مساجد وجوامع وزوايا سوسة تحتفي بشهر رمضان على طريقتها
28 فبراير 2025
مساجد وجوامع وزوايا مدينة سوسة تحتفي بشهر رمضان الذي يمثل موعدًا سنويًّا مليئًا بالروحانيات والذكر والصلوات والتراتيل والابتهالات، وكذلك سهرات الطرق الصوفية والسلامية والإنشاد الديني.
دأب أهل المدينة منذ قرون على الحفاظ على تقاليدهم خلال الشهر المعظم بما تيسر لهم من فضاءات دينية تجسد الحراك الديني والاجتماعي وتعكس تقاليد المدينة وعاداتها في الاحتفاء بالشهر المعظم ومركز الإشعاع، في المساجد والجوامع والزوايا.
حركية دائبة منذ الفجر، فترى الشيوخ والشباب والفتية بين منظف ومزيّن ومرتب للبيت. ذاك يعتني بالمنابر والآخر بالمصادح، والبعض يهيؤون الأفرشة والحصائر ويزيلون آثار الغبار والنّدى من الجدران، وكلٌّ يعتبر نفسه إمامًا في مهامّه ومعتدًّا بما يعمل تقرّبًا لله بأعماله.
دأب أهل سوسة منذ قرون على الحفاظ على تقاليدهم خلال رمضان بما تيسر لهم من فضاءات دينية تجسد الحراك الديني والاجتماعي وتعكس عادات المدينة
ولا تغيب عن الحاضرين روح التندّر والفكاهة وتداول الروايات الشفوية حول ما حدث في هذه الأماكن من آثار وكرامات ونوادر وطرائف ممزوجة بالعجائبية والغرائبية حتى تعهد أنك تحيا الأزمان المتعاقبة في لحظة واحدة.
إن ما يميز المدن التونسية التاريخية في شهر رمضان حفاظها على إرث السلف الديني من شعائر وعادات وتقاليد تنطلق من المساجد والجوامع والزوايا لتشعّ على المجتمع بأسره وتلمس قوته ومعاشه ومعاملاته وروابطه الأسرية ومعتقداته الشخصية.
أقدم مساجد المدينة العتيقة مسجد "بو فتاتة" الذي تم تشييده أثناء فترة حكم الأمير الأغلب بن إبراهيم الذي عرف بأبي العقال والذي تواصلت فترة حكمه بين منتصف شهر رجب 223 هـ و23 ربيع الثاني سنة 226 هـ / جوان/يونيو 838 و19 فيفري/شباط 841 م تاريخ وفاته.
ترى الجميع بين منظف ومرتب للمساجد، ذاك يعتني بالمنابر والآخر بالمصادح والبعض يهيؤون الحصائر ويزيلون آثار الغبار من الجدران، وكلٌّ يعتبر نفسه إمامًا في مهاه
هو مسجد حي لأنه يقع وسط منطقة اختصت بالسكن عكس الحومة الجوفية التي احتوت معظم الأنشطة الاقتصادية والتجارية والإدارية، يتزين خلال شهر رمضان بالمصابيح وتتردد الابتهالات من صومعته في المنطقة القبلية من المدينة.
لا يزال هذا المعلم محافظًا على خصائصه التخطيطية والإنشائية الأصلية، وقد عرف إضافة قسم لبيت الصلاة مع المحافظة على قسمها الأصلي، وقد بيّنت إحدى الوثائق الأرشيفية أنّ أحمد بن الصادق كمون إمام الصلوات الخمسة بهذا المسجد كان قد طالب رئيس الحكومة الطاهر بن عمار بتاريخ 19 أفريل/نيسان 1955 بالسماح له بتولي الأذكار الليلية التي تعرف بـ"السمّار" بالمسجد.
الجامع الكبير بسوسة أكبر الجوامع في المدينة وهو أول مسجد جامع بمدينة سوسة تقام فيه الصلوات الخمسة وصلاة الجمعة وفق المذهب المالكي، شُيّد سنة 237 هـ/ 851 م أثناء فترة حكم الأمير الأغلبي الخامس أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم وأشرف خادمه "مدام" على الأشغال، وفق ما ذكره محمد اللواتي المكلف بالبحوث الأثرية والتاريخية بالمعهد الوطني للتراث والمكلف بالإشراف العلمي على المعالم والمواقع الإسلامية بولاية سوسة.
بمناسبة شهر رمضان تنطلق أشغال الصيانة في الجامع الكبير بسوسة ونظرًا لعظمته واتّساعه يشارك العشرات من المتطوعين في الصيانة والتنظيف
بمناسبة شهر رمضان تنطلق أشغال الصيانة فيه أسابيعَ قليلة قبل حلول الشهر المبارك ونظرًا لعظمته واتّساعه يشارك العشرات من المتطوعين في الصيانة والتنظيف وترتيب جميع مرافقه والحرص على الإنارة الخارجية والداخليّة، تلك الإنارة التي تحافظ على اصفرارها حتى تضفي تلك المسحة القديمة وكأنها نيران خافتة ملتهبة فتحسب نفسك في أربطة المتزهدين المتعبدين والموحدين لله في قيامهم وقعودهم، علمًا وأنّ عدد مرتادي الجامع الكبير يتجاوز سكان المدينة ليشمل المحافظة كلّها ولا تهدأ حركة الجامع ليلًا أو نهارًا طيلة الشهر المكرّم فتقام الاحتفالات والدروس والأذكار ويكون قبلة العلماء والمشايخ من كافة أرجاء البلاد.
الجامع الحنفي أو جامع "للا زمردة" يعرف بالجامع الحنفي نسبة للفئة الحنفية القاطنة بمدينة سوسة ويعرف بجامع زمردة نسبةً على الأرجح إلى ولية صالحة كانت تسكن مدينة سوسة.
تتزين واجهة الجامع الحنفي بالمدينة العتيقة بسعف النخل في شكل قوس يحيط بأبوابه وتُعلّق المصابيح الملونة على واجهته فتنبعث منها ألوان متعددة خضراء وصفراء وحمراء فتضيء النهج وتضفي بهجة على المكان احتفاءً بالشهر المعظم.
يقع الجامع الحنفي على الجهة اليسرى من نهج سيدي أبي راوي في اتجاه الغرب وعلى الجهة اليمنى من نهج المدينة المؤدي إلى نهج الأغالبة في اتجاه الشمال. وشُيّد الجامع الحنفي خلال القرن السابع عشر ميلادي قصد أداء صلاة الجمعة والصلوات الخمسة للجالية التركية الحنفية القاطنة بمدينة سوسة.
تتزين واجهة الجامع الحنفي بسوسة بسعف النخل في شكل قوس يحيط بأبوابه وتُعلّق المصابيح على واجهته فتصدر منها ألوان متعددة تضفي بهجة على المكان
ويعتبر الجامع الحنفي أحد المعالم التاريخية الهامة جدًا بمدينة سوسة رغم تجديده وفقدانه لمعظم خصائصه الإنشائية والتخطيطية الأصلية.
وقد بينت الوثائق الأرشيفية أنّ أهالي مدينة سوسة الذين يتقدمهم قاضيها شكّلوا لجنة تشرف على إصلاح المعالم الدينية التي تضررت بالقصف الجوي أثناء الحرب العالمية الثانية.
وعلى غرار المساجد والجوامع تشهد زاوية "سيدي بوراوي"، أو ما يطلق عليه بزاوية "سيدي أبي راوي" إذ كانت الزاوية في الأصل مسكنًا خاصًا شيد أثناء العصر الوسيط تم توظيفه زاوية بعد وفاة سيدي أبي راوي أوائل القرن السادس عشر ميلادي، حركية نشطة.
وتتميز هذه الزاوية بموقعها الهام لأنها شيدت بطرف حي سكني يحاذي منطقة أسواق المدينة وهي أحد المعالم التاريخية التي كانت في الأصل مسكنًا خاصًا تطور مع الزمن إلى أن أصبح مركبًا معماريًا يجمع بين الزاوية والضريح والمسجد وعدة غرف سكنية.
