مجلة الأحوال الشخصية.. أي حوار ممكن في مواجهة صناعة التوتر؟
15 أغسطس 2026
لا ريب أن مجلة الأحوال الشخصية هي أهمّ نصّ قانوني عاكس للخيار التحديثي المصاحب لنشأة دولة الاستقلال في تونس تجاه المسألة المجتمعية وتحديدًا تصوّر تنظيم الأسرة ومكانة المرأة صلبها. إذ صدرت بعد زهاء 5 أشهر فقط من تاريخ الاستقلال. وهي طالما تستأثر بالأضواء في إطار النقاش العمومي بمختلف تمثلاته وأطره ومضامينه، وهو يُستعاد كل عام بمناسبة ذكرى صدورها 13 أوت/أغسطس الذي بات بذاته العيد الوطني للمرأة.
غير أن الملاحظ هو أن الاستعادة طيلة السنوات الأخيرة بدأت تأخذ منحى دعوات لتعديلها بغض النظر عن تنافر مضامين أصحابها. مبادرة تشريعية لقطاع عدول الإشهاد تضمّنت مقترحًا لإرساء الطلاق الرضائي خارج المحاكم، وتحرّك إلكتروني وميداني لمواطنين يطالبون بتنقيح ما يسمونه "قانون النفقة" و"إنصاف الرجل"، ونائب بالبرلمان يدعو لتنقيح المجلة لمواجهة "الخطر الديمغرافي" والاتحاد الوطني للمرأة دعا مؤخرًا النيابة العمومية للتدخل لمواجهة "الزواج العرفي".
والملاحظ بذلك أن دعوات تنقيح المجلة باتت عنوانًا جامعًا لمقاربات مختلفة بل متناقضة بما يعكس التصورات المتباينة حول الأسرة والمرأة والعلاقات بين الجنسين. وهو ما يطرح السؤال حول القدرة على التوافق حول تعديل بما لا يمسّ من المكتسبات فيما يتعلّق بحقوق المرأة والمساواة، وقبله حول مدى القدرة على المضي في نقاش عمومي هادئ وصحّي في ظلّ سياقات التوتّر والاحتقان في البلاد.
اتفاق على مبدأ تعديل المجلة.. المجلة ليست صنمًا
رغم تناقض المقاربات، يتفّق أصحابها اليوم على لزوم تعديل مجلة الأحوال الشخصية ما يعني الاتفاق على المبدأ وهو ممّا لم يكن موضع اتفاق في وقت سابق. فالمجلّة الصادرة عام 1956 لحقها تنقيح أساسي وجوهري عام 1993 وذلك في اتجاه تدعيم مكانة المرأة داخل الأسرة من ذلك إلغاء واجب الطاعة وتعويضه بمبدأ التعاون.
وإبان الثورة وفي ظلّ المخاوف من المساس بمكتسبات المرأة، مثّل رفض تعديل المجلة مطلبًا مبدئيًا لجلّ القوى المدنية والسياسية وهو ما التزمت به حركة النهضة، بما تمثله من حزب محافظ، وهي التي سبق وأكدت في مسار تقارب القوى الفكرية والسياسية قبل الثورة عبر لجنة 18 أكتوبر، قبولها بالمجلة باعتبارها من قبيل الاجتهادات داخل الفقه الإسلامي.
الجميع يتفق على مبدأ تعديل مجلة الأحوال الشخصية وإن اختلفوا حول مضمونه، وهو ما يعكس تقديرًا مبدئيًا أن المجلة، بصيغتها الحالية باتت في حاجة إلى مراجعة
ولكن بعد صعود رئيس الجمهورية السابق الباجي قائد السبسي، فقد بادر بنفسه لفتح باب تعديل المجلة عبر بعث لجنة الحريات والمساواة برئاسة النسوية بشرى بالحاج حميدة التي انتهت بتقرير يتضمن مقترحات تتضمّن مراجعة شاملة للمجلة، ولكن ظلّ التقرير على الرفوف. والملاحظ أن الموقف من قبول التعديل أو رفضه يختلف بحسب مضمون التعديل موضوع النقاش، فإذا تضمّن تراجعًا عن الحقوق المكرّسة، انصرفت المطالبة إلى رفضه والتحذير من المساس بمكتسبات المجلة، أما إذا كان موضوعه مزيدًا من تدعيم هذه الحقوق وتوسيع نطاقها، فإن المطالبة تصبح بالمضي في التعديل. وبذلك، فالجميع يتفق على مبدأ التعديل وإن اختلفوا حول مضمونه، وهو ما يعكس تقديرًا مبدئيًا أن المجلة، بصيغتها الحالية، وبعد زهاء ستة عقود على صدورها، باتت في حاجة إلى مراجعة.
