30-مارس-2022
موتى

ينتاب البعض الفضول في علاقة بمهنة "التغسيل" (صورة توضيحية/Getty)

 

تعودن العمل في جو مليء بالحزن والألم وسط العويل والبكاء كما ألفن التعامل مع أجساد باردة لا روح ولا نبض فيها.. البعض منهن اخترنها كمهنة تدر عليهن نصيباً طيبًا من المال بالتوازي مع مهن هشة توفر لهن ولعائلاتهن قوت اليوم لكن أخريات دخلن عالم تغسيل الموتى بالوراثة أباً عن جد بهدف كسب ثواب غسل الميت لما له من أجر، وفقهن.

هذه المهنة على أهميتها تجعل منتسبيها عرضة إلى الانتقاد أو الرفض من قبل بعض المحيطين بهم ولعل ذلك يقترن بالأساس بالخشية والجزع من عالم الأموات

هذه المهنة على أهميتها تجعل منتسبيها عرضة إلى الانتقاد أو الرفض من قبل بعض المحيطين بهم ولعل ذلك يقترن بالأساس بالخشية والجزع من عالم الأموات والهواجس التي تحيط بالبعض في علاقة بهذا الموضوع.

ولئن تحظى القابلات اللاتي تساعدن المرأة على الإنجاب باهتمام كبير وإكرام من أهل المولود على اعتبار أنه على أيديهن تولد الحياة فإن مغسلات الموتى رغم تأديتهن لواجبهن لا يسعفهن الحظ أحيانًا للظفر بكلمة شكر فتظل بذلك ثنائية الحياة والموت متناقضة تستوجب وقفة تأمل وتفكير.  

  • "أوجاع هذا العمل الإنساني كثيرة"

تقول "الحاجة السيدة" إنها دخلت عالم تغسيل الموتى منذ أكثر من عشرين سنة وإنها ستهب ما تبقى من عمرها في هذا العمل الذي احترفته "في الثلاثين من عمري كنت أساعد أمي في تغسيل الموتى خاصة اللاتي تربطهن قرابة بنا فتعلمت أصول وقواعد التغسيل حتى أن البعض من الجارات والأقرباء توصينني بأن أشرف على تغسيلهن بعد الوفاة لما يلمسنه في شخصي من ثقة وثبات وكتمان.. الأمر لم يكن هيناً في البداية فقد كنت شابة يافعة ولا أتحلى بالقدر الكافي من الصبر والشجاعة اللذان تتطلبهما عملية تغسيل الموتى فإلى جانب هول التعامل مع الجثث الهامدة فإن بكاء الثكالى واليتامى ينهك القلب..".

"الحاجة السيدة" (من مغسلات الموتى): "الأمر لم يكن هيناً في البداية فقد كنت شابة يافعة ولا أتحلى بالقدر الكافي من الصبر والشجاعة فإلى جانب هول التعامل مع الجثث الهامدة فإن بكاء الثكالى واليتامى ينهك القلب.."

وتضيف "أوجاع هذا العمل الإنساني كثيرة لكنها تهون عندما يقتنع المغسل بأنه يجهز الموتى لملاقاة ربهم أحسن تجهيز ويصونهم من أيدي من تسول لهم أنفسهم تجاهل مراحل الغسل والاكتفاء فقط بسكب الماء على الميت وهي حالات أصبحت شائعة في عصرنا اليوم".

وفي حديثها لـ"ألترا تونس" تؤكد "الحاجة السيدة" أنها تتعرض أحيانًا إلى مزاح غليظ وفض بسبب عملها فيتهمها البعض بقسوة القلب فيما يعبر البعض الآخر عن تشاؤمه من وجودها في مكان ما خاصة في الأفراح والمناسبات السعيدة فتقول "هذه المواقف نادرًا ما أتعرض لها لكني لا أقيم لها وزنًا فأنا على يقين بأهمية الرسالة التي أؤديها.. لست عديمة الإحساس كما يعتقد البعض لكن واجبي يحتم التحلي برباطة الجأش والصبر لأتم مهمتي ولأتمكن من مواساة أهل الميت.. تعرضت للعديد من المواقف الصعبة أذكر منها وفاة 4 فتيات ووالدهم في حادث سيارة وإصرار والدتهن على الحضور في موكب تغسيل بناتها.. حقًا كان موقفًا صعبًا لم أتمكن حينها من التماسك انهرت بالبكاء وأثر في ذلك المشهد أيما تأثير".

