مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور
21 أغسطس 2026
تصدير: "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟ لكي يؤنس البيت يا ولدي، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها.." (الشاعر الفلسطيني محمود درويش)
مع "الجلاء الأخير" بين السنوات 1609 م و1614 م وما تلاها، غادر أهل الأندلس المسلمين (المورسكيين) مهجّرين من ديارهم ومدنهم الساحرة وذكرياتهم وفنونهم وأشعارهم إلى "جهة الريح".. إلى سواحل شمال إفريقيا، حيث الرابطة الدينية هي الضميدة لألمهم الكبير وهي التي مكّنتهم من إعادة بناء حياة أخرى تشبه إلى حدّ كبير حياتهم الأندلسية السابقة.
توزّع المورسكيون على طول أرض المغرب الكبير، وقد واستقبلت تونس في ذلك الوقت في عهد "عثمان داي" وعلى دفعات بين 80 و100 ألف موريسكي غالبيتهم من القشتاليين والأراغونيين الذين يتكلمون الإسبانية، رست بهم السفن والقوارب على الموانئ الشمالية التونسية، وثمة منهم من قدم برًا من جهة الجزائر ومن إيطاليا، لتكون بذلك أكبر هجرة عرفتها البلاد التونسية على مرّ تاريخها وإلى حد اليوم.
من العادات الأندلسية التستورية الأنيقة طيلة فصل الصيف، هو رواج وفَواح "مشموم الأقواس" الذي لا نجد له مثيلًا في أي مدينة تونسية أخرى، هو ميزة تستور لوحدها دون غيرها
أهل الأندلس توزعوا على طول البلاد بعد أن أحسن سلطان تونس وفادتهم مشكّلين بذلك مسالك أندلسية تامة المعالم، نراها باقية إلى اليوم في شكل مدن وقرى وبساتين باذخة سواء بجهات تونس العاصمة وبنزرت ونابل ومنوبة وباجة وزغوان.
كانوا على أمل العودة إلى الوطن وكانت مفاتيح منازلهم بالأندلس كالتمائم لا تغادر جيوبهم وكان الأجداد الأوائل قد ورّثوها للأبناء بعناية وهي الآن معلقة في المنازل كذكرى أصيلة تلمع في الخيال كنجمة قطبية. اندمج أهل الأندلس مع التونسيين لكنهم في الوقت نفسه، حافظوا على هويتهم الثقافية فجلبوا معهم الفنون والآداب والحرف والصنائع وتدابيرهم في الفلاحة والتجارة.. فأغنوا بها المجتمع التونسي وهي متواصلة إلى اليوم.
ومدينة تستور هي حاضرة حواضر الأندلس في تونس، والخال الذي لا تخطئه عين، وبوابة جميلة من بوابات الشمال الغربي التونسي، أميرة أندلسية نائمة على ربى تطل على ضفاف وادى مجردة. تستور هي متحف أندلسي مفتوح، مازالت تحافظ على تلك الروح الأولى والطزاجة الأولى برائحة النارنج (البرتقال الإشبيلي)، هذه المدينة الزاهية عندما تطأها قدماك يسافر خيالك مباشرة إلى غرناطة أو رندة أو إشبيلية وفي البال قصيد شعري لابن زيدون يتغزل فيها بولادة بنت المستكفي.
ومن العادات الأندلسية التستورية الأنيقة طيلة فصل الصيف، هو رواج وفَواح "مشموم الأقواس" الذي لا نجد له مثيلًا في أي مدينة تونسية أخرى، هو ميزة تستور لوحدها دون غيرها.
اقرأ/ي أيضًا: فيديو: الجامع الكبير بتستور.. عن ساعة تحنّ للأندلس
مشموم الأقواس التستوري، حرفة وصنعة فيها من رفعة الذوق الكثير وفيها من "الفيانة" جاذبية وروقان وأبهة.. تشكله أصابع أبناء تستور بسهولة تشبه رشاقة البهلوان، فما إن تبدأ عيناك في متابعة عملية التشكل، حتى تجد بين يديك مشموم فلّ ساحرٌ بيانه، وشُكّل في صورة من أجمل تراه عين ويشمه أنف.
