ultracheck
رأي

معرض تونس الدولي للكتاب في قلب عاصفة المتغيرات

2 مايو 2026
معرض تونس الدولي للكتاب
"حان الوقت عاجلًا وليس آجلًا لإنقاذ سفينة معرض تونس الدولي للكتاب من التيه في بحار الارتجال والتكرار "
رمزي العياري
رمزي العياري صحفي من تونس

مقال رأي 

ضمن تقريرها الشامل والصادر في شهر جوان/يونيو 2022 حول إعداد المخطط الثلاثي للتنمية 2023 ـ 2025، وعدت وزارة الشؤون الثقافية في تونس بالعمل على إحداث "المركز الوطني للكتاب" ليصبح أعلى سلطة قرار تتعلّق  بهذا القطاع الثقافي الحيوي، ووضح التقرير أن هذا المركز "سيتولى رسم السياسات الوطنية في قطاع الكتاب، ويقدم التصورات الكفيلة بتطوير عناصر مجال الكتاب من إبداع ونشر وتوزيع بالإضافة إلى إحداث منصة إلكترونية "بوابة الكتاب التونسي" للتعريف بحركة النشر في تونس والترويج للإصدارات التونسية الجديدة بالداخل والخارج".

هذا إلى جانب نقاط أخرى تهم ثقافة القرب في الوسط الريفي والمناطق الحدودية والجبلية والتّرفيع في رصيد المكتبات المتنقلة واقتناء وحدات جديدة لتغطية حوالي 1500 تجمع ريفي وتنظيم تظاهرة "كتاب على الحدود" بـ17 منطقة سكانية على الشريط الحدودي، وبعث فضاءات جديدة لسن ما قبل الدراسة بالمكتبات الجهوية والعمومية بغاية "تنمية الميول القرائية" وتركيز مشروع حدائق المطالعة وتنظيم مصيف الكتاب والأيام الوطنية للمطالعة والمعلومات والبطولة الوطنية للمطالعة.

 الدورة 40 من معرض تونس الدولي للكتاب واجهت انتقادات كثيرة. واتُّهمت الهيئة المديرة بالتقصير.. وعلى اختلاف تلك الانتقادات وموضوعيتها، إلا أن الخيط الرفيع الذي يجمعها هو فكرة الحفاظ على هذه التظاهرة الثقافية الوطنية 

وبقطع النظر عن مدى تحقق هذه الأحلام، والسعي الجاد إلى تنفيذها أو التخطيط لها أو لبعضها من أجل النهوض بقطاع الكتاب في تونس كحمّال للمعارف والعلوم والقيم الكونية والهويات الثقافية والفنية والابداعية، فإن أبرز ملاحظة تتعلق بتظاهرة وطنية كبرى وذات أهمية وتعتبر واحدة من جملة "التظاهرات الواجهة" للثقافة التونسية وهي "معرض تونس الدولي للكتاب" الذي أسهم تاريخيًا في تثقيف وتنوير الشعب التونسي منذ نشأته سنة 1982 من  القرن الماضي، حيث لا وجود له في سلّة الأحلام الثقافية الكبرى ولا ذكر له في وثائق المخطط الاستراتيجي الوزاري المذكور.

وفي الأثناء تنعقد الدورة 40 من معرض تونس الدولي للكتاب في الموعد السنوي المخصص لتونس ضمن رزنامة معارض الكتاب العربية وذلك من 23 أفريل/نيسان إلى 3 ماي/أيار 2026 في قصر المعارض بالكرم الذي وصفه أحد طلبة كلية الآداب بمنوبة "بالقصر البعيد" (لأن هذا الفضاء يوجد في الضاحية الشمالية للعاصمة تونس والوصول إليه يتطلب الكثير من الوقت) في ظرف عالمي مثير ومتغير وغامض وبلا أفق.

اقرأ/ي أيضًا: اتحاد الناشرين: إخلالات تنظيمية تكشف هشاشة الإعداد لمعرض تونس الدولي للكتاب

وقد واجهت الدورة الحالية انتقادات كثيرة تهم التنظيم والبرمجة الثقافية الموازية وبرنامج الطفل والجوائز المسندة ومسائل لوجستية تهم النقل. واتُّهمت الهيئة المديرة بالتقصير في تقديم الخدمة للمواطن التونسي الذي يقطع المسافات لحضور هذا الحدث الثقافي وأغلب الانتقادات التي واجهها المعرض تأتت من الكتاب والجامعيين والشعراء والناشرين ومهنيي الكتاب والنشر والمثقفين عمومًا، ومنظمات وهيئات وطنية لها علاقة بالثقافة والكتاب على غرار اتحاد الكتاب التونسيين واتحاد الناشرين ونقابات مهن النشر.

وعلى اختلاف تلك الانتقادات وتباينها وجديتها وموضوعيتها، والتي لا يخلو بعضها من الحسابات الضيقة إلا أن الخيط الرفيع الذي يجمعها هو فكرة الحفاظ على هذه التظاهرة الثقافية الوطنية المرتبطة عضويًا باقتصاد عالم النشر والتوزيع على وجودها واستمرارها والقيام بدورها الفكري والتجاري على أكمل وجه في ظل المتغيرات العاصفة التي باتت تهدد الكاتب والكتاب.

