ultracheck
مجتمع

من الانتحار إلى الهجرة في قوارب الموت.. كيف أثّر اليأس في شباب تونس؟

28 يناير 2025
الانتحار الهجيرة غير النظامية.jpg
انتشار حالة اليأس تسبب في حالة من الهشاشة النفسية في صفوف الشباب ما يدفع البعض منهم للهجرة غير النظامية فيما ينتهي المطاف بآخرين إلى وضع حد لحياتهم
زينة البكري
زينة البكري صحفية من تونس


لا تزال بسمة تتذكر جيدًا كيف هدّدها ابنها ذو العشرين ربيعًا بالانتحار إذا لم تسمح له بالمشاركة في عملية هجرة غير نظامية نحو إيطاليا، لكنها "وافقت لاحقًا خوفًا عليه"، تقول في حديثها مع "الترا تونس".

ووفق بسمة (اسم مستعار)، أصيلة ولاية المنستير، فإنها وقفت عاجزةً أمام إصرار ابنها على مغادرة البلاد في "حرقة" أو الانتحار حرقًا، بعد معاناة طويلة من البطالة والتشغيل الهشّ جعلته يعاني من أزمة نفسية أثرت كثيرًا على حياته وعلاقته بعائلته وأصدقائه.

يرى مختصون أنّ جزءًا من شباب تونس يفكر في الهجرة إما بطريقة نظامية أو غير نظامية، فيما ينتهي المطاف بآخرين إلى اللجوء للانتحار، جرّاء تفشّي اليأس في صفوفهم

وتؤكد محدثة "الترا تونس" أنّ ابنها الذي غادر مقاعد الدراسة في سنّ مبكرة وجد نفسه إما معطلاً عن العمل لأشهر طويلة أو يعمل في مصانع النسيج أو في البناء بأجرٍ زهيد مقابل ساعات عمل طويلة وشاقة، وهو ما دفعه كغيره من آلاف الشباب في تونس إلى التفكير في الهجرة بطريقة غير نظامية قد ينجو فيها وقد لا ينجو.

 

صورة
آلاف الشباب اختاروا الهجرة غير النظامية على الرغم من معرفتهم بأنّ حياتهم في خطر وأنهم قد لا يصلون لوجهتهم

 

وبحسب بسمة، فقد وصل ابنها بداية سنة 2023 إلى الأراضي الإيطالية في رحلة محفوفة بالمخاطر، وهو بعمل حاليًا في الأراضي الزراعية ويسعى لتسوية وضعيته والاستقرار في إيطاليا إن نجا من الترحيل القسري.

والدة مهاجر غير نظامي لـ"الترا تونس": وقفتُ عاجزةً أمام إصرار ابني على مغادرة البلاد في "حرقة" أو الانتحار حرقًا بعد معاناة طويلة من البطالة والتشغيل الهشّ جعلته يعاني من أزمة نفسية أثرت كثيرًا على حياته

لم تنسَ بسمة كيف رأت اليأس والإحباط يسيطران على حياة ابنها الذي انتقل من مصنع لآخر هربًا من الاستغلال الاقتصادي وعانى من البطالة في كثير من الأحيان، قبل أن يقرر الهروب نهائيًا من البلاد وعيش حياته كمهاجر غير نظامي بحثًا عن "مستقبل أفضل" لينجو على الأقل من فكرة الانتحار التي سيطرت على تفكيره، وفقها. 

 

  • الانتحار والهجرة.. آفتان تهددان شباب تونس

أظهر تقرير حديث أصدره المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في 10 جانفي/يناير 2025، أنّ 40% من حالات الانتحار التي تم تسجيلها في الربع الأخير من سنة 2024 كانت من الشباب، في حين مثل الكهول النصف إضافة إلى رصد حالة انتحار لطفل.  

وأكد التقرير، الذي اطلع "الترا تونس" على نسخة منه، أنه تم تسجيل 22 بين حالة ومحاولة انتحار، تضمنت 17 رجلاً و5 نساء، وأنّ 14 محاولة انتحار انتهت بوفاة المنتحر في حن تم إنقاذ البقية. 

وفق إحصائيات منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية  40% من حالات الانتحار التي تم تسجيلها في الربع الأخير من سنة 2024 كانت في صفوف الشباب 

كما أظهر تقرير سابق صادر عن المرصد في جويلية/ يوليو 2024، تسجيل 75 حالة انتحار ومحاولة انتحار خلال الأشهر الستّ الأولى من سنة 2024، شملت 60 رجلاً و15 امرأة. 

ووفق ذات التقرير، فإنّ 47% من حالات الانتحار ومحاولات الانتحار كانت من الشباب بينما بلغت نسبة فئة الأطفال 18%، أما في 2023، فقد تم تسجيل 143 حالة انتحار ومحاولة انتحار نتج عنها 95 حالة وفاة، منها 32.65% في صفوف الشباب.