زار "الترا تونس" مدينة تستور بحثًا عن خطى هذا المشموم الأندلسي وأسراره وسردياته ورائحته الزكية.
صاحب المحل الوحيد المتبقى لصناعة مشموم الأقواس بتستور لـ"الترا تونس": عائلتي تصنع مشموم الأقواس منذ عشرات السنين ونحن نزرع زهرة الفل خصيصًا لهذا الموسم، كما نتخير أجود أنواع الحلفاء والخيوط من أجل أن يكون المشموم كامل الأوصاف
تحدثنا إلى أحمد صاحب المحل الوحيد المتبقى لصناعة مشموم الأقواس بتستور قبالة مقهى البطحاء (مقهى البرني) حيث يتعالى صوت قطعة مالوف.. وهو تستوري أصيل في العقد الخامس من عمره، كان منهمكًا في صناعة مشمومين لعروسين ويسابق الوقت في ذلك، رحّب بنا وعاد إلى عمله واستدرك قائلًا: "المساءات في تستور تتزي بالمشموم والمالوف وكلاهما راحة للنفس بعد تعب العمل".
وأضاف أنه من عائلة "مشامية"، تصنع مشموم الأقواس منذ عشرات السنين وهم يزرعون زهرة الفل خصيصًا لهذا الموسم، كما يتخيرون أجود أنواع الحلفاء والخيوط من أجل أن يكون المشموم كامل الأوصاف والأركان. وأضاف أنهم مقصد من كل الجهات "أحيانًا يطلبنا زبائن من العاصمة ومن المدن الساحلية لأن مشمومنا مميز وجذاب ولافت للأعين..". وعن الأسعار أكد أحمد أنها في المتناول سواء لأبناء تستور أو للزوار والعابرين الجميلين.
وأوضح أحمد لـ"الترا تونس" أنّ "تصديرة" العرس في تستور تكون منقوصة إذا غاب مشموم الأقواس من يد العروسين، إنه جزء من الفرح وعادة أساسية في أفراح أبناء تستور.
رضا مشامي تستوري شاب، يضع طاولة خشبية أمام أحد الدكاكين ليس بعيدًا عن دكان أحمد في ذلك الشارع الساحر، رحب بنا وأذن لنا بتصويره قائلًا إنّ المشموم التستوري هو هوية ورمز ثقافي حرفي للمدينة وهو عادة من عادات الأهل هنا وخاصة في مناسبات الأفراح، كما يطلبه السياح الذين يقصدون مدينتنا. وأشار رضا إلى أنه يصنع جميع أنواع "المشامم" و"الشرك" (عقد يوضع في الرقبة) سواء بزهر الفل أو زهر الياسمين.
وثمّن مشموم الفل عند رضا لا يتجاوز الدينار والنصف وهو ثمن زهيد مقارنة بأسعار المشموم في مدن أخرى وخاصة الساحلية منها مثل الحمامات ونابل وجربة وسيدي بوسعيد.
اقرأ/ي أيضًا: تستور: قلعة الأندلسيين تحيي رمضان على خطى الموريسكيين
من جهته، أكد الأستاذ بحري بوغانمي، عضو جمعية تراث تستور، أنّ مشموم الأقواس التستوري هو علامة تراثية وثقافية من علامات تستور وعادة جلبها معهم أهل الأندلس، هذا المشموم هو مكون من مكونات الأناقة لدى التستوري ودلالة على الانسجام والسعادة والإقبال على حب الحياة، وهذه العادة توارثتها الأجيال وحافظت عليها كذكرى طيبة عن الديار في شبه الجزيرة الإيبيرية. وبيّن محدثنا أنّ هذا المشموم هو أيضًا علامة دالة عن حب الأندلسيين للجنان والبساتين والزهور وفي ذلك انسجام مع قول الشاعر ابن خفاجة الأندلسي:
"يا أهل الأندلس لله دركم.. ماء وظل وأنهار وأشجار.