في دورات سابقة طالب عدد من المثقفين التونسيين بمأسسة التظاهرات الثقافية الكبرى وفي مقدمتهم "معرض تونس الدولي للكتاب" لتتحرر من بيروقراطية وزارة الشؤون الثقافية، فيصبح المعرض "سيّد نفسه" ماليًا وإداريًا واتصاليًا، ويختار برنامجه الثقافي والتربوي والترفيهي بكل حرية ويشكل لجان تسييره ولجان جوائزه بالتواصل مع مؤسسات وطنية تنتمي لوزارات أخرى (التعليم العالي، التربية، الشؤون الدينية، المرأة، الشباب، السياحة..) وشخصيات ثقافية وفنانين وجمعيات ومنظمات لها علاقة بالكتاب، لكن لا أحد استمع إلى هذا النداءات وظل المعرض يُدار بقانون أساسي متقادم وأساليب متقادمة ومنهجيات عمل قديمة، والحال أن عالم النشر والكتاب مهدد في وجوده في ظل سطوة الإنترنت وزحف الذكاء الاصطناعي على حياتنا.

حان الوقت عاجلًا وليس آجلًا لإنقاذ سفينة معرض تونس الدولي للكتاب من التيه في بحار الارتجال والتكرار.. ليكون الخسران النهائي لحدث ثقافي لطالما نحت في عقول الأجيال وصنع دورة اقتصادية صغيرة في تونس

وضمن فلسفة دعم الثقافة التي تتوخاها الدولة التونسية منذ الاستقلال إلى اليوم وتنفذها وزارة الشؤون الثقافية يخصص لمعرض تونس الدولي للكتاب سنويًا أكثر من مليارين من الدنانير التونسية (ما يقارب 700 ألف دولار) وتشرف على صرفها، المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، وهو مبلغ يعد ضخمًا بالنظر لعدد أيام المعرض (10 أيام فقط) وكلفة البرنامج الثقافي الموازي ونوعية الضيوف وقيمة الجوائز المسندة والجانب الخدماتي واللوجستي، كما توضح أغلب الإدارات المتعاقبة على إدارة المعرض أن ثلث هذه الميزانية تصرف على كراء فضاء قصر المعارض من الشركة الخاصة التي تملكه.

اقرأ/ي أيضًا: معرض تونس الدولي للكتاب 2026.. قرابة 350 ناشرًا يعرضون أكثر من 148 ألف عنوان

كل المؤشرات والمعطيات المذكورة آنفًا تدفع إلى القول إنه حان الوقت عاجلًا وليس آجلًا لإنقاذ سفينة معرض تونس الدولي للكتاب من التيه في بحار الارتجال والتكرار والانخطاف نحو "طاحونة الشيء المعتاد" فتطحنها ليكون الخسران النهائي لحدث ثقافي لطالما أسند الوعي المجتمعي ونحت في عقول الأجيال وجسّر مع ثقافات العالم وصنع دورة اقتصادية صغيرة تعود بالفائدة على عدد من التونسيين. لقد حان الوقت لإطلاق استشارة وطنية تهم معرض تونس الدولي للكتاب ولا تكون إدارية فقط، بل تكون مفتوحة لكل الشركاء فيسهم فيها بجدية كل المعنيين من مفكرين ومثقفين وكتاب وطلبة ومربين وناشرين ومكتبيين وخبراء وموزعين وتجار الكتاب. ومن ثمة تجميع الأفكار والمقترحات بعناية حتى يتسنى توليد استراتيجية واضحة تهم المكان والزمان وطبيعة والبرامج من حيث الشكل والمضمون وتتسم بروح العصر ويتم تقنينها والالتزام بتنفيذها ليكون الارتقاء بالمعرض كحدث ثقافي حيوي إلى المصاف الذي يليق به.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

حمة الهمامي فيسبوك.jpg

دعوات للقتل.. ماذا بعد؟

من نافلة القول إنّ الصّمت أمام التّحريض بجميع أشكاله يُعتبر مشاركة ضمنيّة فيه، بل وصكًّا على بياض للمُضيّ قُدمًا في هذا الخطاب العنيف


11 سجينًا سياسيًا يدعون في رسالة مشتركة للتوحّد لاستعادة الحرية والديمقراطية

رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟

توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟


علم تونس Claudia Rolando REDA Getty

مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن

تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ..


القمع تونس الشبكة التونسية للحقوق والحريات

في عبثيّة القمع

"إنّ سلطة الأمر الواقع تحظى، اليوم، في سياساتها القمعيّة، بدعم لا يُستهان به من قطاع من الرّأي العامّ، أي أنّ الأمر لم يعد يتعلّق بأجهزة ومؤسّسات رسميّة قمعيّة فحسب، بل بجزء من المجتمع يتبنّى القمع كأسلوب حكم ويُحرّض عليه.."

منجي مرزوق.jpg
مجتمع

كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟

منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء

محمد بالحاج محمود
منوعات

محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي

أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..


طلبة
مجتمع

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..

هيثم المكي وإلياس الغربي بلعيد.jpg
میدیا

تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه

نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون

الأكثر قراءة

1
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


2
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


3
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


4
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟


5
مجتمع

انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء بتونس.. استياء كبير و"الستاغ" توضّح الأسباب