ملاحظات حول حركة دبلوماسية

ملاحظات حول حركة دبلوماسية "غير عادية"

أول حركة دبلوماسية منذ صعود رئيس الجمهورية قيس سعيّد

مقال رأي

 

لماذا الحركة الدبلوماسية "العادية" بحكم طبيعتها السنوية لهذا العام، والتي أعلنت عنها وزارة الخارجية بتاريخ 12 سبتمبر/أيلول 2020، تعدّ حركة "غير عادية" بحكم سياقاتها؟ اعتبارات متعددة، أولًا لأنها جاءت متأخرة جدًا عن موعدها السنوي ولم تسبقها كما العادة الندوة السنوية للسفراء، وثانيًا لأنها الحركة الأولى منذ صعود رئيس الجمهورية قيس سعيّد لرئاسة الدولة، وثالثًا لأنها تزامنت في خضم الارتباك الواضح في إدارة الملف الدبلوماسي بعد إقالة وزير الخارجية السابق نورالدين الري رغم استقالة حكومته، وثم إعفاء مندوب تونس في الأمم المتحدة قيس قبطني، وهو الثاني في ظرف 7 أشهر، وما لحقه من تصريحات غير مسبوقة هوجم فيها رئيس الدولة، لتصدر وزارة الخارجية بلاغين اثنين اتهمت في إحداهما المندوب بالشروع في إخلالات إدارية ومالية وبسوء التعامل مع زملائه، في مشهد، وتجاوزًا لتحميل المسؤولية، لا يختلف اثنان أنه مسيء لصورة الديبلوماسية التونسية في الخارج.

تزامنت الحركة الدبلوماسية هذا العام مع الارتباك الواضح في إدارة الملف الدبلوماسي تحديدًا من جهة رئاسة الجمهورية

وفي الواقع، يوجد سبب رابع، يجعل هذه الحركة الدبلوماسية تكتسي خصوصية، هو أنها تأتي لسدّ شغورات طالت في مواقع حساسة (أهمها سفارة تونس في باريس) وفي خضمّ موجة أخبار راجت حول التوجّه لتعيين مدير الديوان الرئاسي نادية عكاشة كمندوبة في نيويورك، حتى جاء ردّ الخارجية سريعًا بإعلان الحركة الدبلوماسية، التي طال انتظارها.

أولى الملاحظات اللافتة للانتباه في هذه الحركة هو أن كوتة رئيس الجمهورية في التعيينات من خارج وزارة الخارجية شملت 4 شخصيات على الأقل في مقدمتها تعيين وزير العدل السابق كريم الجموسي سفيرًا في باريس. ويطرح بداية تعيين قاضي إداري قضى حياته المهنية بين أروقة دوائر المحكمة الإدارية أو التدريس بالمدرسة الوطنية للإدارة وتولى رئاسة المحكمة لفترة وجيزة مع تولي منصب كاتب دولة أملاك الدولة لمدة سنة ووزير العدل لمدة سنة وبضع أشهر، في السلك الدبلوماسي وفي أهم سفارة في الخارطة الدبلوماسية التونسية، باريس، أسئلة حول الوعي بالرهانات التي تستوجبها هذه الخطة الحسّاسة وارتباطها بالمؤهلات التي تستلزمها. 

اقرأ/ي أيضًا: تونس في مجلس الأمن.. فرصة ثمينة أم اختبار عسير؟

الملاحظة الثانية هي توجيه المدير السابق للأمن الرئاسي رؤوف مرادعة، والذي لم يخض سابقًا أي تجربة دبلوماسية، كقنصل عامّ في سترازبورغ مقر البرلمان الأوروبي، وتوجيه مدير الأمن الوطني الحالي كمال القيزاني إلى لاهاي وهي مركز دولي إذ تحتضن مقرات عدة منظمات أهمها المحكمة الجنائية ومحكمة العدل ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. هذه التعيينات بصفة المعنيين غير مستغربة، إذ جرت العادة على تعيين إطارات أمنية في مناصب سفراء أو قناصل عامين، لكن اللافت هي الدلالات الحافة بالتعيين الثاني. إذ لم تمر 10 أشهر على تعيين القيزاني، في ديسمبر/كانون الأول 2019، كمدير للأمن الوطني، وهي أسمى الخطط الأمنية في وزارة الداخلية، وكان يتولّى قبلها خطة مدير عام المصالح المختصّة (الاستعلامات). ويعدّ تعيينه في السلك الديبلوماسية إبعادًا له عن الوزارة برغبة واضحة من قيس سعيّد الذي أظهر اهتمامًا بالغًا ببسط نفوذه في ووزارة الداخلية، وآخر هذه الشواهد هو "فرضه" وزير الداخلية الحالي كمال شرف الدين، الذي كان سابقًا مديرًا لحملته الانتخابية في سوسة، في حكومة هشام المشيشي. في جانب آخر، إن تعيين شخصيتين أمنيتين، لم تخوضا سابقًا أي تجربة دبلوماسية، في سترازبورغ ولاهاي، وهما من مراكز المنظمات الدولية والأوروبية، تطرح السؤال حول حسن التعيين في مراكز ديبلوماسية ذات أنشطة متعددة الأطراف قد تستلزم أصحاب خبرة في العمل الدبلوماسي.