وإلى جانب الانتحار، اختار آلاف الشباب الهروب الجماعي في "قوارب الموت" نحو البلدان الأوروبية بحثًا عن حياة أفضل، فقد كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في إحصائيات حديثة وصول 7677 مهاجرًا تونسيًا بطريقة غير نظامية إلى إيطاليا سنة 2024، منهم 61% رجال و17% قصّر دون مرافقة، في حين يشير خبراء إلى أنّ النسبة الكبيرة من الواصلين هم من فئة الشباب.

يختار آلاف الشباب الهروب الجماعي في "قوارب الموت" نحو البلدان الأوروبية بحثًا عن حياة أفضل ووفق أرقام منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فقد وصل  7677 مهاجرًا تونسيًا بطريقة غير نظامية إلى إيطاليا سنة 2024

ويرى مختصون أنّ جزءًا من شباب تونس يفكر في الهجرة إما بطريقة نظامية أو غير نظامية، فيما ينتهي المطاف بآخرين إلى اللجوء للانتحار،  جرّاء تفشّي اليأس في صفوفهم وتأثرهم بالخطاب الرسمي السلبي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع نسبة البطالة في تونس إلى 16% ونسبة نمو في حدود 1.6%، بحسب إحصائيات رسمية صادرة على المعهد الوطني للإحصاء.

 

صورة
انتشار حالة اليأس في ظل انسداد الأفق يتسبب في حالة من الهشاشة النفسية في صفوف الشباب

 

  • مختص في علم النفس: هناك أزمة نفسية واجتماعية 

يؤكد المختص في علم النفس عبد الباسط الفقيه أنّ ارتفاع نسب الانتحار في صفوف الشباب في تونس وارتفاع عدد المهاجرين إما بطريقة نظامية أو غير نظامية، يشيران إلى وجود أزمة نفسية واجتماعية وجبت معالجتها. 

مختص في علم النفس لـ"الترا تونس": شباب تونس يمرون بفترة "رمادية" تتّسم بتراجع منسوب الأمل وفقدان الثقة في مستقبل أفضل، إضافة إلى اقتناعهم بعدم إيجاد حلول عاجلة للمشاكل التي تواجههم

وأضاف الفقيه، في حديثه مع "الترا تونس"، أنّ شباب تونس يمرون بفترة "رمادية" تتّسم بتراجع منسوب الأمل وفقدان الثقة في مستقبل أفضل، إضافة إلى اقتناعهم بعدم إيجاد حلول عاجلة للمشاكل التي تواجههم، حسب تقديره.

وربط الفقيه تفشي اليأس في صفوف الشباب في تونس بالخطاب الرسمي السائد الذي يرى أنه لا يقدم أي حلول ولا يحمل أي رسائل أمل، مؤكدًا أنّ مع كل انتخابات جديدة أو تغيير على مستوى قادة الدول الأوروبية مثلاً فإنّهم يسعون إلى بث الأمل ورفع معنويات الرأي العام الذي يحتاج دائمًا إلى الدفع الجديد. 

وأكد أنّ بثّ الأمل يؤدي إلى الرفع في المستوى المعنوي لدى الأفراد ويجعلهم يعيشون حالة من الأمل الجديد، مؤكدًا أن شباب في تونس في حاجة إلى دفع جديد وإلى خطاب رسمي يحمل رسائل إيجابية، وفق تصوّره.

مختص في علم النفس لـ"الترا تونس": الحديث المتكرر عن الأزمات من قبل قادة الرأي يعطي انطباعًا بغياب الحلول وانسداد الأفق وهو ما يدفع الكثير من الشباب إلى التفكير في "الحرقة" في حين يفكر آخرون في الانتحار هربًا من اليأس والضغوط النفسية

 وأشار إلى أنّ الحديث المتكرر عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من قبل قادة الرأي يعطي انطباعًا بغياب الحلول وانسداد الأفق وهو ما يدفع آلاف الشباب إلى التفكير في "الحرقة" على سبيل المثال في حين يختار آخرون التفكير في الانتحار، هربًا من الإحساس باليأس والضغوط النفسية التي يعانون منها.

وفي هذا الصدد، دعا محدث "الترا تونس" إلى ضرورة إعادة بثّ الأمل في البرامج التربوية والبرامج الإذاعية والتلفزية لحماية الفئات التي تعاني من الهشاشة النفسية، وتقديم الدعم النفسي لهم لتجاوز الأزمات التي يعانون منها والتي تدفعهم إما للانتحار أو الفرار نحو الدول الأوروبية بطريقة فيها مجازفة وتشكل خطرًا على حياتهم.

ويرى الفقيه أنّ سيطرة اليأس على الروح الجماعية تنتج عنه مشاكل كبيرة، داعيًا الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم لحماية الشباب من الموت غرقًا أو حرقًا وإعطائهم جرعات من الأمل. 