ما جنة الخلد إلا في دياركم.. ولو تخيرت هذا كنت أختار"
وأضاف البحري بوغانمي أن زهرة الفل التي تحولها أصابع "الصنايعية" إلى "مشامم" جميلة تكاد تكون موجودة في كل المنازل التستورية وخاصة المنازل التي مازالت تحافظ على النمط المعماري الأندلسي، مضيفًا أن وسط الدار (الفناء ما بعد السقيفة) لا تغيب عنه ثلاث نباتات وهي الفل والنارنج والياسمين. أما الحلفاء المجففة فهي تفد من السباسب التونسية لسوق تستور وتستعمل لعدة أغراض فلاحية وحرفية، والجيد منها يستعمل لصناعة المشموم.
أما نقطة الحرير الحمراء أو الصفراء التي توضع بعناية ودقة وسط المشموم فتكون أبرز من زهرات الفل فقد أوضح البحري بوغانمي أنها توضع لغرض حماية الزهرات من ارتطام الأنف بها عند عملية الشم فلا تذبل الزهرات ويطول عمر المشموم.. ولمسة الحرير تلك تأخذ من دكاكين صناعة الجبة التستورية، وفقه.
بحري بوغانمي (عضو جمعية تراث تستور) لـ"الترا تونس": مشموم الأقواس التستوري هو علامة تراثية وثقافية من علامات تستور وعادة جلبها معهم أهل الأندلس، وكان يُطلب من قصر قرطاج زمن بورقيبة ليقدم للضيوف في بعض المناسبات
ومن الذكريات التي يحفظها البحري بوغانمي عن مشموم الأقواس أنه كان يُطلب من قصر قرطاج زمن بورقيبة ليقدم للضيوف في بعض المناسبات كما كان يقدم كهدية ترمز إلى مدينة تستور خلال المهرجان الدولي للمالوف في الصيف.
وأضاف: "وأذكر أن عقيلة الوزير الأول الراحل الهادي نويرة وهي الرئيسة الشرفية للمهرجان آنذاك كانت تحب هذا المشموم وتطلبه في كل مرة وتعتبره من العلامات الثقافية المميزة لتستور الأندلسية".
أما العائلات التستورية التي عرفت بصناعة هذا المشموم فقد ذكر بحري بوغانمي عائلات الكعاك وبن إسماعيل والسوسي..
وختم محدثنا بأنه "لا خوف على هذه الصنعة من الانقراض والزوال لأن أهل تستور على وعي كبير بالمحافظة على مشمومهم الرمز 'مشموم الأقواس' العابر للأزمان وبه نستقبل كل زائر لمدينتنا (تمثال مشموم الأقواس في مدخل مدينة تستور).
هذا المشموم الجميل الذي يميز تستور، ويروي جانبًا من سردياتها وقصص رحيل المورسكيين من الأندلس إلى تونس، يبقى من العلامات التراثية التونسية المميزة التي تتطلب حماية ورعاية صيانة حتى يستمر ويتواصل.
الكلمات المفتاحية
بئر "لافيات" بالعاصمة تونس.. مَعلمٌ يقاوم النسيان
الآبار القديمة بالعاصمة تونس لم تكن كثيرة، لكنها قديمة وشاهدة على التاريخ الاجتماعي للتونسيين إذ توجد بئر مماثلة لبئر لافيات بنهج الملاحة مباشرة قبالة محل المرطبات الشهير "خرزة" وليس بعيدًا عن ساحة العملة وساحة روما، وأخرى بسيدي البحري بباب الخضراء قرب محطة الحافلات حاليًا.
مناطق ذات خطر مرتفع.. أين يتركز النشاط الزلزالي في تونس؟
قسم الباحثون البلاد وتحديد 13 منطقة لنشاط زلزالي محتمل، استنادًا إلى سجل الهزات التاريخية والأنشطة الزلزالية، وتحديد خصائص الصدوع النشطة وميكانيكية البؤر الزلزالية في كل منطقة.
بالصور.. تعرّف على منارات تونس وتاريخها
هذه المنارات التونسية، بني 16 منها زمن الاستعمار الفرنسي لتونس وذلك بداية من سنة 1888، وقد ذهبت فرنسا إلى إنشاء هذا العدد من المنارات بعد أن تعددت مصالحها في تونس.. تعرّف عليها
طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات