معركة الأمعاء في رمضان.. غلاء اللحوم يدفع التونسيين لـ"انتحار غذائي" بالمعجنات
6 مارس 2026
"كيف لنا أن نتحدث عن هرم غذائي سليم واللحوم أصبحت حلمًا بعيد المنال؟"، هكذا لخص السيد "عماد"، موظف وأب لثلاثة أطفال، لسان حال الشارع التونسي في ظل موجة الغلاء غير المسبوقة.
فبينما تتعالى صيحات التحذير الطبية من مخاطر "المعجنات"، يصطدم المواطن بواقع معيشي يفرض عليه "المقرونة" و"الكسكسي" كخيارات وحيدة لسد الرمق.
تقول السيدة "منيرة"، ربة منزل: "نحن نعلم أن الخبز والعجين يسبّبان السمنة، لكن تكلفة وجبة غنية بالبروتين الحيواني لعائلة متوسطة تعادل ميزانية أسبوع كامل؛ لذا نختار الشبع على حساب الصحة".
الجمعية التونسية للتغذية الدقيقة: "الهرم الغذائي" التقليدي هو المتهم الأول وراء "أمراض العصر"
في مقابل هذا الواقع الاجتماعي المتأزم، فجّرت الدكتورة رفيعة بن عبد الجليل، رئيسة الجمعية التونسية للتغذية الدقيقة، مفاجأة علمية ثقيلة بتأكيدها أنّ منظمة الصحة العالمية أعادت النظر جذريًا في "الهرم الغذائي" التقليدي الذي نشأت عليه أجيال. وأوضحت أن النموذج القديم الذي كان يخصص 40% من الحصة اليومية للمعجنات والنشويات هو المتهم الأول وراء "أمراض العصر" في تونس والعالم، وعلى رأسها مقاومة الأنسولين، السمنة المفرطة، ضعف المناعة، واكتئاب الأمعاء الناتج عن اختلال التوازن البكتيري.
الدكتورة رفيعة بن عبد الجليل (رئيسة الجمعية التونسية للتغذية الدقيقة): النمط الغذائي التونسي القائم على "التبعية للعجين" أدى إلى أرقام صحية مفزعة؛ حيث يعاني ثلث الشعب التونسي من السمنة، وبلغت نسبة الإصابة بالسكري 20%
وأكدت الدكتورة أن الهرم الصحي الجديد يضع البروتينات الحيوانية في الصدارة بنسبة تتراوح بين 40% إلى 50%. والسبب علمي بامتياز؛ فالجسم البشري، بتركيبته الهرمونية والأنزيمية، مبرمج لامتصاص البروتين الحيواني بكفاءة عالية لاستخدامه في ترميم الأنسجة، وبناء الكتلة العضلية، وإصلاح مستويات الحديد. أما البروتينات النباتية (كالبقوليات)، فقد كشفت الدكتورة عن حقيقة صادمة: "العدس والفول واللوبيا تتحوّل بفعل الطبخ والحرارة العالية إلى نشويات وعجين، مما يجعل قيمتها البروتينية الأصلية غير قابلة للامتصاص الكامل، ولا تؤدي غرض البناء الجسدي المنشود".
اقرأ/ي أيضًا: الخبز التونسي.. أصناف مهجورة اندثرت مع الأيام
وفي تصحيح لمفاهيم متجذرة في المخيال الشعبي، شدّدت بن عبد الجليل على أنّ "صحن العدس" لا يمكن أن يعوض "سمكتين" أو قطعة لحم حمراء، خاصة لمن يعانون من فقر الدم. كما أشارت إلى أن "السبانخ" ليست المصدر المعجزة للحديد كما يُعتقد، بل هي غنية بفيتامين (ب9) الذي يساعد فقط على امتصاص الحديد الموجود أصلاً في المصادر الحيوانية كاللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك.
هذا النمط الغذائي التونسي القائم على "التبعية للعجين" أدى إلى أرقام صحية مفزعة؛ حيث يعاني ثلث الشعب التونسي من السمنة، وبلغت نسبة الإصابة بالسكري 20%، وهي نسبة تتجاوز المعدلات العالمية (14-15%) بشكل صارخ. وأرجعت الدكتورة ذلك إلى العادات الغذائية لربة البيت التونسية التي لا تشعر بأنها قامت بواجبها إلا إذا قدمت "المقرونة أو الكسكسي أو الخبز" كطبق رئيسي.
ومع حلول شهر رمضان، قدمت رئيسة جمعية التغذية الدقيقة وصايا عملية للصائمين لبناء جسد رشيق وعضلات قوية، بعيدًا عن "التخمة" والالتهابات المعوية، وهي:
التركيز على البروتين الحيواني والسلطة: هما المفتاح الحقيقي للحد من الجوع المستمر، وليس النشويات التي تتحول سريعًا إلى دهون وشحوم.
شرب الماء الدافئ وتجنب المثلجات: لتحفيز الجهاز الهضمي برفق.
مضغ الطعام ببطء شديد: لمنع التقرحات وعسر الهضم الناتج عن الالتهام السريع.