ولكن علاوة على النقاش المضموني حول المسائل الأكثر خلافيةً، فإن بعض دعوات التعديل تتأسس من منطلق النجاعة ومن ذلك مراجعة نظام الجلسات الصلحية في دعوى الطلاق التي تحوّلت إلى مجرّد إجراء شكلي غالبًا في التطبيق القضائي لا يؤدي للغاية منه. ولكن رغم ذلك، وخاصةً في ظل غياب مناخ يؤدي لتعديلات تكتسي الحد الأدنى من التوافقية خاصةً لتعلّق المسألة بالنموذج المجتمعي للبلاد، يدافع البعض على مبدأ عدم تعديل المجلة مطلقًا باعتبارها تعكس طبيعة المجتمع ومواكبة لتحوّلاته، خاصةً وأنها لازالت نموذجًا في محيطها العربي.
وضمن هذا السياق، طرح وزير العدل السابق البشير التكاري منح المبادئ المنظمة للمجلة منزلةً أعلى من الدستور بما لا يجوز لأي نصّ دستوري في المستقبل المساس بها. وهي دعوة اعتبرها، في المقابل، القاضي المتقاعد والرئيس السابق لجمعية القضاة التونسيين أحمد الرحموني بمثابة وضع "صنم" تجمّد حركية المجتمع باسم المكتسبات.
مقترح الطلاق خارج المحكمة.. مطالبة مشروعة ومخاوف مشروعة؟
بعيدًا عن المقترحات التي تعكس اختلافًا حول التصورات الفكرية للمجتمع والأسرة على غرار المساواة التامة بين الجنسين من جهة أو إباحة تعدد الزوجات من جهة أخرى، فإن مقترح ضمن المبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم قطاع عدول الإشهاد وهو إمكانية الطلاق خارج المحكمة بواسطة عدل، يعكس حدة المخاوف من المساس من مكتسبات المجلة وإن كان المقترح يدافع عنه أصحابه من منطلق قطاعي بحت في سياق السعي لتوسيع مجال اختصاص عدول الإشهاد. ويدفع القطاع بالنأي عن أي شبهة للمساس بمكتسبات المجلة بأن مقترحه يندرج ضمن تبسيط إجراءات الطلاق وتخفيف الضغط على المحاكم لا أكثر، وتقييد نطاق توثيق الطلاق الرضائي خارج المحاكم بشروط منها عدم وجود أطفال قصر أو عدم تعلّق الطلاق بنفقة أو حضانة.
غير أن رفض هذه المبادرة تأسس على أنه يمسّ من مبدأ جوهري للمجلة وهو أنه لا طلاق إلا أمام المحكمة، وأن إخراج الطلاق من رقابة القضاء ستؤدي في ظل الواقع التمييزي بين الجنسين للمساس بحقوق المرأة. والملاحظة أن المطالبة بإرساء نظام طلاق خارج المحكمة يهدف لاستنساخ نظام مماثل بفرنسا يسمح بالطلاق خارج أسوار المحكمة عبر كتب يحرّره المحامي ويوثّقه عدل الإشهاد.
الموقف المتمسّك بعدم إخراج الطلاق من المحكمة يعتبر أن النموذج الفرنسي غير قابل للتطبيق في تونس من منطلق تباين الواقع المجتمعي في كل بلد وفي ظل مؤشرات التمييز والتهميش للمرأة في تونس
وهو نظام أُرسي منذ عام 2017 في إطار برنامج إصلاحي يهدف لتبسيط الطلاق وتسريع إنهاء حالاته غير نزاعية ولتمكين المحاكم الفرنسية من التركيز على المسائل التي تستدعي تدخلًا قضائيًا. وهو نظام لم يتخلى عن الضمانات للطرفين سواء عبر تدخل المحامين وعدول الإشهاد مع إمكانية تدخل القاضي في حالات معيّنة كوجود أطفال. ولذلك ففكرة إخراج الطلاق الرضائي من المحاكم بفرنسا تقوم على إعادة توزيع وظيفة التحقق من الرضا واحترام الموجبات القانونية بغاية تخفيف المهمة على القضاة خاصة للصبغة غير التنازعية لهذا النوع من الطلاق. وهو الأمر الذي دفع لتأسيس مقترح عدول الإشهاد وإن كان غايتهم هي توسيع مجال اختصاصهم وهي مطالبة قطاعية مشروعة كسعي بقية المهن القانونية لتوسيع اختصاصاتهم.