"الحاجة السيدة" (من مغسلات الموتى): أتعرض أحيانًا إلى مزاح غليظ وفض بسبب عملي فيتهمني البعض بقسوة القلب فيما يعبر البعض الآخر عن تشاؤمه من وجودي في مكان ما خاصة في الأفراح

  • الصلابة والتعود أبرز سمات مغسلي الموتى

"أغسل الموتى" كلمة من شأنها أن تجر وراءها سلسلة من الأسئلة فور السماع عنها أو الحديث مع من يمتهنها ولو تطوعاً ولعل علاقتها بالوفاة وعالم الأموات هي التي تكسبها نوعًا من الفرادة ويعطيها طابعاً استثنائيًا يثير فضول العامة للولوج إلى أسرارها ومعرفة المزيد عنها. ولئن ينتاب البعض الفضول في علاقة بمهنة "التغسيل" فإن البعض الآخر يتساءل عن مواصفات ممتهنيها وعن قدرة تحملهم لمشاهد يعتبرها البعض أليمة وفظيعة. 

ويؤكد المختص في علم النفس عبد الباسط الفقيه أن الاندماج في أي مهنة فيها صور فظيعة تثير في الإنسان حساسية مفرطة ستكسبه نوعًا من الصلابة، مبيناً أن مثل هذه المهن "تغسيل الموتى" يمتهنها عادة أشخاص لديهم حد معين من التوازن والصلابة والاستقرار الاجتماعي. كما أكد أن عامل التعود يكسب هذه الفئة القدرة على التعامل مع الموتى بشكل يومي دون أن يؤثر على حياتهم الطبيعية.

المختص في علم النفس عبد الباسط الفقيه لـ"ألترا تونس": "تغسيل الموتى" يمتهنها عادة أشخاص لديهم حد معين من التوازن والصلابة والاستقرار الاجتماعي

ويقول الفقيه في حديثه لـ"ألترا تونس" إن الإدراك لدى الإنسان انتقائي فيمكن لمغسلي الأموات تركيز انتباههم على أفكار إيجابية بغض النظر عن الوضعية التي يجد نفسه فيها يوميًا وبالتالي يمكن الربط بين الحاجة للشغل وصلابة الشخصية لهذه الفئات.

وتعليقًا على نظرة المجتمع لهذه المهن، يقول الفقيه "هناك بعض المهن التي يمكن للشخص أن يتحدث عنها بطلاقة وهناك مهن أخرى تثير لدى السامع نوعًا من النفور ولا يمكن للشخص التباهي بها أو الحديث عنها وتكون عادة مرتبطة بالوصم في مخيال الناس.. والنشاط المهني بصفة عامة يفرضه احتياج سوق الشغل فبائع الفحم مثلاً لو تخيره بين بيع الفحم والعطر لاختار العطر لكن سوق الشغل يحتاج للفحم فيمتهن هذه المهنة وبالتالي فإن احتياج السوق والمردود المالي والتغلب على البطالة عناصر تدفع بالشخص لهذه المهن"، مضيفًا أن بعض المهن سمعتها سيئة وممنوعة بالقانون كالدعارة والسرقة وغيرها والبعض الآخر ليس ممنوعًا لكن الشخص يمارسها بنوع من الاحتشام لأن صورته الاجتماعية يمكن أن تتأثر.

المختص في علم النفس عبد الباسط الفقيه لـ"ألترا تونس": بعض المهن ليست ممنوعة لكن الشخص يمارسها بنوع من الاحتشام لأن صورته الاجتماعية يمكن أن تتأثر

كما أكد المتحدث أن الشخص الهش لا يميل للمواجهة والتجديد فيختار مهنة مألوفة لا تثير ردود أفعال أو سوء تقدير ولا تجلب الوصم أما الشخص القوي الصلب فلا يأبه للتعاليق السلبية ويكون قادرًا على الإقناع.