من الملاحظات اللافتة في حركة هذا العام هو تعيين سفير تونسي في طرابلس للمرة الأولى منذ 2014، وهو الأسعد العجيلي، وهو مدير فريق البحوث والدراسات حول العلاقات التونسية الليبية في وزارة الخارجية. ومثّل غياب سفير تونسي في طرابلس مع وجود قنصل عام، هو المدير السابق للأمن الرئاسي، أحد أسباب محدودية النشاط الدبلوماسي التونسي في ليبيا، حيث تلعب تونس دور المتفرّج المراقب، وعكس غياب تونس عن القائمة الأولى للمدعوين في لقاء برلين هذا العام مثالًا عن ضعف الحضور التونسي في المشهد الإقليمي والدولي المعني بالملف، وذلك بالتزامن مع ارتباك في رئاسة الدولة في معالجة هذا الملف، مع دعوة قيس سعيّد لليبيين لإرساء "دستور للقبائل"، وهو ما أثار استهجان الأطراف الليبية في مقدّمتها المجلس الأعلى للدولة. ويظلّ التعويل حاليًا بتعيين سفير في ليبيا أن تستعيد الديبلوماسية التونسية خطواتها للعب دور في تحديد معالم المشهد الليبي حيث تعدد القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على مصالحها.

من الملاحظات اللافتة في الحركة الدبلوماسية هذا العام هو تعيين سفير تونسي في طرابلس للمرة الأولى منذ 2014

في هذه الحركة الدبلوماسية، بدا لافتًا خيار سعيّد تثبيت الناطق السابق باسم رئاسة الجمهورية زمن السبسي معز السيناوي سفيرًا في روما، وهو المنصب الذي يشغله منذ عام 2016. وفي نفس الإطار، وضمن كوتة رئيس الدولة، اختار سعيّد تعيين هشام الفوراتي، وزير الداخلية السابق والمقرّب من رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، سفيرًا في الرياض. في المقابل، اللافت أن الحركة الدبلوماسية لم تشمل وزير الخارجية السابق نورالدين الري، الذي اُقيل من منصبه في أوت/أغسطس، وكان يشغل قبل تولّيه الوزارة منصب سفير تونس في مسقط، فيما شملت الحركة، في المقابل، المستشارين السابقين في ديوان سعيّد وهما طارق الطيب وعبد الكريم الهرمي، وهما من أبناء الخارجية، بتعيينهما في سفارتيْ بيرن وبودابست على التوالي.

وأما في بعثة تونس في الأمم المتحدة، تم تكليف نائب رئيس البعثة طارق الأدب برئاسة الفريق الدبلوماسي التونسي، الذي يتولّى تمثيل البلاد بالخصوص في مجلس الأمن، في إطار العضوية غير الدائمة التي بدأت هذا العام وتنتهي بنهاية العام المقبل. وقد تحوّل هذا المنصب إلى لعنة، بعد إقالة المندوب الأولى منصف البعتي بداية هذا العام إثر بيان رئاسي، في خضم إعداد مشروع تونس لإدانة صفقة القرن، حمل جملة من الاتهامات ضده بالإساءة إلى بلده ولرئيس الجمهورية، ثم لحقه إبعاد المندوب الثاني قيس قبطني، الذي ردّ بتصريحات خرق بموجبها واجب التحفظ منها "عدم الثقة في رئيس الدولة" وإعلان استقالته من السلك الدبلوماسي، لتردّ الخارجية ببيان كشفت بموجبه دوافع إبعادها لقبطني ومنها اتهامه بالشروع في تجاوزات إدارية ومالية في بعثة نيويورك. وهي صورة مسيئة للدبلوماسية التونسية خاصة وأنها تشغل عضوية في مجلس الأمن ما يجعلها تحت أنظار العالم، على أمل أن تتدارك الدبلوماسية التونسية بعد الحركة الأخيرة، عمومًا، صورتها وتستعيد توازنها، لتقوم بدورها في الدفاع عن مصالح الدولة وإشعاعها بين الأمم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة الحكومة وسياسة "السّرايا"

تونس: أزمة حكومة لم تبدأ بعد