مسرحية

مسرحية "ذاكرة قصيرة".. حينما يكون الإنساني رهين السياسي

480 مشاهدة
كوميديا سوداء تسافر بك في الزمان والمكان والأفكار (الصفحة الرسمية لمدينة الثقافة بالفيسبوك)

على عتبة لحظات بعينها يلتقي الماضي البعيد بالحاضر ويتوحدان  ليكوّنا متغيرًا نفسيًا وحسيًا قد يعقبه سيل من الذكريات، تحضنه الوسائد أو الطرقات وربما الروائح والنكهات. أنت في الحقيقة لا تحبس الماضي في ركن من دماغك، الماضي عصي على أن تسجنه في رأسك الماضي ممتد في الزمان والمكان إلى درجة قد تجعل كتفيك غير قادرين على حمل رأسك الذي يحاول أن يمسك بكل خيوطه.

مسرحية "ذاكرة قصيرة" مساءلة للذاكرة الجمعية ومحاكاة لبعض الوقائع التي شهدتها تونس في ثماني سنوات

صراط قُدّ من ذكريات يرتسم في ذهنك وأن تسرد على مسامعك قصصك منذ أن صرت تفقه معاني الأشياء، صراط لا تقف عيناك على مداه حتى أنك تقنع نفسك بإسقاط بعض الذكريات عمدًا وقد سقط بعضها الآخر سهوًا. ذكرياتك الخاصة، ماضيك الشخصي بكل تجاربه قد يرهقك مجرد التفكير في تدوينه في فكرك، وقد تكون صاحب ذاكرة قصيرة وتنسى الأحداث كأنها لم تكن، فما بالك بذكريات وطن وشعب في ظل تسارع وتيرة الأحداث.

ولكن هل تساءلت يومًا عن محددات الذاكرة القصيرة، إلى أي مدى زمني يمكن أن تمتد هذه الذاكرة، وهل هو قصر شخصي أم جماعي، ذاتي أو موضوعي، دائم أو مؤقت، ثابت ام متغير؟

مسرحية "ذاكرة قصيرة" رحلة تعود بك إلى سنة ثمانية وألفين وتتوقف بك سنة ستة عشر وألفين (الصفحة الرسمية لمدينة الثقافة بالفيسبوك)

اقرأ/ي أيضًا: أول دورة لأيام قرطاج للفن المعاصر.. العائلة التشكيلية تنهض من تحت الرماد

"ذاكرة قصيرة" للمخرج وحيد العجمي ربما تحمل إجابات عن بعض هذه الأسئلة، فهي الكوميديا السوداء التي تسافر بك في الزمان والمكان والأفكار وتدفعك إلى التأمل في مسار الأحداث التي جدّت في تونس ذات ديسمبر/ كانون الأول وانتهت بمغادرة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تونس، تجعلك تسأل هل سقط النظام فعلًا، وهل ما عقب تلك الفترة من أحداث حقًا وليد ثورة؟

المسرحية التي افتتحت الموسم الجديد لقطب المسرح والفنون الركحية بمدينة الثقافة بالعاصمة تونس، مساء الجمعة 21 سبتمبر/ أيلول 2018، رحلة تعود بك إلى سنة ثمانية وألفين وتتوقف بك سنة ستة عشر وألفين، أنت هناك في زمن سنتين خلتا.

هي رحلة وطن وعائلة قد يخيل إليك أنها تمضي في سبيلين متوازيين ولكن تشابك الأحداث وتقاطعها يشكل واقعها. هي مساءلة للذاكرة الجمعية ومحاكاة لبعض الوقائع التي شهدتها تونس في ثماني سنوات نسيها أصحاب الذاكرات القصيرة، تعرية لفترة من الزمن بأسلوب تماهت فيه الجدية بالسخرية حتى تصيب الفوضى أحاسيسك فلا تقوى على تحديد اللحظة التي تضحك فيها أو التي تتأثر فيها حد البكاء، حتى أنك قد تبكي وتضحك في ذات الآن.