وتعتبر هذه الزاوية مزارًا لأهل سوسة تتكثف فيه خلال رمضان حلقات الذكر وحفظ القرآن واستقبال الفقراء وذوي الحاجة. وكانت الزاوية مقرًا لمريدي الطريقة السُّلامية التي أسسها سيدي أبي راوي ونال شيخها حميدة بن محمد بن قاسم أمر ولايتها سنة 1863 ميلادي، ثم وظفت بعد مماته للزيارة والتبرك وتعليم القرآن وإطعام الفقير وإيواء عابري السبيل. وهي أكثر الزوايا الواقعة داخل مدينة سوسة أهمية معمارية ومكانة اجتماعية وعقارات موقوفة.
تعتبر زاوية "سيدي بوراوي" مزارًا لأهل سوسة تتكثف فيه خلال رمضان حلقات الذكر وحفظ القرآن واستقبال ذوي الحاجة، وكانت مقرًا لمريدي الطريقة السُّلامية
أما خارج أسوارالمدينة العتيقة فإن جامع سيدي بوجعفر يستقطب عددًا من رواده في شهر رمضان، الذين يستعدون له بما يجود به المتطوعون وأهل الخير من أطعمة وألبسة ووضعها على ذمة الفقراء والمساكين.
معلم سيدي أبو جعفر من أهم المعالم المهمة في الذاكرة الشعبية والتراث الأثري المادي الموجود في مدينة سوسة ومنه تمت تسمية شاطئ سيدي بو جعفر، وهذا المعلم مميز جدًا لأنه يضم مقامين؛ مقام سيدي بو جعفر الأربصي وسيدي أبو جعفر القمودي وهما دفينان في الفترة الوسيطة، وفق ما ذكره الباحث محمد علي الخرشفي لـ"الترا تونس".
كما ذكر الباحث في التاريخ الحديث عادل بن يوسف أن هذا المعلم يحتوي بيوتًا للزوار ومقام أبي جعفر القمودي نسبةً إلى قمودة من منطقة سيدي بوزيد. كان مشرفًا على البحر مشيّدًا فوق الكثبان الرملية. وقد ازدهرت الزوايا في الفترة الحسينية في عهد حسين بن علي الذي كان يعتقد كثيرًا في الزوايا والأولياء الصالحين وخصصت لها المبالغ المالية للترميم والصيانة وأحدثت في كل زاوية مدارس وكتاتيب ومقار لإيواء الطلبة.
إن المقامات والزوايا تلعب دورًا اجتماعيًا وعلميًا بارزًا خاصة في شهر رمضان المعظم. ولعل ما يدفعنا إلى تعداد هذه المعالم التاريخية والدينية في مدينة سوسة والكشف عن دورها الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي الحفاظ على الخصوصية الحضارية وتنمية المعارف العلمية لدينا باعتبارها عنصرًا مكونًا للهوية.
باحث في التاريخ الحديث لـ"الترا تونس": ما يدفعنا إلى تعداد المعالم التاريخية والدينية في سوسة والكشف عن دورها الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي هو الحفاظ على الخصوصية الحضارية باعتبارها عنصرًا مكونًا للهوية
وقد توفرت عدة محاولات لإحصاء المعالم التاريخية الإسلامية بالمدينة، إذ بدأت أول الأعمال مع طلاب مدرسة باردو الحربية التي أنجزت سنة 1857 وتمثل في "أطلس جغرافي وإحصائي لقيادتي سوسة والمنستير خلال منتصف القرن 19 م" وقد أفضى إلى إحصاء جامعين للخطبة و40 مسجدًا و44 مقامًا وضريحًا وزاويةً فيكون العدد الجملي 86 معلمًا"، وفق ما ذكره الباحث محمد اللواتي في العدد الثالث من موسوعة سوسة.
كما قامت جمعية الأوقاف بعمليات جرد للمعالم الدينية الإسلامية بمدينة سوسة خلال سنوات 1875 و1885 و1888 أحصت خلالها 72 معلمًا، وكذلك مشروع الخارطة الوطنية للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية بالبلاد التونسية بين سنتي 2006/2010.
ووفق ما ذكره الباحث في التاريخ أحمد الباهي، في تصريح لـ"الترا تونس"، فإن مدينة سوسة كانت تضم أكثر من 40 معلمًا وما جعل هذه الظاهرة تتفاقم وتتخذ أبعادًا معمارية وفنية، بروز تيار التصوف الذي ظهر في أواسط العهد الحفصي وانتشر في كامل البلاد.
باحث في التاريخ لـ"الترا تونس": "الزوايا والمعالم الدينية لعبت دور الوسيط الاجتماعي في العصر الوسيط والحديث إذ لم تكن هناك فضاءات كالمقاهي والمطاعم والنوادي، بل كان الناس يلتقون في الزوايا"
كما يشير الباهي إلى أنّ "الزوايا والمعالم الدينية لعبت دور الوسيط الاجتماعي في العصر الوسيط والحديث إذ لم تكن هناك فضاءات كالمقاهي والمطاعم والنوادي، بل كان الناس يلتقون في الزوايا كما كانت الزوايا فضاءات للّقاء المختلط، وهو الفضاء الوحيد الذي يلتقي فيه الرجال والنساء ولذلك اعتبرناها فضاءات للوساطة الاجتماعية فهي ليست مخصصة للعبادة والصلاة والتزهد والخلوة فقط".
وأكد الدكتور أحمد الباهي في حديثه لـ"الترا تونس" أنه لا بدّ من برنامج متكامل ممتد من أجل تكوين ملف للترتيب والحماية، معقبًا: "هذا ما دفعنا إلى الانطلاق فيه وهو يتطلب مجهودًا كبيرًا وإمكانيات، ونحن في جمعية صيانة المدينة بالتعاون مع المعهد الوطني للتراث وجمعية الاتحاد الثقافي وجمعية البحوث والدراسات في ذاكرة سوسة نحاول تسجيل 5 معالم في نفس الوقت، وهو تحدٍّ كبير".
وتابع في هذا الإطار: "في نهاية 2025 نكون قد قدمنا الملفات كاملة للجنة الوطنية للتراث التي ستنظر فيها وتتداولها وتدافع عن هذا الملف ومناقشته بضوابط فنية وتدرج إثر المصادقة بالرائد الرسمي، ويمكن بعد ذلك الحديث عن معلم مرتب محميّ في مدينة سوسة"، مشيرًا إلى أنّ "من بين المعالم التي يسعون إلى إدراجها كمعلم تراثي وطني زاوية سيدي بوراوي وسيدي بوجعفر والجامع الحنفي ومسجد الباشا، كما سنعمل في المستقبل على مخطط لترسيم 20 معلمًا ونطمح إلى إدراج 4 أو 5 معالم كل سنة"، وفق تصريحه.
الكلمات المفتاحية
زيادات في أسعار الأدوية تخلّف استياءً واسعًا ومخاوف على المرضى في تونس
خلّفت مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار زيادات في أسعار عدد منها، بعد المنشور الصادر مؤخرًا عن الصيدلية المركزية المتعلق بتحيين أسعار الأدوية والذي شمل نحو 300 دواء، تفاعلات عديدة في تونس.
البلاستيك مقابل الكراسات.. ما قصة هذه المبادرة البيئية الفريدة في قرقنة؟
مبادرة بيئية في قرقنة تحثّ التلاميذ على جمع النفايات مقابل مستلزماتهم المدرسية بعنوان "قرقنة صفر بلاستيك" وتحت شعار "معًا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة".. إليك التفاصيل
قمم مبتورة.. عندما تتحول الجبال في تونس إلى أكياس أسمنت
"ندوب" بيضاء ورمادية هائلة تشقّ الجبال وتلوح للناظر من على بعد كيلومترات. إنّها مقاطع الحجارة والرخام والحصى التي تعمل منذ عقود دون توقف..
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية
سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال
تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج
رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين
نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..
إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات
أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..