ultracheck
اقتصاد

مختص في الاقتصاد: انخفاض وهمي للبطالة في تونس وخديعة إحصائية

17 أغسطس 2026
GettyImages-1072228852.jpg
أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي: الأرقام تعكس شللًا في الدبلوماسية الاقتصادية لتونس (صورة أرشيفية/Getty)
فريق التحرير
فريق التحرير

قدم الدكتور في العلوم الاقتصادية وأستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي قراءة في الإحصائيات الرسمية الأخيرة الصادرة عن معهد الإحصاء بخصوص نسب البطالة والنمو الاقتصادي والعجز التجاري، وأكد أنه "في قراءة سطحية لهذه المؤشرات قد يبدو المشهد الاقتصادي مستقرًا، بل ومبشرًا: نمو إيجابي، ونوايا استثمار متصاعدة، وانخفاض في نسبة البطالة، لكن وبمجرد تفكيك هذه الأرقام والغوص في تفاصيلها، تتكشف لنا مفارقات هيكلية صادمة وخديعة إحصائية تخفي واقعًا اقتصاديًا أكثر قسوة".

وقال الشكندالي إن "الإحصائيات الرسمية تكشف عن اقتصاد يلهث ويستنزف ثرواته"، وبين أن "منحى النمو الانحداري يعكس اقتصادًا استهلاكيًا ترفعه الفلاحة وتنهار محركاته الصناعية"، معتبرًا أن "الاكتفاء بتسويق الرقم الإجمالي للنمو الاقتصادي، والذي بلغ 2.29% خلال الثلاثي الثاني لسنة 2026، يغطي على تشوه هيكلي عميق في محركات الاقتصاد التونسي".

وأضاف الشكندالي أنه "بتتبع الانزلاق السنوي للنمو، نلاحظ مسارًا تنازليًا مخيفًا من 3.43% في الثلاثي الثاني لعام 2025، ليتراجع تباعًا ويستقر عند 2.29% خلال الثلاثي الثاني من هذه السنة، مما يشير إلى استحالة تحقيق نسبة النمو المقدّرة في ميزانية الدولة بـ3.3% وهو ما ستكون له تداعيات سلبية على موارد الدولة الجبائية وبالتالي على سياسة الاعتماد على الذات".

رضا الشكندالي: الإحصائيات الرسمية تكشف عن اقتصاد يلهث ويستنزف ثرواته.. في قراءة سطحية قد يبدو المشهد الاقتصادي مستقرًا، بل ومبشرًا: نمو إيجابي، ونوايا استثمار متصاعدة، وانخفاض في نسبة البطالة، لكن بمجرد تفكيك هذه الأرقام تتكشف لنا مفارقات هيكلية صادمة وخديعة إحصائية تخفي واقعًا اقتصاديًا أكثر قسوة

وقال إن "هذا النمو يقف على أقدام هشة وموسمية؛ حيث قادته الفلاحة والصيد البحري بنمو قُدر بـ 5.54%، تلاها قطاع النزل والمطاعم بـ 4.64%، وقطاع البناء بـ 3.61% ، وفي المقابل، تشهد المحركات الاستراتيجية والصناعية انكماشًا ملحوظًا؛ إذ تراجع قطاع الفسفاط بـ -9.60%، ساحبًا معه الصناعات الكيميائية بانكماش بـ -7.02%، وتراجع قطاع استخراج النفط والغاز بـ -1.12%، ولم يسلم قطاع النسيج من هذا النزيف مسجلًا -0.94% ".

أما من ناحية الطلب، فقد اعتبر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية أن "هذا النمو يعكس اقتصادًا استهلاكيًا بامتياز، حيث ارتفع الطلب الداخلي بنسبة 3.3%. وفي المقابل، ساهم صافي المبادلات الخارجية سلبًا بـ 1.33 نقطة مئوية في نسبة النمو المسجّلة. ويأتي ذلك في سياق ارتفاع حجم الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 10.4% لكن هذا التحسن ابتلعه بالكامل انفجار في حجم الواردات التي نمت بنسق أسرع بلغ 11.2%، مما يضعنا أمام اقتصاد يُغذي الواردات ويُدمر فرصه الذاتية في خلق الثروة".

وشدد على أن "الخديعة الإحصائية الأهم هي انخفاض "وهمي" للبطالة يخفي تدمير 58 ألف موطن شغل"، وقال إنه "لعلّ أخطر ما تكشفه الأرقام هو التضارب الرياضي في مؤشرات سوق الشغل، حيث تروّج الإحصائيات لانخفاض نسبة البطالة العامة إلى 14.9% خلال الثلاثي الثاني من 2026. ظاهريًا، يبدو الرقم مبشرًا، لكن كيف تنخفض البطالة في حين أن الاقتصاد دمر 58.200 موطن شغل دفعة واحدة مقارنة بالثلاثي الذي سبقه؟".

اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا في تونس إلى 26.6%

وأضاف أن "السر الإحصائي يكمن في سقوط 77.500 تونسي بالكامل من سجلات القوى العاملة (السكان النشيطين) في غضون ثلاثة أشهر فقط، حيث تراجع عددهم من 4.26 مليون إلى 4.19 مليون شخص. هذا الانخفاض في النسبة ليس دليلًا على التعافي، بل هو تجسيد لليأس المتفشي وتنامي ظاهرة "العامل المُحبط"، حيث تخلى عشرات الآلاف نهائيًا عن فكرة البحث عن عمل أو اختاروا قوارب الهجرة، لتتقلص القاعدة الحسابية وتنخفض نسبة البطالة في خديعة إحصائية تظهر تعافيًا اقتصاديًا لكنها تخفي انسحابًا جماعيًا من سوق الشغل يعكس حالة اليأس الاجتماعي من الحصول على مورد رزق".

ولفت الشكندالي إلى ما وصفه بـ"النمو المدمّر للكفاءات"، وبين أن "النموذج الاقتصادي "يُعاقب" أصحاب الشهادات العليا، حيث يتأكد الطابع الإقصائي للنمو الاقتصادي خلال هذه السنة بصورة فجّة عند مقارنة قدرته على استيعاب الفئات المتعلمة. ففي الوقت الذي انخفضت فيه النسبة العامة للبطالة بشكل وهمي، قفزت نسبة البطالة لدى خريجي الجامعات من 24.0% في الثلاثي الثاني لسنة 2025 لتستقر عند 26.6% في نفس الفترة من سنة 2026".

أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي: الخديعة الإحصائية الأهم هي انخفاض "وهمي" للبطالة يخفي تدمير 58 ألف موطن شغل.. السر الإحصائي يكمن في سقوط 77.500 تونسي بالكامل من سجلات القوى العاملة في غضون ثلاثة أشهر فقط.. حيث تخلى عشرات الآلاف نهائيًا عن فكرة البحث عن عمل أو اختاروا قوارب الهجرة

وقال إن "هذا التضارب هو النتيجة المنطقية لتشوه مصادر النمو؛ فنحن بصدد نموذج اقتصادي يُعاقب الكفاءات، كونه يخلق وظائف هشة في الفلاحة والبناء، بينما تُغلق قطاعات الخدمات المتطورة والصناعة التحويلية أبوابها وتسرّح عمالها. هذا الخلل الهيكلي يفرّغ الجامعة التونسية من دورها كمصعد اجتماعي، ويجعل من هجرة الأدمغة الخيار العقلاني الوحيد المتبقي أمام شباب تركته الدولة فريسة لاقتصاد لا يعترف بالمعرفة".

ومن جانب آخر تحدث الشكندالي عن "خديعة الصادرات ومعضلة الفسفاط"، وأضاف أن "الأشهر السبعة الأولى من 2026 شهدت ارتفاعًا في قيمة الصادرات بنسبة 9.91%، وهو ما قد يوحي بتعافٍ اقتصادي. لكن بالتدقيق في حجم هذه الصادرات (الوزن)، نكتشف كارثة حقيقية؛ فقد ارتفع وزن الصادرات بنسبة 11.26% (بزيادة هائلة بلغت 727 ألف طن) وهذا يعني أننا نصدّر في بعض المواد كميات فيزيائية ضخمة للحصول على عائدات مالية أقل تناسبًا، لكننا نورّد كميات أقل وبأسعار أعلى وهو ما يجسد تدهورًا حادًا في شروط التبادل التجاري (dterioration des termes de l'échange)".

وأضاف أن "معضلة الفسفاط تبرز هنا كأكبر جرح اقتصادي؛ فالأرقام تثبت أن تونس توقفت تقريبًا عن تصدير الفسفاط المصنّع ذي القيمة العالية (تراجعت صادرات المواد الكيميائية غير العضوية كالحامض الفسفوري بـ 167.5 ألف طن، وتراجعت الأسمدة بـ 77.2 ألف طن)".

اقرأ/ي أيضًا: تفاقم عجز الطاقة في تونس وارتفاع واردات الكهرباء من الجزائر

وبين أن "هذا يتطابق تمامًا مع الانهيار المزدوج في استخراج المناجم (-9.60%) والصناعات الكيميائية (-7.02%). لتعويض هذا الشلل، اتجهنا لتصدير الأوزان الثقيلة والبدائية، حيث انفجرت صادرات الفصل 25 (الذي يضم الأتربة، الإسمنت، والكلنكر) بزيادة قدرها 442.9 ألف طن وبمتوسط سعر بخس لا يتجاوز 140 مليمًا للكيلوغرام. وحتى في الفلاحة، ضخت تونس كميات هائلة من زيت الزيتون بزيادة في الوزن بلغت 62.2%، في حين لم ترتفع العائدات سوى بـ 39.6%. وهذا يعني أن الاقتصاد التونسي يواصل انحداره في سلسلة القيمة، ويستنزف ثرواته الطبيعية الخام ليستر عجزه الصناعي".

وتابع الشكندالي في تدوينة نشرها على حسابه الرسمي بموقع فيسبوك، أن "أرقام الاستثمار الصناعي تطرح مفارقة: نوايا إيجابية تتحول إلى "ثقب أسود" يستنزف العملة الصعبة"، وقال إن "بيانات سبر الآراء تكشف عن جرعة تفاؤل لدى أصحاب المؤسسات الصناعية، حيث سجل رصيد الآراء حول الاستثمار الجملي تحسنًا ليبلغ 24% خلال السداسي الأول من 2026، مع قفزة استثنائية في الصناعات الميكانيكية والكهربائية بلغت 48%. ورغم الإيجابية الظاهرية لهذه النوايا، إلا أنها تصطدم بضعف الإدماج المحلي للصناعات التونسية. فكل مشروع استثماري جديد في هذه القطاعات يتطلب آليًا توريدًا مكثفًا للآلات والمعدات والمواد الأولية نصف المصنعة، لتتحول هذه الانتعاشة الاستثمارية إلى عبء يضغط مباشرة على ميزان المدفوعات (الذي شهد ارتفاعًا في الواردات بـ 11.2%). هكذا يصبح الاستثمار المحلي مصدّرًا صافيًا للعملة الصعبة عوض أن يخلق قيمة مضافة محلية حقيقية وتحفز التشغيل"، وفق قوله.

أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي: الأرقام تعكس شللًا في الدبلوماسية الاقتصادية لتونس، حيث تفتح البلاد أسواقها لمنتجات عدد من الدول، بينما تعجز عن اختراق أسواقها، وهو ما يرهن السيادة الاقتصادية لتونس

ولفت من جانب آخر إلى "نزيف طاقي، تعكسه فاتورة المحروقات التي تبتلع أوهام النمو وتعمّق الاختناق المالي"، وأضاف أنه "لفهم أسباب الاختناق المالي وتعمق العجز التجاري الجملي الذي قارب 14.9 مليار دينار في الأشهر السبعة الأولى من 2026، يكفي أن نسلط الضوء على الفصل 27 المتعلق بالمحروقات والزيوت المعدنية. فقد قفز العجز الطاقي بمفرده من 6.31 مليار دينار في 2025 إلى رقم مفزع يبلغ 8.27 مليار دينار في نفس الفترة من 2026".

وقال إن "هذا النزيف المتسارع يبتلع كل ثمار النمو الاقتصادي ومداخيل التصدير فغياب الانتقال الطاقي الفعلي وتراجع الإنتاج الوطني (نمو سلبي بـ -1.12%) جعلا من الاقتصاد التونسي رهينة لفاتورة طاقة متضخمة تُسدد بالعملة الصعبة، وتكبّل أي إمكانية لتوجيه موارد الدولة نحو الاستثمار الفعلي في البنية التحتية".

وأشار إلى "التبعية الجغرافية الاستنزافية، وأسواق خارجية تمتص الرصيد التونسي، حيث لا يقتصر نزيف العملة الصعبة على فاتورة الطاقة، بل يتغذى من تبعية جغرافية استنزافية لأسواق لا تستوعب الصادرات التونسية. فالعجز التجاري التونسي لا يعكس تراجعًا عامًا في التنافسية، بدليل تحقيق تونس لفائض مريح مع دول الاتحاد الأوروبي يقارب 3.46 مليار دينار، بل يتركز في علاقات تجارية مختلة تمامًا مع دول محددة نستهلك منتجاتها بشراهة كالصين والجزائر وحتى مصر. فخلال السبعة أشهر الأولى لسنة 2026، بلغ العجز مع الصين 6.79 مليار دينار، ومع الجزائر 2.91 مليار دينار (نتيجة التبعية الطاقية)، ومع تركيا 2.10 مليار دينار، ليتسع أيضًا مع مصر ويبلغ 1.99 مليار دينار، ومع روسيا بـ 1.44 مليار دينار".

وخلص الشكندالي إلى أن "هذه الأرقام تعكس شللًا في الدبلوماسية الاقتصادية لتونس، حيث تفتح البلاد أسواقها لمنتجات هذه الدول، بينما تعجز عن اختراق أسواقها، وهو ما يرهن السيادة الاقتصادية لتونس ويمول اقتصادات الدول الأخرى بما نجنيه بشق الأنفس"، وفق تأكيده.

الكلمات المفتاحية

فيتش رايتنغ جيتي.jpg

وكالة "فيتش رايتنغ" تثبّت التصنيف الائتماني لتونس عند "B-" مع آفاق مستقرة

وكالة "فيتش رايتنغ" للتصنيف الائتماني: خفض التصنيف الائتماني قد ينتج عن ارتفاع مستمر في الدين الحكومي، أو زيادة الضغوط الخارجية المؤدية إلى هبوط حاد في الاحتياطيات أو انخفاض كبير في قيمة العملة


ارتفاع الطلب على القروض الصغرى

تراجع حجم قروض السكن في تونس خلال النصف الأول لسنة 2026

أظهرت المعطيات المالية الصادرة عن البنك المركزي التونسي ارتفاع قائم القروض البنكية غير المهنية الممنوحة للأفراد إلى 30.6 مليار دينار وسط تراجع قروض السكن إلى موفى جوان/يونيو 2026.


دعم الاستثمار تمويل المشاريع خط تمويل تونس Pexels

وزير التشغيل: توجه نحو إحداث 1200 شركة أهلية ومنصة رقمية خاصة بها

وزير التشغيل: هناك توجه متزايد من خريجي التعليم العالي نحو الشركات الأهلية


التضخم getty.jpg

التضخم يعود إلى الارتفاع خلال شهر أوت 2026 في تونس

معهد الإحصاء: ارتفاع أسعار التغذية والمشروبات بنسبة 7.5%، باحتساب الانزلاق السنوي، ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار الدواجن بنسبة 16.5% وأسعار لحم الضأن بنسبة 14.7% وأسعار الغلال بنسبة 14.4%

أمطار تونس منخفض جوي تقلبات جوية بلعيد.jpg
منوعات

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

البطولة العربية لألعاب القوى
منوعات

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة

اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية


مدرج المنار.jpg
مجتمع

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية

الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

اتحاد الشغل يتمسّك بالإضراب العام في تونس ويحمّل السلطة مسؤولية الفشل


2
منوعات

إطلاق برنامج "مدرب المواهب" لاكتشاف براعم الكرة في تونس.. ما التفاصيل؟


3
سیاسة

تونس تُحذّر بجنيف من اختلالات النظام الدولي وتدعو لإصلاح مجلس الأمن


4
سیاسة

السالمي: الوضع الحالي في تونس متأزم وخطير والسلطة اختارت صدّ الأبواب


5
مجتمع

تقلبات جوية منتظرة في تونس.. دعوات لرفع درجة التأهب واليقظة