مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن
10 يوليو 2026
مقال رأي
قدّم وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد، في ورشة عمل نظّمتها الوزارة هذا الأسبوع، نتيجة دراسة قطاعية مفادها أنّ السوق الأوروبية ستحتاج إلى نحو عشرة ملايين مختصّ في تكنولوجيات المعلومات والاتصال بحلول سنة 2030، معتبرًا ذلك "فرصة يمكن استثمارها عبر إعداد كفاءات تونسية قادرة على الاستجابة للطلب الخارجي".
للوهلة الأولى يبدو التصريح براغماتيًا، بل متفائلًا. لكنّ قراءته على ضوء السياسات الفعلية للسلطة القائمة تكشف عن مفارقة أعمق: دولة ترفع شعار "السيادة الوطنية" في كل خطاب، بينما تُعيد هيكلة وظائفها الأساسية -من التكوين إلى الطاقة- وفق حاجات الخارج وشروطه.
ما يجمع بين تصريح وزير التشغيل وقرض البنك الدولي لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز ليس المصادفة، بل منطق واحد أي خطاب رسمي مكثف حول السيادة، في مقابل سياسات عملية وممارسات ومنهج تفكير مناقض تمامًا لذلك، وبمعنى آخر كلما ارتفع منسوب الخطاب السيادي، ازداد الارتهان الهيكلي عمقًا.
ما يقوله الوزير، بصياغة صريحة، هو أنّ الدولة التونسية ستوجّه منظومة التكوين المهني -وهي وظيفة سيادية بامتياز تُموَّل من المال العمومي- نحو تلبية حاجيات سوق الشغل الأوروبية لا التونسية. الدراسة القطاعية نفسها لم تنطلق من سؤال: ما الذي يحتاجه الاقتصاد التونسي من كفاءات رقمية لبناء قدرة إنتاجية وطنية؟ بل من سؤال معكوس: ما الذي تحتاجه أوروبا، وكيف نُعدّ له "المنتوج" البشري المناسب؟
بشكل عام بَنت السلطة القائمة شرعيتها على خطاب سيادي حادّ يتمثل في رفض "الإملاءات"، والتعويل على الذات، واستعادة القرار الوطني. لكنّ الممارسة الفعلية تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا وعلى جبهتين متكاملتين: على جبهة رأس المال البشري، وعلى جبهة رأس المال المادي
في الحقيقة هذا ليس تشغيلًا، بل إنتاج قوة عمل للتصدير. وبمعنى آخر الدولة تستثمر في التكوين، وأوروبا تجني العائد، كفاءات جاهزة، مكوَّنة على نفقة دافع الضرائب التونسي، تصل إلى سوق شيخوخة ديمغرافية أوروبية دون أن تتحمّل تلك السوق كلفة إعدادها. وما يعود إلى تونس هو التحويلات المالية للمهاجرين، أي أنّ الدولة تحوّل شبابها إلى مصدر عملة صعبة يسدّ عجز ميزان الدفوعات الذي عمّقته سياساتها نفسها.
بلغة ابن خلدون هذا استنزاف منهجي لـ"العصبية العمرانية"، الذي تحدثت عنه في كتابي الأخير "ابن خلدون والجيوبوليتيك"، أين حاولت استعادة المنطق الخلدوني لفهم مشاكلنا المعاصرة. العمران لا يقوم إلا بأهله، والدولة التي تُفرغ نفسها طوعًا من أكثر فئاتها إنتاجية وحيوية إنما تُسرّع دورة انحلالها، مهما رفعت من شعارات "التعويل على الذات".
المنطق ذاته يحكم الاتفاقيات الأخيرة لتمويل الشركة التونسية للكهرباء والغاز، والتي يتم استعجال النظر فيها في البرلمان التونسي قبل دخوله عطلته السنوية (مشروعي القانونين عدد 38 و2026/39). فقد لجأت الدولة إلى قروض من البنك الدولي وصندوق التكنولوجيا النظيفة في إطار برنامج إصلاح قطاع الطاقة (TEREG)، لتمويل وظيفة سيادية صرفة: إنتاج الكهرباء وتوزيعها. والمسألة هنا ليست في مبدأ الاقتراض ذاته، بل في بنية الاشتراط المرافقة له.
فهذه القروض ليست تمويلًا محايدًا، بل أداة لإعادة هندسة القطاع وفق ما تسمّيه الباحثة دانييلا غابور "إجماع وول ستريت" (The Wall Street Consensus): تحويل الدولة من فاعل منتج إلى دولة مُزيلة للمخاطر (de-risking state)، مهمّتها تهيئة قطاع الكهرباء ليصبح فئة أصول قابلة للاستثمار من قبل رأس المال الخاص والأجنبي، عبر إصلاح التعريفات، وإعادة هيكلة "الستاغ" ماليًا، وفتح إنتاج الطاقات المتجددة أمام المستثمرين الدوليين بضمانات عمومية.
هكذا تتحمّل الدولة المخاطر، ويجني المستثمر العائد، وهي المعادلة نفسها التي رأيناها في تصريحات وزير التكوين المهني: الكلفة وطنية والمردود خارجي.
ليس هذا التوصيف استنتاجًا نظريًا، بل هو ما توثّقه بدقة الورقة الموجزة التي أصدرها في 9 جويلية/يوليو الجاري "المرصد التونسي للاقتصاد" بقلم الباحثة نورة العجيمي بعنوان دالّ: "قرض (TEREG): نحو خوصصة تدريجية للستاغ؟"، عشية عرض القرضين على البرلمان بطلب نظر استعجالي: قرض بـ400 مليون دولار من البنك الدولي للإنشاء والتعمير وآخر بـ30 مليون دولار من صندوق التكنولوجيا النظيفة، بضمان الدولة وعلى آجال سداد تمتد إلى 43 و30 سنة.
الاقتصاد الرقمي التونسي يُفرَّغ من شرطيه معًا: الكفاءات تُصدَّر، والكهرباء تُرهَن. فليست السيادة شيئًا يُفقَد دفعة واحدة بالاحتلال أو الوصاية المعلنة، بل تُفقَد تدريجيًا عبر تراكم اختيارات تبدو كل واحدة منها "براغماتية" و"فرصة"، بينما هي حلقات في سلسلة تبعية هيكلية
تُبيّن الدراسة أنّ القرض الأول ليس تمويلًا كلاسيكيًا، بل من صنف "التمويل مقابل النتائج" (PforR): لا يموّل مشاريع بذاتها، بل يُصرف على أقساط مشروطة بتنفيذ إصلاحات وأهداف محددة سلفًا، بما يجعل من التمويل رافعة بيد البنك الدولي لفرض إعادة هيكلة القطاع. بل إنّ الاتفاقية تخوّل للبنك تعليق التمويل إذا صدرت تعديلات تشريعية تونسية تمسّ بتنفيذ البرنامج، أي أنّ السلطة التشريعية نفسها تُوضع تحت الرقابة الشرطية للمموّل.
وتكشف العجيمي أنّ ربع مبلغ القرض تقريبًا مرتبط بهدفَي تركيز 500 ميغاواط من الطاقات المتجددة بيد مستثمرين خواص وإمضاء عقود شراء كهرباء (PPA) بقدرة جملية تبلغ 1000 ميغاواط: فالستاغ تتداين لا لتبني قدرات إنتاج عمومية، بل لتضمن خلاص المنتجين الخواص -وجزء منهم أجنبي- بينما تتحمّل الدولة السداد وتخرج العملة الصعبة مرتين: أجرًا للمستثمر وخدمةً للدين الذي اقتُرض لخلاصه. حتى حجة التشغيل التي سُوّق بها القرض للنواب تتهاوى عند التدقيق: من جملة 30600 موطن شغل موعود، نحو 96 بالمائة مؤقتة مرتبطة بطور البناء وتُنجَز أساسًا بالمناولة لدى شركات أجنبية. أما الإصلاحات المؤسسية المشروطة -تجزئة حسابات الستاغ وفق معيار (IFRS 8)، وإحداث هيئة تعديل مستقلة، وتعيين متصرّفين مستقلّين- فتستنسخ حرفيًا "نموذج الإصلاح القياسي" الذي يروّجه البنك الدولي منذ التسعينيات تمهيدًا لتفكيك المؤسسات العمومية للكهرباء وفتحها لرأس المال الخاص.
وخلاصة الدراسة هي أنّ القرض لا يخصخص "الستاغ" مباشرة، بل ينظّم خوصصة تدريجية لوظائفها. بمعنى آخر فإن إنتاج الطاقة المتجددة يُنتزع لفائدة الخواص، في الأغلب أجانب ضمن نظام اللزمات، وتحتفظ "الستاغ" بأعباء الشبكة والشراء وموازنة المنظومة والقسط الأوفر من المخاطر المالية، وكل ذلك دون أي نقاش وطني حول النموذج الطاقي المنشود. إنها الترجمة الميدانية الحرفية لمنطق "إزالة المخاطر"، امتيازات مضمونة للمستثمر، وأعباء مؤمَّمة على كاهل الدولة والمستهلك التونسي.
والأخطر أنّ هذا يُنتج ما يمكن تسميته الاقتران الجبائي-السياسي. إذ إن كل قسط دين جديد يضيّق هامش القرار السياسي الوطني في الميزانيات القادمة، وكل تضييق جبائي يدفع نحو مزيد من الاقتراض المشروط. فتصبح السيادة على الكهرباء -أي على شرط مادي أولي من شروط الاقتصاد الرقمي نفسه الذي يتحدث عنه وزير التشغيل- مرهونة لدى مؤسسات التمويل الدولية.
بشكل عام بَنت السلطة القائمة شرعيتها على خطاب سيادي حادّ يتمثل في رفض "الإملاءات"، والتعويل على الذات، واستعادة القرار الوطني. لكنّ الممارسة الفعلية تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا وعلى جبهتين متكاملتين: على جبهة رأس المال البشري، تُكوِّن الدولة كفاءاتها الرقمية لتصديرها إلى أوروبا، فتتخلى عن الأداة الأولى لأي سيادة رقمية أو تكنولوجية ممكنة. فلا سيادة رقمية بلا مهندسين ومختصين يبقون وينتجون داخل الاقتصاد الوطني. وعلى جبهة رأس المال المادي، تُموِّل الدولة بنيتها الطاقية بديون مشروطة وعقود لزمات تُعيد تشكيل القطاع وفق أولويات المموّلين -على النحو الذي وثّقته دراسة المرصد التونسي للاقتصاد- فتفقد تدريجيًا القدرة على توظيف الطاقة كرافعة تنموية سيادية.
تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ.. حضور منطق "الفرصة" التصديرية للعقول ومنطق "الإصلاح" الممُلى للطاقة، هو الدليل الأبلغ على أنّ السيادة لدى السلطة القائمة شعار
والنتيجة أنّ الاقتصاد الرقمي التونسي -الذي يُفترض أنه رهان المستقبل- يُفرَّغ من شرطيه معًا: الكفاءات تُصدَّر، والكهرباء تُرهَن. فليست السيادة شيئًا يُفقَد دفعة واحدة بالاحتلال أو الوصاية المعلنة، بل تُفقَد تدريجيًا عبر تراكم اختيارات تبدو كل واحدة منها "براغماتية" و"فرصة"، بينما هي حلقات في سلسلة تبعية هيكلية تتقاطع فيها أوروبا الباحثة عن يد عاملة رقمية مع مؤسسات التمويل الباحثة عن أصول قابلة للاستثمار.
لو كانت السلطة سياديةً فعلًا لا خطابًا، لكان تصريح الوزير مختلفًا: عشرة ملايين موطن شغل رقمي في أوروبا تعني أنّ العالم مقبل على تحوّل رقمي هائل، والسؤال السيادي هو: كيف نبني في تونس قدرة رقمية وطنية -شركات، وبنية تحتية سحابية، وطلبًا عموميًا على الخدمات الرقمية، وأجورًا وظروف عمل تُبقي الكفاءات- بحيث تُصبح تونس مُصدِّرة للخدمات والقيمة المضافة لا للبشر؟ وكيف نُموِّل التحول الطاقي بشراكات تحفظ القرار الوطني بدل ديون تُعيد هندسة الدولة نفسها؟
وقد سبق أن بسطنا هذا التصور في مقالي الأخير الذي تحدثت فيه عن السيادة في الذكاء الاصطناعي (Leveraged AI Sovereignty). السيادة التكنولوجية لدولة متوسطة الحجم كتونس لا تعني الاكتفاء الذاتي الكامل في سلسلة الذكاء الاصطناعي -فذلك وهم لا تقدر عليه حتى القوى المتوسطة- بل تعني سيادة بالتركيز على حوكمة منهجية ومنظوماتية للوسائل المتاحة لنا: بناء متدرّج على مراحل، ينطلق من التوظيف الذكي للنماذج مفتوحة المصدر التي كسرت احتكار الشركات الكبرى، ويستثمر الكفاءات الوطنية في تكييف هذه النماذج وتطبيقها على الحاجات المحلية -الإدارة، والصحة، والفلاحة، واللغة العربية ولهجاتها- وصولًا إلى بناء طبقات أعلى من القدرة الذاتية في البنية التحتية الحاسوبية والبيانات.
جوهر الأطروحة أنّ الكفاءات الرقمية هي رأس المال السيادي الأول في عصر الذكاء الاصطناعي: الدولة التي تُبقيها وتُشغّلها داخل نسيجها الاقتصادي تُصدِّر منتوجَها -خدمات وحلولًا ونماذج مكيَّفة وقيمة مضافة- أما الدولة التي تُصدِّر الكفاءات ذاتها فإنها تتنازل طوعًا عن موقعها في السلسلة قبل أن تدخلها أصلًا، وتتحوّل من فاعل محتمل في الاقتصاد الذكائي إلى مجرّد خزّان ديمغرافي لخدمته. تصريح وزير التشغيل يختار، بوعي أو بدونه، الطريق الثاني.
غياب هذين السؤالين عن الخطاب الرسمي، وحضور منطق "الفرصة" التصديرية للعقول ومنطق "الإصلاح" الممُلى للطاقة، هو الدليل الأبلغ على أنّ السيادة لدى السلطة القائمة شعار، بينما البنية الفعلية للدولة تُدار بمنطق المقاول: تُكوِّن لغيرها، وتقترض لتُنفّذ شروط غيرها، وتحتفل بذلك كله باعتباره إنجازًا.
تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول
"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟
الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء
لماذا الفعل الثقافي مستهدف بالتهميش والإقصاء وقت الأزمة؟ لماذا يغير التونسي ترتيب الثقافة وقت الأزمة ويجعلها بل ويجعلها خارج أولوياته؟ لماذا لا تعتبر الثقافة في تونس معيشًا ضروريًا وقت الأزمة وخارجها؟
"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس
أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..
المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة
لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات
أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..
مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟
شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..