ultracheck
اقتصاد

من البذرة إلى المديونية.. دائرة "تبعية مغلقة" لقطاع الحبوب في تونس

16 مايو 2026
قمح حبوب بلعيد.jpg
منظمة "آلارت": الفلاح التونسي لم يعد يتحكّم في بذرته، ولم يعد يتحكّم في مستلزماته.. (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب/Getty)
فريق التحرير
فريق التحرير

اعتبرت منظمة "آلارت" أن قطاع الحبوب في تونس يعاني من دائرة تبعية مغلقة، وبيّنت أن ما أطلقته وزارة الفلاحة التونسية من تصريح يزعم أن "كل البذور المعتمدة في زراعة الحبوب في تونس منتجة محليًّا"، يحمل بين طياته "خلطًا متعمَّدًا بين المفاهيم".

  • تونس فقدت خلال 50 عامًا نحو 95% من التراث البذري

وقالت منظمة آلارت في بيان لها، الجمعة 15 ماي/أيار 2026، -وهي جمعية لمكافحة اقتصاد الريع في تونس، ومنظمة مدنية تونسية تأسست بهدف تفكيك ومحاربة الأنظمة الاحتكارية والاقتصاد الريعي- إن "النظام القائم اليوم يتحرّك على جبهتين في آنٍ واحد. بيدٍ يُحكم قبضته على أصوات المجتمع المدني، فيُجمّد الهياكل والمنظمات التي تضطلع بمهمة تنوير الرأي العام وكشف إخفاقات السياسات العامة، ساعيًا إلى إسكات كل صوت رشيد يجرؤ على المساءلة. وبيدٍ أخرى، يُغرق وسائل الإعلام التي يحتكرها في موجة متواصلة من المعلومات المضلِّلة والتصريحات الموهِمة، في محاولةٍ لتزوير الواقع وصرف الأنظار عن الحقائق".

وبينت أن "آخر فصول هذا التضليل ما أطلقته وزارة الفلاحة من تصريح يزعم أن "كل البذور المعتمدة في زراعة الحبوب في تونس منتجة محليًّا""، معتبرة أن "هذا التصريح تضمن خلطًا متعمَّدًا بين المفاهيم".

منظمة "آلارت": تونس فقدت خلال 50 عامًا نحو 95% من التراث البذري، ولم يبقَ من الإرث الجيني الزراعي لتونس سوى 5%.. واستيراد البذرة لا يعني استيراد الحبّة وحدها، بل يعني أيضًا استيراد أسمدة مخصوصة، ومبيدات محددة

​وأوضحت آلارت أن البذور "المُنتَجة محليًّا" لا يعني أنها "تونسية المنشأ"، مشيرة إلى أنه "ثمة فرق جوهري يتعمّد التصريح الوزاري تجاهله. فالبذرة المستوردة من إيطاليا أو فرنسا، والتي تضاعَفت على الأراضي التونسية لثلاث سنوات، تبقى بذرةً أجنبية الجينات، وإن وُلدت في حقل تونسي. القول إنها "محلية الإنتاج" هو كالقول بأن السيارات المركبة في تونس هي سيارات تونسية الصنع. المكان الذي تُضاعَف فيه البذرة لا يُغيّر تركيبتها الوراثية ولا أصلها ولا التبعية التقنية التي تفرضها".

واعتبرت آلارت أن "الأرقام تكذب الخطاب الرسمي، إذ إنه من بين 2 مليون قنطار من البذور التي يستخدمها مزارعو الحبوب في تونس سنويًّا، نجد أن حوالي 85% أي ما يعادل 1.7 مليون قنطار هي بذور فلاحية (بذور الموسم السابق يُعيد الفلاح زرعها دون شهادة اعتماد أو رقابة)، بينما لا تتجاوز نسبة البذور المعتمدة رسميًّا 15% أي نحو 300 ألف قنطار فقط".

اقرأ/ي أيضًا: دراسة: أوجه قصور عدة لسياسة الأمن الغذائي في قطاع الحبوب في تونس

ولفتت المنظمة أن "الأخطر هو أن جزءًا متناميًا من هذه الـ 15% المعتمدة مصدره أصناف أوروبية، تستورد شركات خاصة بذورها الأمّ بموجب إعفاءات جمركية ممنوحة من الدولة"، وفقها.

