من استحضر العنصريّة فعليه أن يصرفها!
1 يونيو 2026
مقال رأي
شاعر يدعو إلى تسميم المهاجرات من دول إفريقيا جنوب الصّحراء وأبنائهنّ ونائب يستغرب وجود حالات اغتصاب لمهاجرات "بالرّغم من وجود تونسيّات جميلات" وصفحات على شبكات التّواصل الاجتماعيّ تُطالب بتصفية المهاجرين وتختلق سيناريوهات جرائم بشعة الضحايا فيها تونسيّون والجُناة مهاجرون. هذا ما تفتّقت به قريحة عدد من التّونسيّين - ولا تزال - بدوا واثقين من شرعيّة ما يدعون إليه وسلامته، من باب "الدّفاع عن سيادة البلاد" و"الحفاظ على نقاء السّلالة".
وأمام غياب - أو تغييب - القانون في بلد كان سبّاقًا - في منطقته، على الأقلّ - لإلغاء العبوديّة قبل 180 عامًا – نصًّا، على الأقلّ - وإصدار قانون سنة 2018 يُجرّم كافّة أشكال التّمييز العنصريّ والتّحريض على الكراهيّة والعنف، تواترت التّحذيرات من خطورة هذا السّلوك العِدائيّ المُجرّم في كلّ القوانين والأعراف.
من الصّعب تأريخ العنصريّة تُجاه السّود في تونس، سواء كانوا تُونسيّين أو أجانب. لكن، ما تعلّمناه من التّاريخ أنّ هذه الجريمة النّكراء ضاربة في القِدم، لا كَخُصوصّية تُونسيّة صِرفة، بل كسِياقٍ أعمّ، تتداخل فيه الجغرافيا السّياسيّة بالأنتروبولوجيّا، إلى جانب الأمّيّة والجهل
أشارت جبهة المساواة وحقوق النّساء، الأسبوع المنقضي، إلى أنّ "هذا الخطاب العنصريّ التّفوّقيّ يستند إلى منطق استعلاء عرقيّ وإنسانيّ يهدف إلى نزع الإنسانيّة عن فئات كاملة وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحياة والكرامة والحماية"، مُشدّدة على أنّه "لا يمكن تصنيف هذه الدّعوات كحرّيّة تعبير بل هي تحريض مباشر على القتل الجماعيّ".
وقبلها، كانت نقابة الصّحفيّين قد عبّرت عن قلقها إزاء "التّصاعد الخطير في خطابات الكراهيّة، خاصّة تجاه المهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصّحراء، سواء في عدد من وسائل الإعلام أو في منشورات صادرة عن بعض الصّحفيّين على شبكات التّواصل الاجتماعيّ"، داعية إلى "احترام الكرامة الإنسانيّة لكلّ الأفراد والامتناع عن نشر أو ترويج أيّ خطاب من شأنه أن يُغذّي الكراهيّة أو العنصريّة أو الصّور النّمطيّة".
لكن، لسائل أن يسأل: كيف وصلنا إلى هذا المستنقع؟ من الصّعب تأريخ العنصريّة تُجاه السّود في بلادنا، سواء كانوا تُونسيّين أو أجانب. لكن، ما تعلّمناه من صفحات التّاريخ المتناثرة هنا وهناك أنّ هذه الجريمة النّكراء ضاربة في القِدم، لا كَخُصوصّية تُونسيّة صِرفة، بل كسِياقٍ أعمّ، تتداخل فيه الجغرافيا السّياسيّة بالأنتروبولوجيّا، إلى جانب الأمّيّة والجهل، دون أن نُغفل التّدرّج في تطوير مُدوّنات حقوق الإنسان، الّذي ساهم، بطريقة أو بأخرى، في تخفيف وطأة العنصريّة واحتوى انتشارها.
