دون التفكير في النباتات البحرية والطحالب التي تُعدّ الغابة الأساسية التي تعيش فيها الكائنات الصغيرة، والتي تتغذى عليها كائنات أكبر
وتابع قائلًا: "أي خلل في هذه المنظومة سيؤثر على كامل التوازن. فعندما يتراجع عدد القروش، وهذا ما يحدث اليوم في البحر الأبيض المتوسط، ستتكاثر الأنواع التي كانت القروش تتغذى عليها، ويحدث بذلك اختلال كبير في السلسلة البيئية، مما يؤدي إلى انهيار المنظومة برمّتها".
واستدرك: "في تونس، من حسن الحظ أننا لا نزال نمتلك بعض أصناف القروش، بعكس دول أخرى في المتوسط أين انقرضت تقريبًا منذ السبعينيات، ولذلك فإننا كجمعيات ومختصين متحمسون جدًا لحماية هذه الأنواع".
وشدّد على أن تونس يجب أن تحافظ على الأصناف المهددة بالانقراض مثل القرش الأبيض وغيره، مؤكدًا أن "السواحل التونسية لا تزال غنية بالكائنات البحرية وبالطحالب، وهناك تنوّع بيولوجي واسع، لكننا في المقابل نعيش نفس التهديدات التي تعرفها بلدان المتوسط الأخرى: التلوث، المصانع الكيميائية في قابس مثلًا، ومشكل الصرف الصحي الذي يُطرح في البحر دون معالجة".
وأضاف الصغير أن "من بين المشاكل الكبرى كذلك البلاستيك، والاستغلال المفرط للشريط الساحلي والكثبان الرملية، ما جعلنا نعيش نوعًا من التصحر البحري"، قائلًا: "نحن في تونس، اقتصادنا مرتبط بالشواطئ الرملية الموجودة في المناطق الساحلية، وإذا فقدناها فنحن نفقد جزءًا من أسس الاقتصاد القائم على السياحة".
وأشار أيضًا إلى أن "أساس التنوع البيولوجي في البحر الأبيض المتوسط، وخاصة في تونس، هو الغابات البحرية، وعلى رأسها نبتة البيسيدونيا أو الذريع، حيث يعيش فيها 25% من الكائنات البحرية". وتابع: "هذه النبتة تُعد من أهم النباتات البحرية في المتوسط، وتونس مطالبة، بموجب الاتفاقيات الدولية التي وقّعتها، بحمايتها، لأنها من بين الدول التي تحتوي على أكبر نسبة منها، حيث يوجد في تونس 40% من مساحات البوسيدونيا في المنطقة".
وأضاف: "هذه نعمة من الطبيعة، ولكن في ظل التلوث، والتعدّي على البيئة، أصبحت مهددة. وفي تونس، لا يزال لدينا القروش وأنواع أخرى من الكائنات التي انقرضت في إسبانيا وإيطاليا، ولهذا نحن كمختصين نؤكد دائمًا أن حمايتها ضرورة بيئية ملحّة".
وختم تصريحه بالقول: "في السنوات القادمة، نخشى أن نصل إلى مرحلة لا يمكن فيها الإصلاح أو استرجاع الكائنات المنقرضة لأن التلوّث البحري، تربية الأسماك في أماكن غير قانونية، الصيد الجائر، كلها عوامل تهدد الكائنات الحية والنباتات البحرية والغابات التي تضع فيها الأسماك بيضها".
رئيس جمعية "تونس البحر" لـ"الترا تونس": نخشى أن نصل إلى مرحلة لا يمكن فيها الإصلاح أو استرجاع الكائنات المنقرضة لأن التلوّث البحري، تربية الأسماك في أماكن غير قانونية والصيد الجائر كلها عوامل تهدد الكائنات البحرية
وأوضح: "النتيجة لكل هذا ستكون تصحّر بحري كما حدث في اليابسة، وهذا ما نراه اليوم، عندما يبلغ سعر الكيلوغرام من الأخطبوط 60 دينارًا، بسبب الصيد المفرط وغياب الحماية البيئية".
القوانين موجودة لحماية الثروة البحرية.. لكن لا تُطبّق
وفي سياق حديثه لـ"الترا تونس"، تطرّق ياسين رمزي الصغير إلى الحلول المقترحة لمواجهة التدهور البيئي في السواحل التونسية، مشيرًا إلى "أن المشكلة الكبرى في تونس ليست في غياب التشريعات، بل في عدم تطبيق القوانين الموجودة أصلًا".
وقال: "نحن نمتلك الترسانة القانونية الكافية، ولكن لا يتم تفعيلها بالشكل اللازم، ولا توجد إرادة حقيقية لفرض الاحترام الصارم لما يحدث في البحر".
وتابع قائلًا: "المراقبة يجب أن تكون دائمة، لا موسمية، ويجب أن تشمل كل أشكال الاستغلال البحري، خاصة الصيد العشوائي، غير أن المشكل العميق يكمن في أن الجهات المسؤولة، مثل الحرس البحري أو الجيش، منشغلة بمهام أخرى تتعلق بالأمن والهجرة غير النظامية، وحماية الحدود، أكثر من اهتمامها بحماية الثروة البحرية".
وفي جانب آخر من تصريحه، دعا الصغير إلى تحمل المواطن لمسؤوليته أيضًا كمستهلك، وقال: "الشعب التونسي يجب أن يكون واعيًا بخطورة الوضع، ولا يقبل بشراء أصناف بحرية ممنوعة أو تم اصطيادها خارج فتراتها القانونية، لأنه حين يشتري مثل هذه الأنواع، يكون شريكًا في الاعتداء على البيئة البحرية".
وأكد على أهمية التحسيس والتوعية البيئية، مبرزًا أن" حماية البحر ليست مسؤولية الدولة فقط"، بل هي "واجب جماعي يتقاسمه الجميع: مؤسسات، جمعيات، صيادون، ومواطنون".
وشدّد على "ضرورة تكثيف الرقابة على المخالفين، وخاصة ما يتم طرحه في البحر من نفايات صناعية أو مخلّفات الصيد"، مشيرًا إلى "وجود حالات صارخة في عدد من المدن الساحلية مثل المنستير، حيث تقوم بعض المصانع بطرح ملوّثات مباشرة في البحر دون رقيب أو محاسبة".
وفي نفس السياق، تواصل الترا تونس في وقت سابق بتاريخ 3 جويلية/يوليو 2025، مع المختص في الشأن البيئي مهدي العبدلي، الذي حذر من "التلوث البحري الناتج عن طرح المياه العادمة والصناعية في البحر دون معالجة كافية".
وقال العبدلي: "في تونس، يتم التخلص من نحو 276 مليون متر مكعب من المياه العادمة سنويًا، ويُصرف أغلبها في البحر والأودية والسباخ دون معالجة، إذ لا تعمل سوى 25 محطة تطهير فقط بمعالجة ثنائية متقدمة، أما المعالجة الثلاثية الضرورية فهي شبه غائبة تمامًا".
وأكد أن "70% من هذه المياه العادمة تُطرح دون معالجة، ولا يُعاد استخدام سوى 7% فقط منها، وهو ما يُسهم في تفاقم التلوث البحري ويؤثر على التنوع البيولوجي".
كما أشار إلى أن بعض المؤسسات الصناعية الكبرى تواصل تصريف نفاياتها السائلة مباشرة في البحر، دون محاسبة، ما يعدّ شكلًا من أشكال الفساد البيئي، وفق تعبيره.
بحّار من قرقنة: البحر يلفظ أنفاسه الأخيرة.. والأخطبوط أصبح نادرًا
وفي هذا السياق، عبّر بحار من جزر قرقنة، صالح سهل، في مداخلة لـ"الترا تونس"، عن أسفه الشديد لما آل إليه وضع البحر، مؤكدًا أن "التلوث الصناعي الناتج عن أنشطة الشركات البترولية ساهم في الإضرار بالبحر وتدمير مناطق صيد بأكملها".
وقال: "كنا في السابق نخرج إلى البحر ونعود محملين بالخير والبركة. اليوم تغيّر كل شيء، لم يعد البحر كما عهدناه، إنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، أصبحت المياه أكثر تلوّثًا، المنشآت البترولية ترمي بفضلاتها السائلة في البحر مباشرة. ما يحدث في قرقنة كارثة بيئية".
بحّار لـ"الترا تونس": لم أتمكّن من صيد أكثر من أخطبوطين فقط طوال موسم كامل، وهو أمر لم أعهده طيلة مسيرتي في البحر
وأضاف: "الشركات البترولية لم تكتفِ بالتلوث، بل تقوم بتسييج مناطق كاملة في البحر وتمنع الصيادين من الاقتراب، ما يضيّق علينا مجالات الصيد التقليدي. هذا ليس عدلًا. نحن نعيش على البحر منذ أجيال، واليوم نجد أنفسنا ممنوعين من الاقتراب من مناطق بأكملها بسبب نشاط صناعي لا يحترم لا البيئة ولا الإنسان".
وتابع: "ما يحدث هو استنزاف للبحر، وتدمير لمورد رزقنا الوحيد. التلوث، الصيد الجائر، غياب الرقابة، وإهمال الدولة جعلنا نخسر يومًا بعد يوم. حتى الأسماك لم تعد تجد بيئتها الطبيعية للتكاثر".
وختم سهل قائلًا:" لم أتمكّن من صيد أكثر من أخطبوطين فقط طوال موسم كامل، وهو أمر لم أعهده طيلة مسيرتي في البحر. الأخطبوط كان في السابق رمزًا لجزر قرقنة، واليوم أصبح عملة نادرة فيها".
الكلمات المفتاحية
إقبال متزايد على السياحة الداخلية.. ما هي أفضل وجهات التونسيين لقضاء عطلة الصيف؟
مع حلول فصل الصيف، تشهد السياحة الداخلية في تونس حركيةً لافتةً، إذ يقبل العديد من التونسيين..
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر
تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..
منظمة تندد بالحكم ضد الصحفي هيثم المكي والمحامي عبد الناصر العويني
أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن متابعته ببالغ انشغال تواصل إصدار أحكام سالبة للحرية ضد..
نقابة الصحفيين تطالب بمراجعة الحكم في حق الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري
كان قد صدر حكم عن محكمة الاستئناف بتونس يقضي غيابيًا بسجن حمزة البلومي وإنصاف البوغديري لمدة سنة لكل منهما، وبخطية مالية في حقهما، على خلفية الشكاية التي تقدم بها الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية المنصف المرزوقي
حكم بسنة سجنًا في حق حمزة البلومي والمنصف المرزوقي يعلّق.. ما القصة؟
علق الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، على حكم السجن الصادر ضدّ عدد من الصحفيين بسبب فيديو..
ما حقيقة اندلاع حريق بالسجن المدني بالمسعدين من ولاية سوسة؟
معطيات تؤكد أنّ سجينيْن بالسجن المدني بالمسعدين، تعرضا لتوّعك صحي استوجب نقلهما إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد، لتلقي الفحوصات اللازمة