وتابع المختص في علم النفس "في القديم كان العمل تشاركيًا فيتشارك الجميع في الصيد أو التحطيب أو الطبخ ثم بدأت مرحلة تقسيم العمل وبدأ التصنيف لمهن نبيلة وأخرى رديئة لكن الآن لم يعد تفريق العمل حسب نوعه بل حسب المردود المادي الذي يجعل الإنسان مستمتعًا بعمله".

  • مهنة تستوجب الكتمان والحذر

"حليمة الدريدي"، ستينية أصيلة محافظة الكاف، تؤكد في حديثها لـ"أترا تونس" أن عائلتها لا تلجأ أبدًا للتعامل مع مغسلي الأموات وأن أفراد العائلة الموسعة هم من يحرصون على تغسيل وتكفين موتاهم وتشييعهم لمثواهم الأخير "لقد شاركت في تغسيل جدتي وخالتي كذلك أمي.. لم يكن بالأمر الهين عندما تعلق الأمر بأمي لكني تسلحت بالإيمان والصبر.. هذا الواجب يقتضي تحلي الشخص الذي يقوم به بالعديد من المواصفات أهمها القوة والكتمان فلا يجب على المغسل أن يتحدث ولو عن تفاصيل صغيرة تخص الميت ووجب عليه كتمان كل ما يمكن أن يشاهده.. البعض يتحدث عن ظهور علامات على وجه الميت فيكون مبتسمًا إذا كان عمله صالحًا ويكون عابسًا في حالات أخرى لكني شخصيًا لم ألاحظ شيئًا من هذا القبيل ولا أعتقد في صحته".

حليمة الدريدي (من مغسلات الموتى): الواجب يقتضي تحلي الشخص الذي يقوم بالتغسيل بالعديد من المواصفات أهمها القوة والكتمان فلا يجب على المغسل أن يتحدث ولو عن تفاصيل صغيرة تخص الميت

وتقول"حليمة" إنها تكون حذرة جدًا في التخلص من أدوات تغسيل الموتى كالإناء والصابون والمياه وحتى ثياب الميت التي يلبسها تفاديًا لاستعمالها من قبل من تسول لهم أنفسهم في أعمال سحر وشعوذة، مبينة أنها تقوم بنفسها بردم هذه الأدوات في التراب في مكان بعيد جدًا وأنه في حالات أخرى يتم ربط هذه الأدوات بين ساقي الميت لتدفن معه.

كما تؤكد أنها سمعت حكايات أقرب إلى الخيال عن استعمال الميت في سحر وإيذاء الحي، قائلة "يقال إن البعض يعمدون إلى وضع صور من يراد سحره في فم الميت أو يضعون في يده نقوده أو قطعة من ثيابه .. في الحقيقة لم أعاين أي حادثة مماثلة لكني ألتزم بالحيطة والحذر حفاظاً على حرمة الميت ولحماية الأحياء".

بدورها، تؤكد الخالة "بسمة" صاحبة محل لبيع لوازم الدفن بأنها تتطوع لتغسيل الموتى وهي لا ترفض أجرًا لقاء ذلك لأنها في حاجة إلى العمل "في الحقيقة أنا لا أطلب تعريفة معينة وأكتفي بما يقدم لي وفي العادة تتراوح النقود التي أتلقاها بين 50 و150 دينارًا حسب الحالة المادية لأهل الميت وإذا تعذر عليهم الدفع فأتكفل بتغسيل الميت دون مقابل..".

صاحبة محل لبيع لوازم الدفن: "في السابق لم يكن استعمال العطر ضرورياً لكن الآن تعطير الميت أصبح أمرًا أساسيًا كما أن الكفن يصنع في السابق في المنزل باستعمال الإبرة والخيط أما الآن فأصبح يشترى جاهزًا"

وتؤكد المتحدثة أنها تزاول هذه المهنة منذ 25 سنة وأنها لاحظت العديد من التغييرات في طقوس التغسيل والتكفين فتقول "في السابق لم يكن استعمال العطر ضرورياً لكن الآن تعطير الميت أصبح أمرًا أساسيًا كما أن الكفن يصنع في السابق في المنزل باستعمال الإبرة والخيط أما الآن فأصبح يشترى جاهزًا.. لكن مراحل التغسيل طبعًا ثابتة ولا بد من ستر الميت ولف الغاسل ليده بقطعة قماش على أن تغسل المرأة المرأة والرجل الرجل".

 

العربي