مبادرة تشريعية لتنفيذ أحكام القضاء.. سؤال النجاعة والمبدئية في آن
10 يوليو 2026
أحال مكتب البرلمان، بتاريخ 7 جويلية/يوليو 2026، مقترح قانون يتعلق بـ"ضمان تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية وتجريم تعطيلها" على لجنة التشريع العام، ليلتحق بذلك بكمّ متزايد من مقترحات القوانين المتراكمة، في مسعى لإظهار حيوية برلمانية، بينما تكشف مآلاتها عن محدودية نجاعتها سواء بسبب ضعف جودة عدد منها أو بسبب بقائها، في أغلب الأحيان، حبيسة مسار تشريعي متعطّل.
وقد قُدّمت المبادرة المذكورة، وفق وثيقة شرح الأسباب، "على إثر ما أفرزه الواقع العملي خلال السنوات الأخيرة" من حالات متعددة تعلّقت بعدم تنفيذ أو تأخير تنفيذ أو تعطيل تنفيذ أحكام قضائية"، وبذلك كانت الحاجة، وفق أصحاب المبادرة، لإطار قانوني شامل وفعال لضمان تنفيذ الأحكام.
المعضلة، في المقابل، تتمثل في أن إشكالية عدم تنفيذ الأحكام أو تعطيلها ليست ظاهرة طارئة، بل هي متجذّرة داخل مؤسسات الدولة ترتبط في جانب منها بعوامل بنيوية. غير أن الجانب الأخطر، والذي لم تتعرض له وثيقة شرح الأسباب، يتمثل في أن تعطّل تنفيذ الأحكام خلال السنوات الماضية شمل أحكامًا مرتبطة بقضايا ذات أهمية بالغة في الشأن العام على غرار استقلال القضاء وتنافسية الانتخابات، بما ترتب عنه من آثار عميقة تجاوزت أصحاب تلك الأحكام لتطال مسارات ترتبط بمصير البلاد.
لماذا حذف الرئيس مبدأ عدم تعطيل أحكام القضاء في دستور 2022؟
إن كان عدم تنفيذ مؤسسات الدولة بمختلف أنواعها للأحكام القضائية سواء كانت صادرة عن القضاء الإداري أو العدلي أو المالي معضلة موروثة، فمن المهم التذكير أنه قد تنبّه لها المجلس الوطني التأسيسي في مخاض التأسيس الدستوري بعد الثورة ليسنّ في دستور 2014 وضمن الفصل 111 منه مبدأ تحجير الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية أو تعطيل تنفيذها دون موجب قانوني. والغاية هي وضع حماية دستورية بتنفيذ أحكام القضاء وإن كان ذلك من البداهة بطبيعته في دولة قانون تفترض خضوع الجميع لأحكام القضاء بالضرورة دون أي تمييز.
المعضلة تتمثل في أن إشكالية عدم تنفيذ الأحكام أو تعطيلها ليست ظاهرة طارئة، بل هي متجذّرة داخل مؤسسات الدولة.. والجانب الأخطر يتمثل في أن تعطّل تنفيذ الأحكام خلال السنوات الماضية شمل أحكامًا مرتبطة بقضايا ذات أهمية بالغة في الشأن العام على غرار استقلال القضاء وتنافسية الانتخابات
ولكن في المقابل، تعمّد رئيس الدولة في دستور 2022 حذف هذا التنصيص دون أي موجب خاصة وأن مشروع الدستور الذي أعدته اللجنة المكلّفة من طرفه أبقت على هذا التنصيص. وأثار استبعاد هذا الضمان الدستوري تساؤلًا حول دلالته في ظل ما يحمله من رسالة سلبية لمؤسسات الدولة في تنفيذ أحكام القضاء خاصة تلك الصادرة عن القضاء الإداري.
وقد عززت ملفات بعينها لاحقًا هذا التساؤل، عبر حالات لم يعد فيها عدم تنفيذ أحكام قضائية باتة يمكن تفسيره فقط بالاختلالات البنيوية أو بطء الإدارة، وإنما أيضًا بوجود خيارات وقرارات سياسية مباشرة، بما كشف عن أزمة واضحة تتعلق بمدى خضوع السلطة التنفيذية لحجية الأحكام القضائية الباتة.