تقسيم الوجبات: الابتعاد عن فكرة "الوجبة الواحدة الكبيرة" التي تنهك الجسم وتسبب الخمول.
عمار ضية (رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك): بينما ندعو لمقاطعة اللحوم الحمراء كفعل عملي لمواجهة الاحتكار والارتفاع الجنوني للأسعار، فإنّنا نؤكد في الوقت ذاته للدولة أنّ اللحم "عنصر غذائي أساسي" لا يجب حرمان التونسي منه
منظمة الدفاع عن المستهلك: هناك صراع بين الضرورة الصحية والقدرة الشرائية
على الجانب الآخر من المعادلة، يجد المواطن نفسه في مواجهة "غول" الأسعار والاحتيال التجاري. وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ عمار ضية، رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك، أنّ المنظمة تعيش صراعًا بين الضرورة الصحية والقدرة الشرائية. فبينما تدعو المنظمة لمقاطعة اللحوم الحمراء كفعل عملي لمواجهة الاحتكار والارتفاع الجنوني للأسعار، فهي تؤكد في الوقت ذاته للدولة أنّ اللحم "عنصر غذائي أساسي" لا يجب حرمان التونسي منه.
اقرأ/ي أيضًا: هل يعي المستهلك التونسي خطر المعلبات الغذائية؟
وأشاد ضية بوعي أهالي مدينة صفاقس الذين نجحوا في الضغط عبر مقاطعة الأسماك، داعيًا التونسيين للنسج على منوالهم لكسر شوكة المضاربين. وكشف أن المنظمة تراهن اليوم على جيل جديد من الشباب مسلح بالتكنولوجيا عبر ورشات توعوية تشرف عليها المنظمة في عدد من الجهات لترسيخ "ثقافة المقاطعة الواعية" ومواجهة الاحتيال الذي بات يغزو السوق الإلكترونية والتقليدية على حد سواء، خاصة في المواسم الكبرى كشهر رمضان.
ختامًا، يبقى التحدي في تونس مزدوجًا: تغيير عقلية غذائية تقدس "العجين"، وتوفير سياسات اقتصادية تجعل "البروتين الحيواني" حقًا متاحًا للجميع وليس امتيازًا للأغنياء فقط. فهل تستجيب السلطات لنداءات العلم وتطلّعات المستهلك؟
الكلمات المفتاحية
الطريق إلى الطين.. رحلة الحرفيات مع الوجع والجمال
في قرى الشمال التونسي، صناعة الفخار ليست مجرد حرفة، بل هي هوية. فكل آنية "قلة" أو "طاجين" أو "مبخرة" هي سجل للمسافات التي قُطعت، والبرد الذي استُحمل، والجوع الذي أُجّل. هي شاهدة على نساء جعلن من الطين ذهبًا، ومن الوجع فنًا
"الهجرة المهنية الآمنة" نحو أوروبا.. هل تحدّ من موجات الهجرة غير النظامية؟
تحول البحر المتوسط في السنوات الأخيرة إلى مسرح لمآسٍ متكررة، بعد تسجيل وفاة عشرات المهاجرين غرقًا خلال محاولات العبور، وهو ما يعيد طرح التساؤلات حول نجاعة البرامج الحالية في تقديم بدائل حقيقية وآمنة
السل في تونس.. "قنبلة موقوتة" تهدد المستهلكين و60% من الإصابات مصدرها الحيوان
جرثومة "السل خارج الرئة" تعيش طويلاً في الحليب ولا تموت إلا عند غليه في درجة حرارة تفوق 60 درجة مئوية لمدة لا تقل عن 25 دقيقة، وهو ما يجعل الألبان والأجبان غير المبسترة تشكّل خطرًا حقيقيًا، وفق الدكتورة ريم عبد الملك
عبد الله السعيد يمثل الثلاثاء للمرة الثانية أمام القضاء وسط دعوات لإطلاق سراحه
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: تضامن تام ولامشروط مع عبد الله السعيد وعائلته، وما يتعرض له يأتي في سياق تضييق ممنهج على العمل المدني وتجريم التضامن الإنساني، وندعو إلى الإفراج الفوري عنه
البارالمبي التونسي وجدي البوكحيلي يحرز ذهبية سباق ماراطون بوسطن الدولي
الجامعة التونسية لرياضة المعوقين: سجّل وجدي البوكحيلي توقيتًا مميزًا زمنه 2:23.39، متفوقًا على أبرز ملاحقيه ومنافسيه المباشرين، البطل الإسباني والمغربي محمد أمين الشنتوف
منع أمين مال منظمة حقوقية تونسية من السفر.. ما القصة؟
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: منع أمين مال المنتدى من مغادرة البلاد عبر مطار تونس قرطاج، فيما كان متوجهًا للمشاركة في نشاط يتعلق بتقديم حكم محكمة الشعوب في قضايا الهجرة
خبز النخالة في تونس.. تقشف مخفي أم قرار صحي؟
خبز النخالة يثير نقاشًا في تونس بعد قرار اعتماده وتوزيعه في الأسواق.. هل الأمر يتعلق بخبز صحي لا غير أو هناك أمر مخفي خلف ترويجه؟