مرضى الهيموفيليا في تونس وخطر فقدان الأدوية.. العيش على حافة النزف الدائم
25 ديسمبر 2025
خطواته محسوبة، وكل حركةٍ منه تخضع لحذرٍ ورقابة شديدة من الأهل. فالألم يسكن مفاصله دومًا، يذكّره كلّ مرة بأنّ ممارسة أي لعبة صغيرة قد تتحول إلى نزف خطر. ففي عروقه يسكن مرض خفيّ اسمه الهيموفيليا، يجعل من أبسط الجراح نزيفًا لا يتوقف، ومن اللعب مغامرة محفوفة بالخطر.
زكرياء، ذاك الطفل البالغ من العمر 11 سنة لا يعيش منذ ولادته كبقية الأطفال. "كلّ شيء ممنوع، لا يعرف معنى الركض وراء كرة أو لعب الأرجوحة أو حتى الركض في ساحة المدرسة. عليه أن يمشي بحذر شديد والحال أنّه قد يتعرّض إلى نزيف حتى خلال نومه". وفق ما تشير إليه والدته.
يعدّ الهيموفيليا اضطرابًا وراثيًا، نتيجة نقص عوامل التخثّر المساعدة على إيقاف النزيف. ولا يوجد علاج شاف لهذا المرض، بل يعيش مرضاه باستعمال دواء مزمن والخوف الدائم من أي نزيف
تضيف شادية خلال حديثها عن مرض ابنها: "نعم، زكرياء قد يتعرّض إلى نزيف حتى خلال نومه. فأيّ حركة قد تتسبب في نزيف داخلي لا يشعر بآلامه سوى خلال الاستيقاظ. فمرضه لا يعني أنّه يتعرّض إلى نزيف لمجرد إصابته جراء سقوطه أو تعثرّه. قد يتعرّض إلى نزيف داخلي دون أيّ سبب".
ويعدّ الهيموفيليا اضطرابًا وراثيًا ينتقل من الآباء إلى الأبناء، نتيجة نقص عوامل التخثّر. إذ تساعد عوامل التخثر على تكوين الجلطات لإيقاف النزيف. لكنّ الأشخاص المصابين بالهيموفيليا لديهم مستويات منخفضة من عامل التخثر الثامن (الهيموفيليا أ) أو التاسع (الهيموفيليا ب). ولا يوجد علاج شاف للهيموفيليا، بل يعيش المرضى باستعمال دواء مزمن. ويمكن للعلاج أن يساعد فقط في التحكم في النزيف ومنع المضاعفات الخطيرة. وتعتمد شدّة المرض خفيف، متوسط، أو شديد على كمّية عامل التخثر الموجود في الدم. وذلك وفق منظمة الصحة العالمية.