على امتداد خمسة وسبعين دقيقة، خطّ 4 ممثلين فصول كوميديا سوداء، نهلة زيد، ولبنى نعمان، ورضا جاب الله وخالد الفرجاني في أدوار "مريم"، و"نزهة"، و"عمران" و"حسن"، وهم الشخصيات المفصلية للمسرحية.

"لا شيء يحدث صدفة" ربما تكون هذه المفردات مفتاح مسرحية "ذاكرة قصيرة"

نزهة ممرضة بالمستشفى العمومي "ملائكة الرحمة"، وهي ربما تسمية ساخرة من وضع بعض المستشفيات العمومية، تطرد من عملها بعد إقامتها علاقة جنسية مع أحد المرضى وتحال على التحقيق ولكن من حسن حظها وربما من سوء حظها أن وقعت في يد أحد الأمنيين الذي استغل الظرف وقايض حريتها وإخلاء سبيلها باستغلالها في إحدى المهمات "القذرة".

الأمني ليس سوى حسن"، الذي تسبب في سجن والده "الجيلاني" بتهمة الجوسسة، وهو نموذج "البوليس" الذي لا يجيد التعامل إلا بالعصا والأساليب الملتوية، هو نتاج منظومة قمعية المصادر لأي حق في الاختلاف وقد لا يتردد في نصب الشراك لأخيه من أجل عيون النظام.

عمران الأخ المعارض الثوري الذي أمضى سنوات الجامعة هاربًا من "بوليس النظام"، على عكس أخيه ينشد تغيير الواقع ويحلم بغد آخر، شارك في اعتصام القصبة 1و القصبة 2 وصرخ مطالبًا بالكف عن استعمال غاز مسيل للدموع إسرائيلي الصنع، وهي في الواقع سخرية من سذاجة البعض وسطحية فهمهم لبعض الأمور،  واستراتيجيات الإلهاء والنقاشات البيزنطية التي وسمت الأجواء العامة.

عرّجت مسرحية  "ذاكرة قصيرة" على الممارسات القمعية لأعوان السجون والإصلاح في حق بعض المساجين في فترة حكم بن علي (الصفحة الرسمية لمدينة الثقافة بالفيسبوك)

أما مريم فهي صحفية كلّت ظروف العمل المزرية وسئمت الإشاعات والأخبار الزائفة وقررت أن تصبح مديرة لأحد الملاهي الليلية حيث تعرّفت على حسن لتنشأ علاقة بين الأمني والصحفية التي أحاطت نفسها على شرف المهنة، وهي محاكاة للعلاقة الجدلية بين الصحفيين والأمنيين التي كانت دائما محل نقاش.

بشخصيات تقطر تركيبتها تناقضًا، يعرّي وحيد العجمي النظام السياسي والبناء المجتمعي ويجعلك في مواجهة قيم تالفة وأفكار بالية ومنظومة سلوكية فاسدة.

المسرحية عرّجت على الممارسات القمعية لأعوان السجون والإصلاح في حق بعض المساجين في فترة حكم بن علي، مساجين تراوحت تهمهم بين الانتماء والحق العام، ولئن صور الممثلون مشاهد التعذيب بطريقة كوميدية فإنها كانت قاسية بقدر ما هي مضحكة.

"لا شيء يحدث صدفة" ربما تكون هذه المفردات مفتاح المسرحية، فالنظم السياسية القمعية تخطط لكل شيء ولا تنكشف خططها إلا بالتقادم، حسن تجاهل الرابط الدموي الذي يربطه بأخيه، وخطط لاستدراجه للزواج من نزهة التي طردت من عملها من أجل إقامة علاقة جنسية مع أحد المرضى في مستشفى عمومي، ولكي تنفذ من السجن قبلت وأغوت عمران الذي ظلّ يظن أن الأمر وليد الصدفة، وأن نزهة ممرضة متطوعة في اعتصام القصبة.