وأشارت آلارت إلى أن تونس فقدت خلال 50 عامًا نحو 95% من التراث البذري، وقالت إن "الأرقام وحدها تروي الحكاية كاملة. ففي عام 1975 كانت 65% من البذور المستخدمة في تونس تونسية الأصل. انهارت هذه النسبة إلى 25% في عام 2004. أما اليوم، فلم يبقَ من الإرث الجيني الزراعي لتونس سوى 5%. هذا ما تبقّى بعد عقود من السياسات التي مهّدت الطريق، تدريجيًّا وبصمت، لهيمنة خارجية شاملة على قلب المنظومة الغذائية في تونس".

  • مجموعات تتحكّم في سوق البذور المعتمدة وتتمتع بامتيازات

وقالت آلارت إن أربع مجموعات تتحكّم في سوق البذور المعتمدة، لافتة إلى أن "هذه المجموعات الأربع تحظى بمنظومة متكاملة من الامتيازات. فهي تستفيد من إعفاءات جمركية على وارداتها من البذور الأمّ، ومن ضمانات ديوان الحبوب التي تُتيح لها الوصول إلى التمويل البنكي، فضلًا عن دعم عمومي مُمتدّ منذ عام 2020 بات يشمل أصنافها الأجنبية. أي أن المال العام يُموّل توطين بذور لا تعود ملكيتها إلى الدولة ولا إلى الفلاح".

 منظمة "آلارت": الفلاح التونسي لم يعد يتحكّم في بذرته، ولم يعد يتحكّم في مستلزماته.. والسيادة الغذائية الحقيقية تعني أن يملك الفلاح بذرته، وأن يملك الشعب كلمته في من يتحكم بزراعته. وما يُروَّج له اليوم ليس سيادةً، بل هو تضليلٌ مُغلَّفٌ بخطاب السيادة

وأوضحت منظمة آلارت أن "استيراد البذرة لا يعني استيراد الحبّة وحدها، بل يعني استيراد كامل المسار التقني المرتبط بها من أسمدة مخصوصة، ومبيدات محددة، وتقنيات بعينها لا تُجدي معها بذرة أخرى. والحلقة المغلقة هي أن هذه المستلزمات تبيعها الشركات ذاتها التي تبيع البذرة".

  • دائرة تبعية مغلقة

وفي دلالات هذه المعطيات، قالت المنظمة إن ذلك يعني أن الفلاح التونسي لم يعد يتحكّم في بذرته، ولم يعد يتحكّم في مستلزماته، ويشتري بالدَّين من خواصٍّ مدعومين من المال العام. وحين يسوء الحصاد، يتحمّل ديوان الحبوب الصدمة، أي يعود العبء مجدّدًا على المال العام وعلى كاهل المواطن".

وشدّدت آلارت على أن "​السيادة الغذائية لا تُختزَل في معرفة أين أنبتت الحبة"، مؤكدة أن "السيادة الغذائية الحقيقية تعني أن يملك الفلاح بذرته، وأن يملك الشعب كلمته في من يتحكم بزراعته. وما يُروَّج له اليوم ليس سيادةً، بل هو تضليلٌ مُغلَّفٌ بخطاب السيادة"، وفقها.

 وتشير توقعات وزارة الفلاحة لموسم الحبوب 2025-2026 إلى أن تفوق تقديرات الإنتاج الأولية لهذا الموسم تقديرات الموسم الفارط، وتتجاوز حد 20 مليون قنطار.

ولفتت مديرة الزراعات الكبرى بالإدارة العامة للإنتاج الفلاحي رابعة بن صالح، إلى أن المساحات المزروعة بالحبوب بلغت حوالي 971 ألف هكتار، أي ما يمثل 87 بالمائة من البرنامج المرسوم مع تركز أغلبها في ولايات الشمال بنحو 834 ألف هكتار، مقابل 137 ألف هكتار في الوسط والجنوب.

وتتوزع هذه المساحات بين القمح الصلب (533 ألف هكتار) والشعير (400 ألف هكتار) والقمح اللين (49 ألف هكتار)، بالإضافة إلى التريتيكال (9 آلاف هكتار).