وقد أشارت شادية عروة رئيسة جميعة مرضى الهيموفيليا إلى أنّ "عدد المصابين بهذه المرض في العالم يبلغ حوالي 460 ألف مريض تخثّر الدم بصفة عامّة، والهيموفيليا هو نوع من أنواع أمراض تخثّر الدم. أما في تونس فيبلغ عددهم 1380 مريضًا من بينهم 635 مريض هيموفيليا والبقية مصابون بأمراض أخرى لتخثّر الدم، حسب إحصائيات سنة 2024 التي قامت بها الجمعية التونسية لمرضى الهيموفيليا بالتعاون مع أقسام أمراض الدم في المستشفيات تونس وسوسة وصفاقس وجربة".
رئيسة جميعة مرضى الهيموفيليا لـ"الترا تونس": عامل التخثّر يجب أن يُوجد في أجساد المصابين بالهيموفيليا، لذا لا بدّ أن يتوفر الدواء بطريقة لا تنقطع، وبطريقة عادلة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ولكن هذا غير موجود حاليًا
وتضيف محدّثتنا: "يحتاج المرضى حقن العامل الذي ينقصهم وهو المسؤول عن تخثّر الدم. وقبل ثلاثين سنة كان يتمّ التبرّع بالدم من قبل الناس ثم تقع تصفيته من الكريات الحمراء، وحقن الكريات البيضاء لمرضى الهيموفيليا. ويبقى المريض مقيمًا في المستشفى 12 ساعة للحصول على علاجه الكامل. ولكن هذا الإجراء كان يتسبب في الكثير من المشاكل من بينها عدم إيجاد متبرعين بالدم، إضافة إلى إمكانية الإصابة بعدّة أمراض منقولة بالدم على غرار السيدا. والعلاج الآن بات يعتمد فقط على حقن العامل المسؤول على تخثّر الدم الذي يحتاجه كلّ مريض".
فقدان الأدوية في أغلب الجهات
ويعيش مرضى الهيموفيليا على حافة النزيف الدائم، خصوصًا في حال فقدان الأدوية اللازمة. إذ لم يعد الدواء مجرد وصفة طبية تُصرف، بل تحول إلى شريان حياة ثانٍ، أكسجين سائل يُضخ في العروق كل سبع ساعات. وكل يومٍ يمر دون جرعة تعويضية هو يوم محفوف بالمخاطر. فكل مريض يتعرّض إلى نزيف داخلي يجب أن يحقن جرعة من الدواء لتخثر الدم ووقف النزيف. وأي خدش بسيط دون الحصول على الدواء قد يتحوّل إلى طوفان دموي لا يتوقف. إذ تؤكد شادية عروة أنّ "الدواء يعدّ بالنسبة لمرضى الهيموفيليا بمثابة الأوكسجين.. لا يمكن الاستغناء عنه البتّة. فعامل التخثّر يجب أن يُوجد في جسدهم لذا لا بد أن يتوفر الدواء بطريقة لا يجب أن تنقطع، وبطريقة عادلة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ولكن هذا غير موجود حاليًا لأنّ عدّة جهات لا يتوفر فيها الأدوية الخاصة بمرضى الهيموفيليا"، وفقها.
شادية عروة (رئيسة جميعة مرضى الهيموفيليا) لـ"الترا تونس": في تونس، يبلغ عدد مرضى تخثّر الدم 1380 مريضًا من بينهم 635 مريض هيموفيليا والبقية مصابون بأمراض أخرى لتخثّر الدم، حسب إحصائيات سنة 2024
أما فيما يتعلّق بمنظومة العلاج، أكدت رئيس الجمعية وجود مراكز كبرى لعلاج مرضى الهيموفيليا وهي عزيزة عثمانة في تونس والهادي شاكر في صفاقس وفرحاة حشاد في سوسة. وفي كلّ مركز يوجد مختص الدم في قسم الهيموفيليا يحرص على الحصول على الكميات الكافية من الأدوية لجميع المرضى الذين يتوافدون على قسم الدم بتلك المراكز. لذا في بقية الجهات يضطر المرضى إلى التنقل نحو تلك المراكز للحصول على الأدوية، من القصرين والقيروان وعدّة جهات، حتى إنّ بعضهم لا يملكون الإمكانيات اللازمة للتنقل إلى سوسة وصفاقس أو العاصمة أو المناطق الأخرى التي يوجد فيها مراكز علاج هذا المرض. مع إمكانية عدم إيجاد الأدوية حتى في تلك المراكز في عدّة مناسبات. وقد تلقت الجمعية عدّة إشعارات من المرضى أو عائلاتهم عن عدم إيجاد الأدوية مما اضطر بعضهم إلى التنقل للمستشفيات لإيقاف النزيف، وفق تأكيدها.
اقرأ/ي أيضًا: مرضى الهيموفيليا.. حياة تحدّي النزيف الدائم
وأشارت في هذا السياق، إلى أنّها راسلت وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لحلّ مشكل عدم توفر الأدوية. لا سيما للفتيات المصابات بهذا المرض ويتعرّضن إلى نزيف خلال الدورة الشهرية.
تكلفة الدواء باهظة
تقرّ شادية عروة بأنّ الدواء مكلف للغاية، لكن الدولة تتكفل بتوفيره للمرضى. تقول: "ابني عمره 11 سنة يحقن الدواء مرة كلّ سبع ساعات. وتبلغ تكلفة الدواء في الأسبوع ما يقارب 750 دينار يعني قد تصل تكلفة الدواء شهريًا حوالي 2300 دينار. مع أنّ الدواء الذي يستعمله ابني ليس أحسن دواء، بل هناك دواء آخر يحمي بشكل أفضل من الأوجاع ولكن تكلفته الشهرية تبلغ قرابة 60 ألف دينار لذا لا تستطيع الدولة توفيره" وفق قولها.
مريض بالهيموفيليا منذ أكثر من 25 سنة لـ"الترا تونس": لم أعش طفولتي كبقية أترابي، تُقيّدني جملة من الممنوعات مخافة السقوط والتعرّض لأيّ إصابة ينجر عنها نزيف حاد، فضلًا عن الآلام المستمرة
وقد طالبت الجمعية منذ خمس سنوات بإحداث لجنة علمية طبية في وزارة الصحة خاصة بالهيموفيليا، تتكونّ من أطباء المراكز الثلاث والأطباء في الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام"، ومن مختصين في وزارة الصحة للقيام بالتفاوض حول الأدوية لتحسين وضعية علاج الهيموفيليا في تونس، وإمكانية اقتناء الدواء الذي بات يُستعمل في عدّة دول ويخفف الآلام أكثر.
الخوف من النزف الدائم
مروان، شاب مريض بالهيموفيليا منذ أكثر من 25 سنة، يقول إنّه لم يعش طفولته كبقية أترابه، تُقيّده جملة من المحظورات والممنوعات. لا يذكر أنّه شارك في لعبة كرة القدم مع أبناء حيّه، ولا سابق الريح ركضًا، مخافة السقوط والتعرّض لأيّ إصابة ينجر عنها نزيف حاد. عدا الآلام المستمرة التي تسكنه نتيجة حدوث نزيف داخلي دون أيّ سبب. وما يزيد الوضع سوءًا هو فقدان الأدوية في عدّة مناسبات، مما يضطره اللجوء إلى قسم الدم لإيقاف النزيف، أو أنه سيتعرّض إلى مضاعفات تجبره على الحصول على دم، وفق حديثه لـ"الترا تونس".