 

صورة
مختص في علم النفس: سيطرة اليأس على الروح الجماعية تنتج عنه مشاكل كبيرة 

 

  • مختص في علم الاجتماع: الناشئة في تونس ورثت اليأس 

ومن جانبه، يرى المختص في علم الاجتماع أحمد الأبيض أنّ المتأمّل في أرقام الهجرة المهولة للكفاءات التونسية وأيضًا الهجرة غير النظامية، يدرك أنّ هناك من يسعى لزرع حالة من اليأس في صفوف الشباب ويدفع بهم للهروب من البلاد، على حد تقديره.

مختص في علم الاجتماع لـ"الترا تونس": آلاف الشباب اختاروا الهجرة غير النظامية على الرغم من معرفتهم بأنّ حياتهم في خطر وأنهم قد لا يصلون إلى وجهتهم، ومع ذلك يغادرون بسبب الخوف من المستقبل وعدم الشعور بالأمان

وأضاف الأبيض، في حديثه مع 'الترا تونس"، أنّ الخطاب السائد في عدد من المؤسسات الإعلامية والتي يقتصر على ذكر المشاكل والتركيز على انسداد الآفاق وغياب الحلول ساهم في توريث اليأس والإحباط لدى الناشئة وعموم الناس. 

وأضاف محدثنا أنّ الركود الاقتصادي والاجتماعي الذي عانت منه تونس في السنوات الأخيرة إضافة إلى تسجيل نسب نمو ضعيفة، دفع الآلاف من الشباب إلى البحث عن أفق جديدة وحلول بديلة حتى وإن كانت غير واعدة.

 

مختص في علم الاجتماع لـ"الترا تونس": فئة من الشباب ينتهي بها المطاف باختيار الانتحار جرّاء معاناتها إما من الاضطرابات النفسية أو تأثرها بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية وفقدان مواطن الشغل

وأوضح أنّ هناك من يختار الهجرة والعيش في كندا مثلاً على الرغم من أنه لا يكسب الكثير من الأموال، لكنه في المقابل يرفض العودة إلى بلاده لأنه لا يرى أيّ آفاق أو بوادر انفراج.

صورة
يلجأ العديد من الشباب للهجرة بحثًا عن أفق جديدة وحلول بديلة حتى وإن كانت غير واعدة.

 

ولفت إلى أنّ آلاف الشباب في تونس اختاروا الهجرة غير النظامية على الرغم من معرفتهم بأنّ حياتهم في خطر وأنهم قد لا يصلون إلى وجهتهم المحددة، لكنهم رغم ذلك يغادرون بلادهم بسبب الخوف من المستقبل وعدم الشعور بالأمان.

مختص في علم الاجتماع لـ"الترا تونس": الحل يكمن في في توفير بيئة ملائمة للمستثمرين والتشجيع على الاستثمار مما قد يساهم في توفير مواطن شغل وفرص جديدة للشباب تنقذه من براثن اليأس والإحباط. 

وأوضح أنّ فئة أخرى من الشباب ينتهي بها المطاف باختيار الانتحار جرّاء معاناتها إما من الاضطرابات النفسية أو تأثرها بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية وفقدان مواطن الشغل، أو جراء تحمل مسؤوليات جسيمة تجاه أسرها. 

ويؤكد المختص التونسي أنّ الحل يكمن في ضرورة تغيير السياسة المالية للبلاد والتفكير في توفير بيئة ملائمة للمستثمرين والتشجيع على الاستثمار مما قد يساهم في توفير مواطن شغل وفرص جديدة للشباب تنقذه من براثن اليأس والإحباط. 


صورة

 

الكلمات المفتاحية

طلبة

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..


النزل الاصطياف تونس فتحي بلعيد أ ف ب Getty

ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر

تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..


المراحيض العمومية Getty

عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس

ما الذي يجعل كاتبًا أو صحفيًّا أو مدوّنًا يهتمّ بمشغل سفليّ بسيط في ظنّ الكثيرين لا يرقى عمقًا ودقّة وخطورة إلى القضايا السياسيّة والأمنيّة والفنيّة؟


النوفيام

بين الدراسة والرياضة.. قصة التوائم الثلاث المتفوقات في "النوفيام"

عاشت عائلة الشتيوي قصة نجاحٍ استثنائية توّجت بتفوق الشقيقات التوائم الثلاث في مناظرة ختم التعليم الأساسي العام دورة 2026 "النوفيام".. تعرّف عليها

منجي مرزوق.jpg
مجتمع

كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟

منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء

محمد بالحاج محمود
منوعات

محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي

أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..


طلبة
مجتمع

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..

هيثم المكي وإلياس الغربي بلعيد.jpg
میدیا

تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه

نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون

الأكثر قراءة

1
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


2
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


3
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


4
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟


5
مجتمع

انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء بتونس.. استياء كبير و"الستاغ" توضّح الأسباب