وسبق أن أكد مدير المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس منذر بن سالم، أن 80% من البذور الممتازة المسوقة في تونس خلال موسم 2025/2026، هي من الأصناف المستنبطة من قبل المعهد الوطني للبحوث الزراعية، وشدّد على أن البذور المعتمدة في زراعة الحبوب في تونس كلها منتجة محليًا ولا وجود لتوريد بذور الحبوب في تونس.

وخلصت دراسة أعدها المرصد التونسي للاقتصاد بالشراكة مع جمعية "نوماد 08" تحت عنوان "أوجه القصور في سياسة الأمن الغذائي في قطاع الحبوب"، إلى تعدّد العوائق التي تحول دون تطوّر قطاع الحبوب على الصعيد الوطني في تونس، وكشفت الدراسة ذاتها في مارس/آذار 2025 أن "اللجوء إلی الاستيراد كان بمثابة بدیل تم اختیاره لتعویض النقص في إنتاج الحبوب على الصعيد الوطني"، مشيرة إلى أنه "خلال الفترة 2008-2018، مثّل القمح اللين القسط الأكبر من واردات الحبوب بنسبة 71 بالمائة سنة 2009، و50 بالمائة سنة 2017 من مجموع كمية الحبوب المستوردة".

الكلمات المفتاحية

ميناء وسيم الجديدي Getty  SOPA Images LightRocket

العجز التجاري لتونس يقفز إلى 12.6 مليار دينار والطاقة تستحوذ على أكثر من نصفه

معهد الإحصاء: ارتفع العجز التجاري لقطاع الطاقة ليصل إلى 6779.3 مليون دينار خلال السداسي الأول من سنة 2026، مقابل 5214.8 مليون دينار، خلال الفترة نفسها من السنة الفارطة


الإدارة العامة للأداءات

الإدارة العامة للأداءات: ندعو لتوخّي الحذر إثر انتحال صفة أعوان بالإدارة

الإدارة العامة للأداءات: تعمّد بعض الأشخاص انتحال صفة أعوان بالإدارة العامة للأداءات واتّصالهم هاتفيًا ببعض المؤسّسات قصد جمع تبرّعات لفائدة بعض الأعوان أو الجمعيات أو التعاونية


الدولار أفب.jpg

تونس تبرم اتفاق قرض من صندوق النقد العربي بقيمة 312 مليون دولار

يأتي هذا القرض في ظل استمرار الضغوط التي يواجهها الاقتصاد التونسي، لا سيما على مستوى تمويل الميزانية وميزان المدفوعات، وسعي السلطات إلى تعبئة تمويلات خارجية..


أموال نقود تونس istockphoto

زيادة تفوق 15% في حجم إصدار الأوراق النقدية الجديدة في تونس سنة 2025

يبرز تحليل تدفقات السحب هيمنة الأوراق النقدية من فئة 10 دنانير (43.1%)، تليها فئة 20 دينار (39.9%). وفي المقابل، هيمنت الأوراق النقدية من فئة 20 دينارًا (45.4%) على تدفقات الإيداع

حمة الهمامي
سیاسة

تهديدات بالقتل تطال حمة الهمامي وآخرين.. استنكار واسع لتصاعد خطاب الكراهية في تونس

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: مقاومة خطاب الكراهية والتحريض على العنف ليست خيارًا سياسيًا، بل هي واجب قانوني وأخلاقي، وأن التساهل مع هذه الممارسات يمثل تهديدًا مباشرًا للديمقراطية وللحق في الحياة

الهجرة غير النظامية فتحي بلعيد أ.ف.ب  Getty
سیاسة

منظمات: مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي أجّجت انتهاكات حقوقية جسيمة في تونس

قالت 47 منظمة حقوقية وإنسانية، في بيان مشترك صدر اليوم، الخميس 16 جويلية/يوليو 2026، إن "على الاتحاد الأوروبي ..


طقس تونس pexels
منوعات

طقس تونس.. أجواء حارة وبحر قليل الاضطراب

أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأن طقس تونس يوم الخميس 16 جويلية/يونيو 2026، سيكون..

منجي مرزوق.jpg
مجتمع

كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟

منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء

الأكثر قراءة

1
سیاسة

فوزي بن عبد الرحمان: منظومة حكم سعيّد بقتلها السياسة حكمت على نفسها بالعزلة التامة


2
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


3
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


4
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


5
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