يضيف مروان: "أذكر أنني تعرّضت إلى نزيف حاد كاد أن يودي بحياتي بسبب إصابتي خلال حادث مرور، مما خلّف لي جملة من الأضرار ونزيفًا دام أكثر من يوم بسبب كثرة الجروح التي تعرّضت لها. ومنذ ذلك الوقت بتّ أكثر حذرًا من وقوع نزيف دائم".
هكذا يعيش مرضى الهيموفيليا، كل سقوط محتمل يعني معركة مع الألم ومواجهة نزيف خطر. وتبقى قوتهم في قدرتهم على التكيّف، والعيش رغم عدة محظورات وخطوط حمراء. كما تبقى معضلة فقدان الدواء أكثر من مجرّد أزمة علاج، بل هي مسألة نزيف لا يتوقف.
الكلمات المفتاحية

أبرز عادات شهر رمضان في تونس.. من بوطبيلة إلى موائد الإفطار
حول عادات التونسيين في رمضان، يذكر الشيخ محمد الحشائشي في كتابه "الهدية في العادات التونسية" في الجانب الذي خصصه لشهر رمضان المعظم: "جميع الحواضر يتأنق أهلها فيه وخصوصًا الحاضرة (العاصمة) وتكثر من ألوان الطعام والحلويات فيه وكل يدعو أحبابه للعشاء عنده (...) ويسرفون في ذلك زيادة على العادة، وتسرج فيه جميع المنائر بالمصابيح ليلًا ويحيون لياليه بالألعاب.."

اعتداء جنسي على طفل في روضة.. ملاحقة المشتبه بهم وغضب واسع في تونس
هزّت واقعة الاعتداء الجنسي على طفل داخل أحد رياض الأطفال مؤخرًا، الرأي العام في تونس، وتصاعدت مواقف الاستنكار لهذه الواقعة والمطالبة بالتحرك العاجل من طرف السلطات

زيادة بنحو 23%.. تصاعد نسق الاحتجاجات في تونس خلال جانفي 2026
منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: شهد شهر جانفي لسنة 2026، تصاعدًا في نسق الاحتجاج في تونس، بتسجيله 501 تحركًا احتجاجيًا أي بزيادة بنحو 23% مقارنة بنفس الفترة من سنة 2025

رفضت قبول جائزة في برلين.. كوثر بن هنية: ما حدث لهند رجب جزء من إبادة جماعية
كوثر بن هنية: ما حدث لهند رجب ليس استثناءً، بل هو جزء من إبادة جماعية، والليلة في برلين، هناك أشخاص وفروا الغطاء السياسي لتلك الإبادة عبر إعادة توصيف القتل الجماعي للمدنيين على أنه "دفاع عن النفس" أو كـ "ظروف معقدة" وعبر تشويه سمعة المحتجين

بعد سطو مسلح… نقابة التاكسي تطالب بتركيب كاميرات داخل السيارات
دعت النقابة الأساسية للتاكسي الفردي الجهات المعنية إلى الإسراع بفرض تركيب كاميرات مراقبة داخل جميع سيارات الأجرة، على غرار وسائل النقل العمومي الحديثة، بهدف الحدّ من الجريمة وتأمين الحماية الضرورية للسائقين والحرفاء. كما شددت على أهمية تدخل وزارة العدل لمراجعة العقوبات وتسليط أشدّ الجزاءات على المتورطين في جرائم السطو

طقس تونس.. سحب عابرة وارتفاع في درجات الحرارة
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي، يوم الأربعاء 18 فيفري 2026، بأنّ طقس تونس سيكون مميّزًا بسحب عابرة بأغلب المناطق وتكون الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة، ثمّ تتقوّى تدريجيًا لتصبح قوية نسبيًا قرب السواحل

"خرق للقانون".. وزارة المرأة: نحذر مؤسسات الطفولة من نشر صور الأطفال
ذكّرت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ القائمين على إدارة مؤسسات الطفولة الخاصة، يوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 من محاضن ورياض أطفال ومحاضن مدرسية ونوادي، أنّه يمنع منعًا باتًا نشر صور الأطفال عبر المواقع والمنصات وصفحات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت

