مجلة الصرف في تونس.. بين ضرورة التحديث والحاجة للحفاظ على العملة الوطنية
12 ديسمبر 2025
على وقع التحديات الاقتصادية المتصاعدة، تبرز ملف مجلة الصرف كأحد الملفات الحاسمة التي طال انتظارها، لا سيما في ظل تحوّلات الاقتصاد العالمي واتساع آفاق العمل الرقمي والمستقل. فبعد عقود من العمل بمجلة صرف وُضعت في سبعينيات القرن الماضي ونُقّحت جزئيًا في التسعينيات، باتت التشريعات الحالية عاجزة عن مواكبة واقع المؤسسات الناشئة، والشركات الصغرى، بل وحتى الأفراد الذين يعملون عن بُعد مع جهات أجنبية. ومع تكرار الوعود بإصلاح منظومة الصرف، يزداد الإحباط لدى الفاعلين الاقتصاديين الذين يجدون أنفسهم محاصَرين بين قيود بيروقراطية تُعقّد تعاملاتهم المالية، وغياب رؤية واضحة لمستقبل قانوني يُطلق طاقاتهم ويدعم انفتاح الاقتصاد التونسي على العالم.
ويزداد السؤال إلحاحًا: لماذا لا يزال إصدار مجلة صرف عصرية -تُبسّط الإجراءات، تحرّر المعاملات، وتدعم الاستثما - أسير التأجيل؟
المنظمة الوطنية لروّاد الأعمال: استمرار تأخير إصدار مجلة الصرف الجديدة غير مقبول
تعتبر المنظمة الوطنية لروّاد الأعمال، أن استمرار تأخير إصدار مجلة الصرف الجديدة، بعد سنوات من الوعود والمناقشات، أصبح أمرًا غير مقبول. فهذا التأخير يُبقي آلاف المؤسسات الصغرى والمتوسطة في وضعٍ هشّ، ويحرمها من الأدوات المالية والتشريعية الضرورية لتطوير نشاطها والانفتاح على الأسواق المحلية والدولية.
ويوضح ياسين قويعة، رئيس المنظمة، في تصريح لـ"الترا تونس"، أن مجلة الصرف الحالية "قديمة" ولا تتماشى مع مقتضيات الاقتصاد الحديث ولا مع احتياجات روّاد الأعمال. ويضيف أن هذا الواقع يجعل العمليات المالية -مثل التحويلات وجلب التمويلات الخارجية- مسارًا معقدًا يعرقل التنافسية ويرفع من احتمالات الإفلاس، في ظل تهديدٍ يطال أكثر من 200 ألف مؤسسة.
ياسين قويعة (رئيس المنظمة الوطنية لروّاد الأعمال) لـ"الترا تونس": مجلة الصرف الحالية قديمة لا تتماشى مع مقتضيات الاقتصاد الحديث ولا مع احتياجات روّاد الأعمال، وعطّلت حركية الاقتصاد التونسي بشكلٍ جليّ
ويشير قويعة إلى أنّ "التأخير المتكرر في إصدار نص قانوني جديد يُعدّ دليلًا على غياب الجدّية في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية". ومن هذا المنطلق، تدعو المنظمة إلى التعجيل بإصدار مجلة صرف واضحة وعملية، تسهّل المبادلات التجارية، وتُزيل القيود البيروقراطية، وتعزّز قدرة المؤسسات على الاستثمار والنمو.
ويؤكد قويعة أنّ "مجلة الصرف الحالية عطّلت حركية الاقتصاد التونسي بشكلٍ جليّ، إذ لم تعد مواكبةً للتطورات المالية والتكنولوجية المتسارعة عالميًا، ما جعل بيئة الأعمال في تونس أقل قدرةً على الانفتاح والاندماج في الأسواق الدولية". ويشرح أنّ "الإجراءات المعقدة والقيود المفروضة على التحويلات والتعامل بالعملة الأجنبية تحدّ بشكل خاص من قدرة المؤسسات الناشئة والصغيرة على التوسع وجذب الشركاء والمستثمرين".
اقرأ/ي أيضًا: أهمّ محاور مشروع مجلة الصرف الجديدة في تونس
كما يلفت إلى أن بطء منظومة الصرف ساهم في إضعاف قدرة تونس على مواكبة التحوّل نحو الاقتصاد الرقمي، والدفع الإلكتروني، وتمويل الابتكار.. وهي عناصر باتت حاسمةً في المنافسة العالمية.
ويخلص إلى أن الاستمرار في العمل بالمجلة القديمة لا يُسهم فقط في إبطاء الاستثمار، بل يُقلّص أيضًا من تنافسية الاقتصاد التونسي، ويدفعه تدريجيًا للابتعاد عن التطورات المالية الحديثة.
كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية "كونكت": تحديث مجلة الصرف ضرورة عاجلة منذ سنوات
من جهته، يؤكد مهدي البحوري، عضو المكتب التنفيذي الوطني لكنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية "كونكت"، أن تحديث مجلة الصرف "ضرورة عاجلة منذ سنوات".
ويوضح لـ"الترا تونس" أنّ المجلة، التي أُقرّت في السبعينيات ونُقّحت في التسعينيات، "لم تعد تُلبّي احتياجات الشركات الحديثة، لا سيما تلك العاملة في مجال تصدير الخدمات أو روّاد الأعمال المستقلين (الفريلانس) الذين يبيعون خدماتهم من مكاتبهم في تونس".
مهدي البحوري (عضو بـ"كونكت") لـ"الترا تونس": مجلة الصرف التي أُقرّت في السبعينيات ونُقّحت في التسعينيات، لم تعد تُلبّي احتياجات الشركات الحديثة، لا سيما العاملة في مجال تصدير الخدمات أو "الفريلانس"
ويشير البحوري إلى أن التعقيدات التشريعية تدفع هؤلاء الشباب إلى الهجرة، بينما تبقى القوانين عاجزة عن تمكينهم من العمل بحرية داخل بلادهم.
ويضيف أن "الإجراءات المتعلقة بالمستثمرين، سواء داخل تونس أو خارجها، باتت عقبةً أمام التنمية الاقتصادية".
ويذكّر محدثنا أن "كونكت" شاركت في حوار وطني عام 2023 حول هذا الموضوع، وعلمت في 2024 بإمكانية إنجاز مشروع قانون "يحقق نقلة نوعية"، لكن لم تظهر أيّ نتيجة ملموسة إلى غاية اليوم 12 ديسمبر 2025، وفقه.
اقرأ/ي أيضًا: المصادقة على فتح حسابات بالعملة الأجنبية للتونسيين ووزيرة المالية تحذر من التداعيات
ويقرّ البحوري بصعوبات هيكلية تكتنف كل إصلاح جذري في منظومة الصرف، خاصة الخشية من استنزاف موارد العملة الصعبة. لكنه يشدد على ضرورة "تغيير النظرة السائدة"، إذ إن "الانفتاح على مصادر جديدة للعملة الصعبة يمكن أن يدعم الاقتصاد بدل أن يهدّده".