ولئن ألغيت العبوديّة في تونس، عام 1846، فإنّ الكثير من مظاهرها ظلّت قائمةً، بما في ذلك عائلات تُحيل ألقابها إلى تاريخ استعبادها. وكان علينا انتظار خريف عام 2020 حتّى تُصدر الدّائرة الشّخصيّة بالمحكمة الابتدائيّة بمدنين، جنوب شرقيّ البلاد، حُكمًا جريئًا يُتيح لعائلة عتيق - وهو الوصم الّذي يُشير إلى أنّها سليلة عبيد اعتقوا بالفعل - تغيير لقبها. ولم يكن هذا الحكم ممكنًا دون ثورة 2010-2011، الّتي مثّلت منعرجًا تاريخيًّا لبلسمة هذا الجراح، وإن بوتيرة منخفضة. فبات من اليسير فتح ملفّات الماضي، كتعريف الباحثة، مها عبد الحميد، بقضيّة المهندس، سليم مرزوق، الّذي سعى إلى الحصول على منصب رسميّ يتوافق وتكوينه العلميّ، قبل أن يزجّ به نظام الرّئيس الرّاحل، الحبيب بورقيبة، في مستشفى الأمراض العقليّة لأكثر من ربع قرن، على خلفيّة نشاطه التوعويّ بقضيّة السّود في تونس.
لم تردّ السّلطات التونسيّة على الكثير من الأسئلة الملحّة لفهم ظاهرة الهجرة، منذ تأزّم الوضع في صفاقس، في صائفة 2023، من بينها سبب استمرار تدفّق المهاجرين وطريقة دخولهم للبلاد، وهي الّتي تدّعي أنّها حريصة على حفظ أمن البلاد
كما شهِدت البلاد، في ربيع عام 2014، أوّل تظاهرة لمناهضة العنصريّة، في الوقت الّذي سجّل فيه البرلمان انتخاب أعضاء سود.
إلّا أنّ ذلك الزّخم لم يُخف واقع العنصريّة. فمع فرار عشرات الآلاف من القتال في ليبيا، بداية عام 2011، لفتت المفوّضيّة السّامية للّاجئين إلى أنّ السّلطات التّونسيّة حالت دون دخول لاجئين من دول إفريقيا جنوب الصّحراء إلى أراضيها، ودفعت بهم إلى منطقة حدوديّة، في ظروف خطيرة. ومرّ هذا التّحذير مرور الكرام أمام التّعامل المثاليّ مع جنسيّات أخرى.
وجَدَّ التّطوّر الأخطر في فيفري/شباط 2023، حين صرّح الرّئيس، قيس سعيّد، بأنّ هناك "ترتيبًا إجراميًّا تمّ إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التّركيبة الدّيمغرافيّة لتونس"، مضيفًا أنّ "الهدف غير المعلن لهذه الموجات المتعاقبة من الهجرة غير النّظاميّة، اعتبار تونس دولة أفريقيّة فقط، ولا انتماء لها للأمّتين العربيّة والإسلاميّة". ودان الاتّحاد الأفريقيّ، حينها، تلك التّصريحات، إذ رأى أنّها "تتعارض مع روح منظّمتنا ومبادئنا التّأسيسيّة".
اقرأ/ي أيضًا: جربة زمن الشعبوية والهويات الطاردة
وكان من الصّادم أن يُرحّب إيريك زمّور، أحد رموز أقصى اليمين الفرنسيّ المناهض للمهاجرين، بتصريحات سعيّد. ومن المفارقات أنّ الرّئيس التّونسيّ، في دفاعه عن تصريحاته المشينة تلك، ذكّر بقانون 2018، موضحًا أنّه "يقع تتبّع كلّ اعتداء مادّيّ أو معنويّ على أيّ أجنبيّ مهما كانت وضعيّته القانونيّة"، والحال أنّ النّصّ بقي مجرّد حبر على ورق، بالرّغم من الكمّ الهائل من التّجاوزات الّتي تطال المهاجرين في تونس، قولًا وفعلًا.
وسعيّد يتبنّى، بتلك التّصريحات، "الاستبدال الكبير"، وهي نظريّة مؤامرة يمينيّة متشدّدة طوّرها الكاتب والنّاشط السّياسيّ الفرنسيّ، رونو كامو، في كتاب يحمل العنوان ذاته، أصدره عام 2011، متسلّحًا بمحتوى واسع على شبكات التّواصل الاجتماعيّ يُساهم بشكل مقلق في توتيرٍ شديدة الخطورة، إذ يقوم على تضخيم أعداد المهاجرين وتهويل دورهم في "استشراء الجريمة"، بل واختلاق أساطير عن عاداتهم وتقاليدهم.
وعرّضت هذه الدّعاية العنصريّة تونسيّين سودًا لمخاطر جمّة، بلغت حدّ الاعتداء الجسديّ، ناهيك عن إثارة الشّكوك بشأن انتمائهم بالفعل إلى تونس.
بالرّغم من مُضيّ السّلطات التّونسيّة قُدمًا في سياسة عِداء المهاجرين – ولو بتكريس الإفلات من العقاب من الخِطاب العُنصريّ المستشري لدى قِطاع لا يُستهان به من التّونسيّين -، فإنّ هناك حقائقَ لا يمكن إسقاطها من حساباتنا، وهي أنّ الموجات لن تتوقّف بل ستتعاظم في السّنوات والعقود المقبلة
ولم تردّ السّلطات التونسيّة على الكثير من الأسئلة الملحّة لفهم ظاهرة الهجرة، منذ تأزّم الوضع في صفاقس، في صائفة 2023، من بينها سبب استمرار تدفّق المهاجرين وطريقة دخولهم للبلاد، وهي الّتي تدّعي أنّها حريصة على حفظ أمن البلاد.
في المقابل، كانت سلطة الأمر الواقع سريعة في التّنكيل بالمنظّمات والنّاشطين المختصّين بمجال الهجرة، إذ جمّدت عددًا من الجمعيّات وألقت بالعشرات وراء القضبان، وسط حملات تشويه وتخوين بغيضة.
اقرأ/ي أيضًا: تحرك احتجاجي بالعاصمة لإدانة "تصاعد خطابات العنصرية والتطبيع معها في تونس"
وفي صائفة 2023 نفسِها، وقّعت تونس على مُذكّرة تفاهم بشأن شراكة استراتيجيّة مع الاتّحاد الأوروبّيّ، اتّهمت منظّمات على خلفيّتها، ومن بينها المنتدى التّونسيّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بتحويل البلاد إلى شرطيّ للاتّحاد الأوروبّيّ.
وبالرّغم من مُضيّ السّلطات التّونسيّة قُدمًا في سياسة عِداء المهاجرين – ولو بتكريس الإفلات من العقاب من الخِطاب العُنصريّ المستشري لدى قِطاع لا يُستهان به من التّونسيّين -، فإنّ هناك حقائقَ لا يمكن إسقاطها من حساباتنا، وهي أنّ الموجات لن تتوقّف بل ستتعاظم في السّنوات والعقود المقبلة.
إن كان ثمّة أعباء جرّاء حركات الهجرة فيجب التّعاطي معها برؤية سليمة واضحة، تضمن أمن البلاد، مثلما تكفل كرامتهم. أمّا العنصريّة فلم ولن تُمثّل برنامجًا سياسيًّا
فالفوضى الأمنيّة المستشرية في مناطق واسعة في القارّة الإفريقيّة ستدفع بالمزيد لطرق باب الخروج الآمن. كما إنّ التّغيّرات المناخيّة ستجعل العيش في عدد من بلدان إفريقيا جنوب الصّحراء أمرًا مستحيلًا.
لكن، قبل استشراف المستقبل، لنوُاجه الحاضر بكلّ مسؤوليّة. إنّ ما نشهده اليوم لم يَعد انزلاقًا عابرًا، بل تحوّل شيئًا فشيئًا إلى تهديد لقِيم المجتمع التّونسيّ. فحين يُصبح التّحريض على التّسميم أو التّساهل مع جريمة الاغتصاب أمرًا عاديًّا، فإنّنا أمام انهيار خطير، يفتح الباب على مصراعيه أمام عنف جماعيّ لن يقف عند العلاقة مع المهاجرين.
وإن كان ثمّة أعباء جرّاء حركات الهجرة فيجب التّعاطي معها برؤية سليمة واضحة، تضمن أمن البلاد، مثلما تكفل كرامتهم. أمّا العنصريّة فلم ولن تُمثّل برنامجًا سياسيًّا. ولنا في ما يُعانيه عشرات الآلاف من التّونسيّين في دول أوروبيّة تشهد تناميًا مخيفًا للتّيّارات اليمينيّة المُتشدّدة أفضل مثال على ما يجب تفاديه من مواقف لا يُمكن إلّا أن تُقوّض أسس التّعايش وتزرع بذور الانقسام.
وفي التّاريخ ما يكفي من نماذج حتّى نُدرك أنّ المجتمعات الّتي تسامحت مع العنصريّة بالتّمدّد، دفعت لاحقًا أثمانًا باهظة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
قراءة في نقاشِ اليسار الراديكاليّ من زاوية ديمقراطية - اجتماعية
"يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ.. حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة.. لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع الملفّات في مشروعٍ سياسيٍّ واحد"
ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية
سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال
تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج
رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين
نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..
إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات
أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..