اقرأ أيضًا: في عيد المرأة.. منظمات وجمعيات تجدد الدعوة إلى المساواة وحماية المكتسبات
الموقف المتمسّك بعدم إخراج الطلاق من المحكمة، وعلاوة على اعتباره الطلاق القضائي هو بذاته مكتسبًا بما أنه قيّد سلطة الزوج في فرض الطلاق والتفصي من آثاره بعيدًا عن رقابة القضاء، يعتبر أن النموذج الفرنسي غير قابل للتطبيق في تونس من منطلق تباين الواقع المجتمعي في كل بلد وفي ظل مؤشرات التمييز والتهميش للمرأة في تونس. وبذلك، بقدر ما يبدو من المشروع التفكير في إخراج الطلاق الرضائي غير التنازعي من صخب المحاكم، بالنظر إلى طبيعته الاتفاقية وإمكانية تبسيط إجراءاته وتخفيف العبء عن القضاء، فإن المخاوف من أن يتحول ذلك إلى مدخل للمساس بالضمانات التي كرّستها المجلة تبدو بدورها مشروعةً، ولا سيما في ظل استمرار مظاهر التفاوت بين الجنسين وما قد يترتب عنها من اختلال في موازين القوة داخل الأسرة.
ولكن ما يهمّ أن هذا المقترح وبطبيعة الحجج المقدمة من كل طرف فهو يدفع لإبعاد النقاش حول تعديل المجلة من نطاق الاتهامات المتبادلة والمشحونة للمضي في حوار هادئ في مسار إصلاحي ينتهي لمراعاة مختلف المطالب في مثال الحال وهي تبسيط الطلاق ومواكبة التحولات الاجتماعية من جهة والمحافظة على عدم المساس من حقوق المرأة من جهة أخرى.
هل من إطار للحوار الهادئ والإصلاحي؟
يغيب، في المقابل وفي واقع الحال، الإطار المؤسسي الذي يسمح بالتداول حول مجلة الأحوال الشخصية في إطار مسار إصلاحي، على نحو ما كان في لجنة المساواة والحريات، وهو مسار كان من المبرمج له أن يتواصل بصفة تشاركية أكثر تحت قبة البرلمان. في حين أنه راهنًا، تراجعت مساحات الحوار بل تعمّدت السلطة إيقاف عمل ورشات الإصلاح التشريعي التي سبق وانطلقت في عملها منذ سنوات على غرار مجلة الإجراءات الجزائية والمجلة الجزائية وذلك في مناخ متصاعد مؤداه غلق للحوار واحتقان عامّ من عناوينه الرئيسية هو نسف السلطة السياسية لضمانات استقلال القضاء.
لا يمكن تعديل نص بحجم مجلة الأحوال الشخصية بشكل منفصل عن إطار الإصلاح نفسه ومناخاته
وهو ما جعل، والحالة تلك، الدعوات المتصاعدة لتعديل المجلة وبغض النظر عن مضامينها متأثرة بسياق عام متوتّر في ظل استهداف السلطة للقوى المدنية والسياسية التي تعكس التصورات وفي ظل تصحير مساحات الحوار بما شمل حتى الهيئات القطاعية للمهن القانونية المعنية بأي تعديل.
وبالتالي تبدو هاته الدعوات سابقةً لأوانها أمام ورشة أسبق وهي تهيئة الظروف لمناخ سياسي ومجتمعي قادر على إطلاق ورشة نقاش هادئ حول المجلة. وهي الورشة المؤمل أن تؤمن تداولًا حول مختلف التصورات، وتقيّم التجربة المتراكمة على امتداد ستة عقود، وتدعم المسار الإصلاحي بعيدًا عن المخاوف والاتهامات المتبادلة.
وفي غياب هذه الورشة، ستظلّ صناعة الجدل المتوتر حول المجلة تسود الفضاء العامّ، وبما يلهي عن الأولوية وهي استعادة نظام ديمقراطي يضمن شروط الحوار والتداول والمشاركة إذ لا يمكن تعديل نص بحجم مجلة الأحوال الشخصية بشكل منفصل عن إطار الإصلاح نفسه ومناخاته.
الكلمات المفتاحية

مبادرة تشريعية لتنفيذ أحكام القضاء.. سؤال النجاعة والمبدئية في آن
تحتاج معالجة معضلة عدم تنفيذ أحكام القضاء لمقاربة مركّبة يعدّ النص القانوني جزءًا منها بما في ذلك النص الجزائي، فيما تظلّ عوامل أخرى رهينة الإرادة السياسية والإصلاح الإداري..

ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس
يظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية؟

قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس
تتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها، بعد صدور أمر رئاسي يقضي بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم،

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..