ويوضح أن "الهدف ليس تسهيل تحويل العملة خارج البلاد، بل تمكين من يرغب في جلب العملة الصعبة وخلق فرص عمل للشباب داخل تونس". قائلًا إنّ "العاملين التونسيين بالخارج، الذين يمتلكون أموالًا بالعملة الأجنبية، من الأفضل أن تستثمر أموالهم في بلادهم بدل أن تبقى خارجها".
ويشير إلى أن المنظمات الاقتصادية لا تمتلك أي معلومات حول مشروع مجلة الصرف الجديد، إذ إن كل ملاحظاتها كانت مبنية على مشروع قديم. ويؤكد أن "المطلب الأساسي هو تحرير المعاملات بالعملة الأجنبية، وتمكين الأفراد والشركات من امتلاكها بحرية".
اقرأ/ي أيضًا: جمعية: الشباب وأصحاب بعض المؤسسات يواجهون تعطيلات على مستوى مداخيلهم بالعملة الصعبة
ويطالب بأن يكون الإصلاح "مندمجًا في إطار مجلة صرف مهيكلة"، لا أن يقتصر على فصول متناثرة في قانون المالية لسنة 2026، إذ يصعب حينها التأكد من اتساقها مع التشريع العام.
الجمعية التونسية للمختصين في المحاسبة: مجلة الصرف الحالية تُشكّل عائقًا حقيقيًا أمام الشباب
من جانبه، يرى زياد بن عمر، عضو الجمعية التونسية للمختصين في المحاسبة، أن "البلاد في حاجة ماسّة إلى العملة الصعبة"، لكنها في الوقت نفسه "تضع حدودًا لحمايتها، خشية التأثير السلبي على قيمة الدينار التونسي".
ويشير إلى أن "تونس تقف بين مطرقة الحفاظ على العملة وسندان الحاجة إلى إصلاح قانوني يُمكّن من الانفتاح". ويؤكد أن مجلة الصرف الحالية "تُشكّل عائقًا حقيقيًا أمام الشباب، خصوصًا من يعملون عن بُعد مع شركات أجنبية".
زياد بن عمر (عضو الجمعية التونسية للمختصين في المحاسبة لـ"الترا تونس": تونس في حاجة ماسّة إلى العملة الصعبة، لكنها في الوقت نفسه تضع حدودًا لحمايتها، خشية التأثير السلبي على قيمة الدينار التونسي
ويوضح أن الدولة التونسية تدرس حاليًا تداعيات إصلاح منظومة الصرف، لكن "الغموض يلفّ هذه الدراسة، ولا توجد معطيات كافية للحكم على ما إذا كانت الإجراءات المقترحة سليمة اقتصاديًا". ويشير إلى أن الفصل المتعلق بفتح حسابات بالعملة الصعبة ضمن قانون المالية لسنة 2026 "غير كافٍ"، إذ إن "كيفية تطبيقه ستُحدّدها الأوامر التنفيذية، التي لم تصدر بعد". ويشير إلى "معارضة وزارة المالية لهذا الفصل"، ما يزيد من عدم الوضوح.
اقرأ/ي أيضًا:
ويطالب زياد بن عمر بـ"تقديم معلومات دقيقة وفتح نقاش مجتمعي واسع حول هذا الملف"، مؤكدًا أن "الحل قد يكمن في انفتاح تدريجي، خاصة في المرحلة الأولى، لحماية الدينار التونسي ورصيد البلاد من العملة الصعبة".
لجنة المالية في البرلمان: مقترح مشروع تنقيح مجلة الصرف يشمل "عفوًا صرفيًا"
من جهته، يوضح عبد الجليل الهاني، رئيس لجنة المالية في البرلمان في حديثه مع "الترا تونس"، أنّ "مقترح مشروع تنقيح مجلة الصرف" قدّم من طرف مجموعة من النواب، وناقشتْه اللجنة في مناسبتين.
ويذكر أن "اللجنة استدعت وزارة المالية والبنك المركزي، لكنهما لم يستجيبا للدعوة"، ما دفع اللجنة إلى "إنهاء أشغالها وإحالة التقرير إلى مكتب المجلس تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة".
اقرأ/ي أيضًا: مختصون: قانون الصرف الحالي لا يحفّز الاستثمار بالقدر الكافي في تونس
ويتوقع الهاني أن "يُعقَد يوم برلماني متخصص ضمن فعاليات الأكاديمية البرلمانية لدراسة المشروع من جميع جوانبه، قبل عرضه على الجلسة العامة"، معتبرًا أن المشروع "في مرحلة متقدمة".
عبد الجليل الهاني (رئيس لجنة المالية في البرلمان) لـ"الترا تونس": مقترح مشروع تنقيح مجلة الصرف يتضمّن تحديد المجالات التي سيتم تنقيحها، ومنها إعادة تعريف مفهوم "الإقامة"، وتحديد الجهات المؤهلة لفتح حسابات بالعملة الصعبة
ويُفصّل أن المشروع يتضمّن تحديد المجالات التي سيتم تنقيحها، ومنها إعادة تعريف مفهوم "الإقامة" (المقيم وغير المقيم)، وتحديد الجهات المؤهلة لفتح حسابات بالعملة الصعبة، وكيفية تمويل هذه الحسابات والتصرّف فيها.. خصوصًا تلك الناتجة عن التصدير أو العمل في الخارج.
كما يشمل المشروع "عفوًا صرفيًا" عن الجرائم والمخالفات المتعلقة بالصرف، مثل التعامل بين مقيم وغير مقيم دون ترخيص، أو عدم إعادة عائدات التصدير أو المكاسب المحققة في الخارج، أو فتح حسابات خارجية دون إذن.

ويشير الهاني إلى أن العفو سيشترط دفع "ضريبة تحررية" تتراوح بين 15% و20%، مع التزام المخالف بإعادة المحاصيل المتأخرة، وتسديد الالتزامات الجبائية المتعلقة بها، والتصرّف في الأصول وفق القوانين السارية.
ختامًا، يبدو أن تونس تقف اليوم على مفترق طرق في مسار إصلاح منظومتها المالية. وبين الحاجة الملحّة إلى تحديث مجلة الصرف من جهة، وضرورات حماية العملة الوطنية من جهة أخرى، لا يُمكن للاقتصاد أن يزدهر دون إطار قانوني عصري يُمكّن روّاد الأعمال -خصوصًا الشباب منهم- من الاندماج في الاقتصاد العالمي، ويضخّ في عروق البلاد مواردَ جديدة للعملة الصعبة.
الكلمات المفتاحية

لماذا تثير العقوبات المطبقة على مخالفات الفوترة الإلكترونية الجدل في تونس؟
الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، كانت قد أكدت، أنه تطبيقًا لأحكام الفصل 71 من قانون المالية لسنة 2025، ينطلق بداية من غرة جويلية/يوليو 2025، تطبيق العقوبات الخاصة بنظام الفوترة الإلكترونية، وذلك في إطار دعم الامتثال للواجبات المتعلقة بنظام الفوترة الإلكترونية.

اقتصاد تونس 2025.. النمو الأضعف عربيًا ومؤشرات تستوجب المراجعة
المنظمة الوطنية لرواد الأعمال: سنة 2025 كشفت عن جملة من المؤشرات الاقتصادية اللافتة التي تستوجب المراجعة قبل دخول سنة 2026، وسنة 2026 يجب أن تكون سنة تصحيح اقتصادي حقيقي، قوامه رفع نسق النمو، خفض البطالة، الحفاظ على استقرار الأسعار

اقتصاد الريع في تونس.. مسار متواصل بعد 15 سنة من الثورة
المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي لـ"الترا تونس": اقتصاد الريع يخلق شرخًا اقتصاديًا وتفاوتًا بين من هم قريبون من السلطة ويتمتعون بالامتيازات وبين من هم من عامة الشعب وليس لهم حق الانتفاع بهذه الامتيازات

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

تعرّف على الطرق المقطوعة بسبب الأمطار في تونس
أصدرت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، بلاغًا تحذيريًا محينًا، دعت من خلاله كافة مستعملي الطريق إلى توخي الحذر، على خلفية تسجيل انقطاعات في حركة المرور بعدد من الطرقات، وذلك نتيجة التقلبات الجوية الأخيرة وما نجم عنها من تراكم لمياه الأمطار وفيضان بعض الأودية