اقرأ/ي أيضًا: تنطلق يوم 19 أكتوبر: تنظيم الدورة التأسيسية لتظاهرة "المعرض الوطني للكتاب"

"ذاكرة قصيرة" تكشف حجم الهوة التي قد يخلقها النظام السياسي داخل العائلة الواحدة

على ركح مسرح الجهات، يخيل إليك أن الممثلين أفرغوا الواقع من جوهره، أحداث غير متوقعة وأفعال قد تتجاوز حدود المنطق، والا كيف لـ" الجيلاني" الذي قبع في السجن أن يتحول إلى شهيد من شهداء الثورة بعد تلقيه رصاصة في الرأس غداة هروبه من السجن، الجيلاني علّقت صورته في قصر قرطاج.

"ذاكرة قصيرة"، تكشف حجم الهوة التي قد يخلقها النظام السياسي داخل العائلة الواحدة، نظام يصور لأبنائه أن إخوتهم أعداء فيكيدون لهم مثلما فعل حسن مع عمران، حسن ذلك "الشيطان" الذي ينهى عن المنكر فلا يخجل من تقديم المواعظ لأخيه إذ وجد لديه سيجارة "زطلة".

والمسرحية تفضح ممارسات فاسدة، ممارسات تقوم على استغلال الأوضاع الحرجة التي قد يمرّ بها البعض من أجل تحقيق مآرب دنيئة، تسخر من الهالة المحيطة بمراسم الاحتفالات ذات المحتوى الواهي والتي لا تعدو أن تكون مجرد فضاء لإلقاء خطب جوفاء.

وبالتوازي مع النظام السياسي يقوم بناء اجتماعي هو بالضرورة نتاج لهذا النظام ينهل من معينه، بناء تتداخل فيه المفاهيم والقيم وتغيب عن سبل الحوار والتحاجج العقلاني وهو ما يظهر في الحوارات التي تدور بين نزهة و عمران اللذين تزوجا بعد أن وعدها بمعاملة الولد الذي تحمله في أحشائها كابنه، والحوارات بين مريم وحسن اللذان التقت مصالحهما فتزوجا، لا تخلو من صراخ وتشنج.

البناء المجتمعي يلقي بضلاله في "ذاكرة قصيرة" (الصفحة الرسمية لمدينة الثقافة بالفيسبوك)

وبالإضافة إلى طريقة التحاور الأقرب إلى المعركة الكلامية والتي قد تصل أحيانًا إلى التشابك فإن الطريقة التي تمت بها الزيجتان تدفع إلى التساؤل إلى أي حد يمكن أن يصمد هذا النوع من العلاقات، ناهيك عن تأرجح عمران المعارض والثوري بين العربدة والعبادة وهي ثنائية ظهرت أيضًا في نقاشه مع شقيقه خلال تأبين والدهما.

والبناء المجتمعي يلقي بضلاله في "ذاكرة قصيرة" عبر الحوار الذي دار بين نزهة وعمران حول تنشئة الطفل "مبروك" والتباين في وجهات النظر بينهما إذ تخير اللين والرفق والحوار ويخير زوجها الضرب لأنه في تصوره يصنع "الراجل".

ومبروك لم يكن في الحقيقة سوى نتاج علاقة نزهة والجيلاني في المستشفى، مبروك ليس إلا أخًا لعمران وحسن، حقيقة تبلورت في نهاية المسرح في القصر الرئاسي أمام الصورة الحائطية للجيلاني.

المسرحية التي تحاكي واقعًا، قد تخالها أحيانًا تتجاوزه، لا تترك للملل مجالًا ليتسلل إليك وتملأ كل الفراغات بصور على الشاشة، وألوان طغى عليها الأبيض والأسود في محاكاة لطبيعة الذكريات، وموسيقى صاخبة، وأغان أدتها نزهة وعمران.

بمؤثرات سمعية وبصرية، حاول وحيد العجمي في هذا العمل أن يجمع ثماني سنوات مضت في مستويات مختلفة من الذاكرة الشخصية والجمعية بطريقة قد تبدو لك مرتبكة ومشوشة ولكنها في الواقع مراوحة ذكية بين ماهو ذاتي وماهو موضوعي، مراوحة تعري ارتهان الإنسان للسياسة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فلسفة الحضرة.. الرقص والغناء طرق إلى الله

تتضمن عروضًا متنوعة: برمجة المكتبة السينمائية التونسية في موسمها الجديد