عن رفض تنفيذ أحكام بإرجاع قضاة معفيين ومرشحين للسياق الرئاسي
في هذا الجانب، يُعدّ امتناع وزارة العدل عن تنفيذ القرارات الصادرة عن الرئيس الأول للمحكمة الإدارية في أوت/أغسطس 2022، والقاضية بتوقيف تنفيذ الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء القضاة (49 قرارًا بتوقيف التنفيذ من أصل 57 قاضيًا معفيًا) أول مثال واضح على عدم امتثال السلطة التنفيذية لأحكام القضاء خلال السنوات الأخيرة. وهو ما كشف عن خطورة خاصة لارتباطها بقرارات إعفاء قضاة يُفترض ألا يقع المساس بمساراتهم الوظيفية من طرف السلطة التنفيذية.
وقد ترتب عن عدم تنفيذ قرارات رئيس المحكمة حرمان القضاة المعنيين من تنفيذ الأحكام الصادرة لفائدتهم، وبما أسهم في إضعاف ضمانات استقلال القضاء، ورسخ حقيقة متصاعدة طيلة السنوات الماضية وهو علوية القرار السياسي بما أدى لمزيد من إخضاع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية. وهو ما تبيّن اليوم مع تولّي وزارة العدل اليوم للمسارات المهنية للقضاة العدليين بعد تغييب مجلس القضاء العدلي.
اقرأ/ي أيضًا: مقترح قانون يجرّم تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية في تونس.. ما القصة؟
وكان من باب المفارقة أنه عوض أن تنصاع وزارة العدل لتنفيذ قرارات المحكمة الإدارية، فقد عمدت، عقب صدور أحكام توقيف التنفيذ، إلى تغيير أقفال عدد من مكاتب القضاة المعفيين، رغم أن مقتضى تلك الأحكام كان تمكينهم من مباشرة مهامهم.
المثال الآخر والذي لا يقلّ أهمية مطلقًا على تبعات عدم تنفيذ أحكام القضاء، كان رفض الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تنفيذ قرارات الجلسة العامة بالمحكمة الإدارية بإعادة ثلاثة مرشحين للسباق الرئاسي عام 2024 وهم منذر الزنايدي وعبد اللطيف المكي وعماد الدائمي. وهو قرار عزّز الشكوك حول نزاهة المسار الانتخابي، وهو ما تأكد بالمضي في بتنقيح القانون الانتخابي خلال الحملة الانتخابية بما أدى لسحب البساط من المحكمة الإدارية في الطعون.
المعضلة في غياب نص أو غياب الإرادة؟
تكشف هاتان الحالتان أنّ عدم تنفيذ أحكام القضاء خاصة تلك الصادرة من القضاء الإداري سببها الرئيسي هو غياب الإرادة من الجهة المحمول عليها التنفيذ. فالمشكل لا يكمن في مدى وضوح الحكم القضائي أو في صعوبة تنفيذه، وإن كان هذه من الأسباب الموجودة في نطاق عام، وإنما في مدى استعداد الإدارة أو السلطة السياسية للامتثال للقضاء. المسألة تتعلق بفكرة مدى الانصياع التام لأحكام القضاء دون الالتفاف عليها والبحث عن تبريرات لعدم تنفيذها.
يُعدّ امتناع وزارة العدل عن تنفيذ القرارات الصادرة عن الرئيس الأول للمحكمة الإدارية في أوت 2022، والقاضية بتوقيف تنفيذ الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء 49 قاضيًا، أول مثال واضح على عدم امتثال السلطة التنفيذية لأحكام القضاء خلال السنوات الأخيرة
ومن هذا المنطلق، يدافع العديد عن أن تجاوز معضلة عدم تنفيذ الأحكام القضائية لا يتم بنصوص قانونية تتعلّق بتأكيد مبدأ بديهي بذاته، بل بترسيخ المبدأ داخل الدولة ونشر ثقافة الالتزام بالأحكام، وذلك بعنوان أنه مهما تعددت النصوص المجرِّمة لتعطيل التنفيذ أو المنظمة لآلياته، فإنها تظل محدودة الأثر متى غابت الإرادة السياسية والإدارية لإنفاذها.
ويهم، في هذا الجانب، التذكير بأن تنفيذ الحكم القضائي النهائي يعدّ جزءًا لا يتجزأ من الحق في محاكمة عادلة. كما يعدّ تعطيل قرارات السلطة القضائية شكلًا من أشكال الفساد طبق الفصل الثاني من القانون المتعلق بالإبلاغ عن الفساد.
لكن ألسنا بحاجة لتشريع؟
في المقابل، يوجد رأي آخر يدفع عن وضع إطار قانوني يضمن تنفيذ أحكام القضاء أي تنزيل تشريعي للمبدأ الدستوري المؤسس لتحجير عدم تنفيذ أحكام القضاء. وفي هذا الإطار، فإن المبادرة التشريعية المقدّمة راهنًا ليست الأولى من نوعها في تونس، إذ سبق وتلقى البرلمان عام 2020 مشروع قانون يتعلق بتنفيذ أحكام المحكمة الإدارية، تضمّن ضمن أحكامه تأكيدًا على أن رئيس الإدارة يعدّ هو المسؤول الجزائي والمدني لمن صدر لفائدته حكم وذلك في صورة الامتناع عن تنفيذه أو تعطيل تنفيذه. واقترح المشروع إمكانية فرض غرامة تهديدية ضد الإدارة عن كل يوم تأخير في تنفيذ الأحكام، مع قيام المحكمة الإدارية بإعداد تقرير حول الإدارات الممتنعة عن تنفيذ أحكامها يتم توجيهها للرؤساء الثلاث.
والمرجّح أن مشروع عام 2020 وخاصة ما يقترحه من آليات دافعة للتنفيذ كالغرامة التهديدية استلهم من التشريع الفرنسي الذي سنّ قانون منذ عام 1980 ينظم الغرامات التهديدية الصادرة في المادة الإدارية وتنفيذ الأحكام من قبل الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام. وهو تشريع يفرض آجالًا محددة للتنفيذ كإلزام الدولة مثلًا بتنفيذ القرارات القضائية التي تقضي بدفع مبالغ مالية خلال أجل شهرين من تاريخ تبليغها بالحكم.
مبادرة تشريعية موغلة في التجريم؟
المبادرة المقدّمة، في الأثناء، جاءت في 19 فصلًا، وانصرفت أساسًا إلى إرساء إطار قانوني ذي طبيعة زجرية لمواجهة الامتناع عن تنفيذ الأحكام الجزائية من خلال تجريم جملة من الأفعال المنسوبة أساسًا إلى الموظف العمومي عند تعطيله أو امتناعه عن التنفيذ. وقد اقترح المشروع عقوبات سجنية تصل إلى عشر سنوات لكل موظف عمومي يرتكب أحد الأفعال المجرّمة الواردة في المبادرة ومنها "محاولة عدم تنفيذ حكم"، مع الترفيع في العقوبة إلى عشرين عامًا إذا ترتب عن عدم التنفيذ المساس بالحقوق والحريات أو بالأمن القومي أو بالمال العام أو بنزاهة الانتخابات أو أدى إلى تعطيل مباشرة المؤسسات الدستورية لمهامها. كما يمكن الحكم بعقوبات تكميلية من بينها الحرمان من مباشرة الوظيفة العمومية.
والملاحظ، في هذا الجانب، هو التشدد في التجريم ومن ذلك استحداث جريمة محاولة عدم تنفيذ حكم وبما يعني من مفهوم واسع قد يصعب ضبطه، إضافة للتشديد في العقوبة عبر السجن لمدد طويلة تصل حتى لعشرين عامًا. وهذا التشدد قد لا يؤكد واقعًا إلا ما بات يسميه ملاحظون اليوم الشعبوية العقابية التي صبغت المبادرات التشريعية التي تعتقد أن الحل دائمًا هو توسيع التجريم وفتح باب السجون، والحال أن ذلك لا يعالج بالضرورة موطن الخلل، وذلك علاوة على عدم نجاعة الردع الجزائي.
