ultracheck
منوعات

من "التنقيز على الحوت" إلى "الجلوة".. تعرف على تقاليد الزواج في صفاقس

22 يوليو 2025
حفل النزول في صفاقس
سلطت الباحثة سهام القلال، الضوء على عادات العرس الصفاقسي، مؤكدة أن هذه الطقوس ليست مجرد احتفالات شعبية (حكمة مصدق/تصميم الترا تونس)
حكمة مصدق
حكمة مصدقصحفية من تونس

رغم التحولات الاجتماعية المتسارعة، لا تزال مدينة صفاقس تحافظ على تقاليد الزواج المتوارثة، إذ لا يكون الزواج مجرّد عقد اجتماعي بل رحلة طقوسية، تنسجها العائلات من خيوط التراث والفرح. العرس الصفاقسي، كما تصفه الباحثة في علوم التراث والمكلفة بالبحوث الأثرية والتاريخية بالمعهد الوطني للتراث، سهام القلال لـ"الترا تونس"، هو أكثر من احتفال، إنه طقس عبور، من مرحلة إلى أخرى.

 "نقز على الحوت".. حين تقفز العروس على رمز الخصوبة

سلطت الباحثة سهام القلال، الضوء على الأبعاد الرمزية والأنثروبولوجية لعادات العرس الصفاقسي، مؤكدة أن هذه الطقوس ليست مجرد احتفالات شعبية، بل هي محمّلة بالمعاني الثقافية والدلالات العميقة، وفقها.

باحثة في علوم التراث لـ"الترا تونس": طقوس الزواج في صفاقس ليست مجرد احتفالات شعبية، بل هي محمّلة بالمعاني الثقافية والدلالات العميقة

تقول القلال: "هناك مجموعة كبيرة من الاحتفاليات في العرس الصفاقسي التقليدي تنطلق من يوم الحمام والحنّة وتصل إلى 'السبوع' أي بعد أسبوع من الزواج. من بين هذه الاحتفاليات طقس يسمى 'التنقيز على الحوت' أو القفز فوق السمكة، وهو من الطقوس الغنية بالرمزية".

وتوضح أن هذا الطقس، الذي أصبح يُقام اليوم في ليلة الزفاف في صفاقس، كان في السابق يُنفّذ بعد مرور أسبوع على الزفاف، إذ تجتمع عائلات العرسان، وتتكون حلقة من النسوة حول طبق فيه سمكة من أجود الأنواع، وغالبًا ما تكون بوري أو مناني، من الحجم الكبير، تكفي لإطعام مجموعة من الناس. تُغطّى السمكة بالأزهار، وعلى العروس أن تقفز فوقها سبع مرات. حين تتخطى السمكة إلى الجهة المقابلة، تعلو الزغاريد والتصفيق والدعوات بالرفاه والبنين والسعد".

وأوضحت الباحثة أن هذه الممارسة لا تفهم من منطلق فولكلوري فقط، بل من منطلق أنثروبولوجي إذ تقول: "هذا الطقس التقليدي حين ندرسه من الناحية الأنثروبولوجية، نجد أن اختيار السمك دونًا عن اللحم مثلًا، يفسَّر بالثقافة المتوسطية، التي يرمز فيها السمك إلى الخصوبة والثراء والتواصل. هو كائن يُرافق العروس في عبورها من مرحلة إلى أخرى، ويمنحها البركة والوفرة، كما يُطرد به العين الشريرة ويجلب الخير وإنجاب الأطفال".

تُشير القلال إلى أن الطقس لم يتوقف، بل تحوّل. تقول: "اليوم، يتم هذا الطقس في ليلة الزواج، ويقوم به الزوج والزوجة معًا، عكس السابق إذ كانت المرأة فقط من تقفز على السمكة. كما أصبح مرافقًا بأغنية 'نقّز على الحوت يا عروسة'، وهو ما يُظهر تواصل العادات، وفي الوقت نفسه قيام المجتمعات بتحويل الاحتفالات وفق رغباتها وتطورات العصر".

وترى الباحثة أن هذا التغيّر يعكس أيضًا تطورًا اجتماعيًا: "في السابق، لم يكن الطقس أمام الجميع، وربما لأن المجتمع كان أكثر انغلاقًا، وكانت النساء والرجال منفصلين في الاحتفالات. اليوم تغيّر الأمر، ومع هذا التحول ظهرت الأغنية الشعبية الجديدة "نقز على الحوت يا عروسة" التي تواكب الطقس نفسه".

الجلوة الصفاقسية.. "من الحُجبة إلى التجلي"

إذا كان "التنقيز على الحوت" طقسًا مرتبطًا بالخصوبة والانتقال الرمزي، فإن الجلوة تمثل لحظة الظهور، وذروة التحوّل من "الخفاء" إلى "الاحتفاء"، تشرح سهام القلال: "الجلوة تأتي اصطلاحًا من 'التجلي'. إذ تمر العروس من فترة 'الحُجبة'، أي الفترة التي تختفي فيها عن الأنظار، وبعدها يكون التجلي أو الظهور".

صورة عروس من صفاقس ليلة النزول (فاطمة الزهراء)
صورة عروس من صفاقس ليلة النزول (فاطمة الزهراء)

وتضيف:" ترتدي العروس أكثر ما يمكن من الحلي، وتبدو بأحلى حلة. هذا اليوم يكون بعد الاحتفال بالحمام والوصف والحنة، ويُعرف بـ'النزول' في صفاقس".

باحثة في التراث لـ"الترا تونس": ترتدي العروس أكثر ما يمكن من الحلي، وتبدو بأحلى حلة. هذا اليوم يكون بعد الاحتفال بالحمام والوصف والحنة، ويُعرف في صفاقس بـ'النزول'

وتتابع القلال: "ترتدي العروس الكثير من الحلي: التكليلة، الشاطح، العصابة وغيرهم لأن رمزية الحفل تتمثل في تحولها من مرحلة الحُجبة إلى التجلي، ويتم الكشف عن وجهها وسط أجواء احتفالية وزغاريد إذ تصعد العروس على منصة من ناحية الباب القبلي، في رمزية اتجاه الكعبة، مما يجعل الحركة ذات بعد طقوسي".

أما عن اللباس، فتقول: "ترتدي العروس سبع جبات (جمع جُبّة). في كل مرة تدخل لغرفتها وتنزع جبة، حتى تبقى في الأخير بـ'الخلعة المطروزة' وحينها، تقوم السيدة التي تتولى تجليتها بنزع 'الطلسة'، الغطاء الذي يخفي وجهها".

كان هذا الطقس يُعاد لاحقًا في منزل الزوج، لكنه اليوم يُقام فقط في منزل العروس. وتضيف القلال: "ليلة الجلوة، تمرَّر الأوراق النقدية على جبين العروس، للتعبير عن غلاوتها ومعزّتها وقيمتها العالية لدى عائلتها، وأنها من عائلة مرموقة اجتماعيًا".

قفزت على السمكة سبع مرات و"التنقيز على الحوت" يجلب البركة (فاطمة الطرابلسي)

 فاطمة الزهراء: "عرسي كان احتفالًا بالهوية... ولم أتنازل عن أي عادة"

أما الشابة فاطمة الزهراء، فقد حرصت في "فرحة عمرها" أن تستعيد كل مراحل العرس الصفاقسي، بدءًا من "نهار الحمام"، مرورًا بـ"الوصف"، وصولًا إلى يوم "النزول"، حيث قامت بتأدية طقس الجلوة وقامت أيضا بطقس قفزة الحوت رفقة زوجها يوم الزفاف.

"قفزت على السمكة سبع مرات، تمامًا كما فعلت أغلب نساء صفاقس ذلك من قبلي و"التنقيز على الحوت" يجلب الخير، البركة، والسعد، وييسّر الإنجاب لذلك فإننا نُقدّر هذا الطقس كثيرًا".

وتضيف بحماس: "ليست قفزة الحوت وحدها التي نتمسك بها، هناك عادة أخرى نتمسك بها كثيرًا، وهي أننا حين نفرش بيت الزوجية لأول مرة، نُجلس أطفال العائلة فوق سرير العروسين، لأننا نؤمن أن ذلك يساعد على إنجاب الكثير من الأطفال".

وتختم شهادتها بالقول: "كل مرحلة من مراحل العرس كانت لحظة أعيش فيها معاني الانتماء لمدينتي صفاقس ومواصلة لتقاليدها وعاداتها الراسخة".

سلمى الطرابلسي: "من هواية إلى مهنة.. هكذا أصبحت أُحيي أعراس صفاقس على طريقتنا"

من جانبها، تروي سلمى الطرابلسي، وهي سيدة مختصة في توصيف العرائس وتجلية النساء، تجربتها الممتدة منذ أن كانت في سن 17 سنة، معتبرةً أن عملها ليس مجرد مهنة، بل رسالة في حفظ الذاكرة ونقلها.

تقول: "منذ كنت صغيرة وأنا أشاهد النساء الأكبر مني كيف يلبّسون العروس، كيف يغنين، كيف ينظمن حلقات الجلوة، تعلمت جميع المراحل بدافع الفضول، لكن اليوم أصبح عملي مصدر رزقي وهويتي".

توضح سلمى أن عملها يرتكز على مراحل دقيقة، تبدأ بتلبيس العروس "الجلوة"، وتوجيهها في أداء الحركات المرافقة للطقس، ثم تنسيق الفتيات العازبات اللواتي يحملن الشموع ويدُرن حولها، وهو طقس محمّل برغبة دفينة في جلب السعد والزواج، وفق تعبيرها.

وكشفت الطرابلسي لـ"الترا تونس": "علمت ابنتي الآن هذه العادات رغم صغر سنها، لأنني أؤمن بأن على الجيل الجديد أن يحفظ هذه التفاصيل. لم أدرس التراث ولا أعرف جميع معانيه، لكنني عشتُه بكل حواسي، وأشعر بمسؤولية نقله كما هو".

سيدة مختصة في توصيف النساء لـ"الترا تونس": علمت ابنتي الآن هذه العادات رغم صغر سنها، لأنني أؤمن بأن على الجيل الجديد أن يحفظ هذه التفاصيل. لم أدرس التراث ولا أعرف جميع معانيه، لكنني عشتُه بكل حواسي

تقول أيضًا: "الأغاني التي نرددها أثناء الطقس، مثل 'نقز على الحوت يا عروسة'، تحمل طاقة الفرح والحيوية، وهي جزء لا يتجزأ من الاحتفال".

فاطمة الزهراء.. فرحة العمر بحلة صفاقسية أصيلة

أما الشابة فاطمة الزهراء، فقد حرصت في "فرحة عمرها" أن تستعيد كل مراحل العرس الصفاقسي، بدءًا من "نهار الحمام"، مرورًا بـ"الوصف"، وصولًا إلى يوم "النزول"، حيث قامت بتأدية طقس الجلوة وقامت أيضًا بطقس قفزة الحوت رفقة زوجها يوم الزفاف.

تقول فاطمة: "قفزت على السمكة سبع مرات، تمامًا كما فعلت أغلب نساء صفاقس ذلك من قبلي. 'التنقيز على الحوت' يجلب الخير، البركة، والسعد، وييسّر الإنجاب لذلك فإننا نُقدّر هذا الطقس كثيرًا".

وتضيف بحماس: "ليست قفزة الحوت وحدها التي نتمسك بها، هناك عادة أخرى نتمسك بها كثيرًا، وهي أننا حين نفرش بيت الزوجية لأول مرة، نُجلس أطفال العائلة فوق سرير العروسين، لأننا نؤمن أن ذلك يساعد على إنجاب الكثير من الأطفال".

وتختم شهادتها بالقول: "كل مرحلة من مراحل العرس كانت لحظة أعيش فيها معاني الانتماء لمدينتي صفاقس ومواصلة لتقاليدها وعاداتها الراسخة".

تتفق جميع الشهادات على أن المجتمع الصفاقسي محافظ على عاداته وتقاليده، رغم ما شهدته سنوات التسعينيات من ابتعاد عن بعضها. اليوم، عاد الشباب بقوة للتمسك بهذه العادات، وفق ما ذكرت الباحثة سهام القلال.

وتقول القلال: "الشباب اليوم يحتفلون بهذه الطقوس، لكن أحيانًا بدون فهم لمعانيها الرمزية لكن مهما تغيّر الزمن، ستبقى هذه الطقوس جزءًا لا يتجزأ من هوية صفاقس".

الكلمات المفتاحية

قصر صقانس المنستير متحف الحبيب بورقيبة

قصر صقانس بالمنستير.. ذاكرة التحديث في تونس البورقيبية

قصر صقانس بالمنستير جاء تشييده في سياق الرؤية التحديثيّة التي كانت تسكن العقل السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة، وقد صرّح بذلك في أكثر من مكان. وقد حازت مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم النصيب الأوفر من إنجازات المهندس المعماري "كاكوب".


ميراث الفضّة.. ذاكرة تُورَّث من الجدّات إلى البنات

ميراث الفضة في تونس.. ذاكرة تُورَّث من الجدّات إلى البنات

في مجتمعات عديدة، ارتبطت الفِضّة بالحماية والبركة والرزق. كما كانت تُلبس لدرء العين والحسد، وتُرافق المرأة لتمنحها شعورًا بالأمان والاستقلال. وفي أزمنة الشدّة والحاجة، كان يُباع بعضها فقط لفك ذائقة مالية، لأنّ التخلي الكامل عنها يُشبه التفريط في الذاكرة


قرية سيدي مدين.. ذاكرة جبل زغوان

قرية سيدي مدين.. ذاكرة جبل زغوان

رحل سيدى مدين فأقام له أهله الباقون في المكان زاوية للذكرى أسفل الربوة والمسجد، بينهما خطوات معدودات، هي زاوية بهندسة معمارية بسيطة، مفتوحة للعموم، تعلوها قبة صغيرة تحولت إلى علامة تجمع المقدس بالثقافي، أرادوها عبرة للعابرين وقاصدي هذه القرية العلية المعلقة في أعالي جبال زغوان


الإعلام تونس تلفاز Pexels

تونسيون لا يشاهدون كرة القدم

شاب ثلاثيني لـ"الترا تونس": الرياضات الجماعية بما فيها كرة القدم تمّ السطو عليها من قبل مؤسسات الإشهار العابرة للقارات وإفراغها من محتواها القيمي والترفيهي والتثقيفي وتدويرها في مسالك المال والأعمال من خلال سلعنتها والاتجار بها وبيعها

طقس تونس.. الحرارة في استقرار نسبي مع أمطار متفرقة وسحب عابرة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مرفوقة بأمطار وانخفاض في الحرارة

معهد الرصد الجوي: تتراوح درجات الحرارة القصوى بين 12 و17 درجة بالشمال والمرتفعات

 غلق الروضة التي وقع فيها الإعتداء الجنسي على طفل
مجتمع

اعتداء جنسي على طفل في روضة.. نائبة بالبرلمان تؤكد غلقها

أفادت عضو مجلس نواب الشعب سيرين مرابط، في تدوينة نشرتها يوم الجمعة 13 فيفري 2026 على صفحتها بفيسبوك، أن "وزيرة الأسرة قررت غلق الروضة التي جدّت بها شبهة اعتداء جنسي على طفل"، داعية إلى "فتح تحقيق جدي وتحميل المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تورطه"


عبد الحميد الجلاصي (1).jpg
سیاسة

عبد الحميد الجلاصي من سجنه: هذه المنظومة أعادتنا إلى حضيرة التخلّف العربي

وجّه عبد الحميد الجلاصي رسالة من سجنه بالمرناقية إلى الرأي العام تحت عنوان "هل نحوّل المحنة إلى منحة؟"، يوم الجمعة 13 فيفري 2026 عبّر فيها عن اشتياقه العميق للحوار والنقاش مع زملائه وشركائه، مشيرًا إلى "أنّه أمضى ثلاث سنوات في السجن، أي ثلاثة أضعاف المدة التي قضّاها في سجون بورقيبة، وهو ما يعمّق شعوره بالقهر رغم إدراكه أنّ الوضع كان دائمًا كما هو في عهد بورقيبة"

احتجاجات المحامين.. دعوة لحوار عاجل ورفض للتضييقات التي تمسّ سير العدالة
سیاسة

احتجاج هيئة المحامين.. دعوة لحوار عاجل ورفض "للتضييقات التي تمسّ سير العدالة"

نفّذت هيئة المحامين بتونس، يوم الجمعة 13 فيفري 2026، وقفة احتجاجية أمام قصر العدالة بتونس العاصمة، وذلك على خلفية جملة من المطالب المهنية المتصلة بوضع مرفق العدالة وظروف التقاضي

الأكثر قراءة

1
مجتمع

غرفة القصابين: سعر لحم الضأن قد يتجاوز 70 دينارًا خلال رمضان


2
مجتمع

منظمة: انتشار متزايد لمظاهر العنف في تونس منذ بداية 2026


3
مجتمع

اعتداء جنسي على طفل في روضة.. ملاحقة المشتبه بهم وغضب واسع في تونس


4
مجتمع

زيادة بنحو 23%.. تصاعد نسق الاحتجاجات في تونس خلال جانفي 2026


5
میدیا

نقابة الصحفيين: ندين ضرب حق الصحفيين والمصورين في العمل داخل المحاكم