الملاحظ، في هذه المبادرة التشريعية، هو التشدد في التجريم.. وهذا قد لا يؤكد واقعًا إلا ما بات يسميه ملاحظون اليوم "الشعبوية العقابية" التي صبغت عدة مبادرات تشريعية تعتقد أنّ الحل دائمًا هو توسيع التجريم وفتح باب السجون
ويهم، في هذا الجانب، التذكير أن المشرّع التونسي ومن بوابة المجلة الجزائية يعاقب ضمنيًا على تنفيذ أحكام القضاء بالسجن لمدة 15 يومًا. وبذلك إن ما كان من حاجة لتعزيز الردع، فإنه لا يكون بتوسيع مجال التجريم وبالتشدد في العقوبات السجنية بشكل غير متناسب مطلقًا.
علاوة على ذلك، أغفل المشروع التنصيص على آليات ذات طابع عملي أثبتت نجاعتها في ضمان تنفيذ الأحكام في التجارب المقارنة وفي مقدمتها الغرامة التهديدية عن كل يوم تأخير، باعتبارها وسيلة فعالة لحمل الإدارة على التنفيذ من خلال ترتيب كلفة مالية متزايدة على استمرار امتناعها أو تعطيلها لتنفيذ الأحكام القضائية.
سؤال المبدئية
تحتاج معالجة معضلة عدم تنفيذ أحكام القضاء لمقاربة مركّبة يعدّ النص القانوني جزءًا منها بما في ذلك النص الجزائي، فيما تظلّ عوامل أخرى رهينة الإرادة السياسية والإصلاح الإداري، بما يؤمن آليات متكاملة تضمن التزام الإدارة بتنفيذ أحكام القضاء بما يؤمن سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
ولكن السؤال المبدئي الذي يظل قائمًا بخصوص هذه المبادرة يتعلق بمدى اتساق أصحابها مع مبدأ تنفيذ الأحكام القضائية، وبالخصوص مدى التزامهم به عندما تعلّق الأمر بأحكام صادرة عن المحكمة الإدارية سواء تلك المتعلقة بإيقاف تنفيذ قرارات إعفاء القضاة سنة 2022، أو الأحكام القاضية بإعادة ثلاثة مترشحين إلى السباق الرئاسي سنة 2024.
ويكتسب هذا التساؤل مشروعيته بالنظر إلى الدور السلبي الذي اضطلع به البرلمان أمام إمعان السلطة التنفيذية في تجاوز تلك الأحكام التي ألقت بأثرها على وضع استقلال القضاء وتنافسية الانتخابات الرئاسية الماضية، خاصة وأن عددًا من أعضاء البرلمان لم يكتفوا بالصمت بل ساهموا في تقديم مبررات لذلك.
الكلمات المفتاحية
مجلة الأحوال الشخصية.. أي حوار ممكن في مواجهة صناعة التوتر؟
مجلة الأحوال الشخصية هي أهمّ نصّ قانوني عاكس للخيار التحديثي المصاحب لنشأة دولة الاستقلال في تونس تجاه..
ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس
يظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية؟
قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس
تتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها، بعد صدور أمر رئاسي يقضي بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم،
خلاف بين الفنان رؤوف ماهر ومهرجان المنستير.. ما القصة؟
وجه الفنان رؤوف ماهر رسالةً إلى مدير مهرجان المنستير الدولي إثر..
موجة حرّ متوقعة في تونس الأسبوع القادم
المرصد التونسي للطقس والمناخ: الحرارة ستكون أربعينية في أغلب المناطق التونسية لعدة أيام أي من 40 إلى 45 درجة عمومًا على أغلب المناطق التونسية
طقس تونس.. درجات الحرارة القصوى تصل إلى 43 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 19 أوت/أغسطس 2026 سيكون..
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية