مؤتمر حركة نداء تونس.. رحلة البحث عن الحكم مجددًا؟

مؤتمر حركة نداء تونس.. رحلة البحث عن الحكم مجددًا؟

أول مؤتمر للحزب منذ تأسيسه قبل 7 سنوات (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

 

سبع سنوات بعد التأسيس، تنجز حركة نداء تونس مؤتمرها الانتخابي الأول في مدينة المنستير الذي جاء بعد مخاض عسير لحزب حاكم تقلد الرئاسات الثلاث بعد انتخابات 2014 عبر رئاسة الجمهورية بقيادة مؤسسه الباجي قائد السبسي وكذا رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان.

ورغم فوز الحزب في الانتخابات السابقة إلا أنه التحق بالمعارضة في نهاية المطاف بعد ما هزته الصراعات بين مديره التنفيذي حافظ قائد السبسي نجل الرئيس المؤسس ورئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي تم تجميد عضويته في الحركة، ومن بعد انفض عن نداء تونس عدد كبير من أعضاء كتلته النيابية ورحلت عنه قواعده ضمن سياحة حزبية أضعفت مكانته في المشهد السياسي.

 تنجز حركة نداء تونس مؤتمرها الانتخابي الأول بعد 7 سنوات من تأسيسها وهو مؤتمر يأتي بعد مخاض عسير لحزب حاكم تقلد الرئاسات الثلاث بعد انتخابات 2014

حركة نداء تونس أرهقتها الصراعات الداخلية وأحالت توافقها مع منافسها المباشر حركة النهضة في دائرة المغضوب عليها بذهابها بعيدًا في تسيير الدولة مع شريك غير جنيس من حيث الفكر أو المرجعية، كما يقول البعض من أنصارها، حتى كان الطلاق بينهما بعد اشتعال الصراع بين نجل الرئيس ورئيس الحكومة وإعلان رئيس الدولة نهاية التوافق بينه وبين حركة النهضة.

انتخابات برلمانية مرتقبة في 6 أكتوبر/تشرين الأول القادم وانتخابات رئاسية في 17 نوفمبر/تشرين الثاني خلال هذا العام الجاري، دفعت إذًا حركة نداء تونس إلى التسريع بإنجاز مؤتمرها المنعقد يومي 6 و7 أفريل/نيسان والذي سوف يبقى مفتوحًا إلى تاريخ 8 أو 9 من نفس الشهر لكي يتم تركيز هياكله.

أول مؤتمر انتخابي لحركة نداء تونس منذ تأسيسها (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

وكانت قد عقدت حركة نداء تونس مؤتمرًا غير انتخابي في مدينة سوسة في 19 جانفي/كانون الثاني 2016 وحمل شعار "الوفاء" وكان قد نزل عليه ضيفًا راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وقد رجح هذا المؤتمر شق حافظ قائد السبسي، الذي ترأس الحزب فيما ظلت باقي قياداته تتأرجح بين البقاء والرحيل منذ ذلك الحين.

اقرأ/ي أيضًا: حالة الطوارئ مجددًا في تونس.. حذر داخلي وتخوف من التطورات الليبية

وتزامن انطلاق المؤتمر مع إحياء الذكرى 19 لوفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية، وانتظم في قاعة محمد مزالي بالمنستير التي انطلق منها الحزب من خلال اجتماع شعبي ترأسه الباجي قائد السبسي بتاريخ 12 مارس/آذار 2012 معلنًا "ميلاد حزب يتبنى "الفكر البورقيبي" ويتجه بالقرب من الأحزاب العلمانية الوسطية ويقدم نفسه على أنه امتداد للدولة الوطنية ويتواصل مع الحزب الحر الدستوري بخطه البورقيبي" حينها.

إبداء الباجي قائد السبسي عدم رغبته في الترشح لولاية ثانية هي الرسالة الأولى التي أراد أن يبعثها أمام الألاف من المدعوين من المنتسبين إلى الحزب وقياداته وضيوفه من البعثات الديبلوماسية وبعض النواب والشخصيات ورجال الأعمال مع غياب ممثلي الأحزاب السياسية التي لم يقع دعوتها، وقد علل ذلك صالح الحاج عمر، عضو لجنة الإعداد للمؤتمر، في تصريح لـ"ألترا تونس" بأنه "خيار اتخذه الحزب للوقوف على الحياد من جميع الأحزاب في تونس".

لم تتم دعوة الأحزاب السياسية لمواكبة افتتاح مؤتمر حركة نداء تونس (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

غاب ممثلو الأحزاب السياسية في القاعة ولكنهم لم يغيبوا عن خطاب الرئيس تلميحًا، فقد ذكر بأن" حركة نداء تونس قد اعتمدت أربع روافد عند تأسيسها هي الرافد الدستوري، والنقابي، واليساري إضافة للمستقلين"، مشيرًا إلى أنه لا يقصد باليسار الذي يقف على أقصى طرف. ولم يكن هذا التذكير إلا منطلقًا لـ"محاولة تجميع الشتات ورسالة واضحة للمؤتمر باستعادة ما رحل من روافد الحزب بعد انتخابات 2014 والتي أسست في معظمها أحزاب "جنيسة".

رسائل الباجي قائد السبسي في المؤتمر اعتبرها المحللون "مناورة "، إذ يفتح إبداء عدم الرغبة في الترشح للرئاسية النقاش في الحزب حول الشخصية التي يمكن أن تكون مؤهلة للتزكية بعد أن تعالت دعوات من تبقى في الحزب إلى دعوة السبسي الأب إلى إعادة الترشح.

دعوة الباجي قايد السبسي نواب مؤتمر حركة نداء تونس من أجل رفع تجميد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد أربكت القيادات الحزبية وعلى رأسها حافظ قايد السبسي

غير أن دعوة الرئيس المؤسس نواب مؤتمر الحركة إلى رفع تجميد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد باعتباره "ابن النداء" وأن هذا لا يعدو أن يكون إلا طلبًا وليس أمرًا، أربكت القيادات الحزبية وهو ما عبّر عنه حافظ قايد السبسي، رئيس الهيئة السياسية، عقب الحفل الافتتاحي مباشرة في تصريح صحفي بقوله إنه "تفاجأ بهذا الطلب". وتوالت تصريحات القيادات بأن "المؤتمر سيد نفسه وسيطرح الأمر على 1800 مؤتمر عند انطلاق الأشغال"، وأكدت لجنة تسيير المؤتمر طرح مسألة رفع التجميد على النقاش، غير أن الأمر بقي معلقًا وأرجئ إلى الهياكل الجديدة المنبثقة عن المؤتمر للنظر فيه حسب ما أدلت به سميرة بالقاضي، رئيسة المؤتمر، في تصريح صحفي مساء الأحد.

طالب الباجي قايد السبسي برفع التجميد عن عضوية يوسف الشاهد (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

وقد تأجل انطلاق أشغال المؤتمر من مساء السبت إلى صباح الأحد نتيجة تعطيلات لوجستية، ويبدو أن العدد الهائل من المؤتمرين القادمين من عديد الجهات، 1800 مؤتمرًا، خلق نوعًا من الإرباك زاد من حجم الضغط المسلط على لجنة المؤتمر لإتمام الرزنامة في الآجال المحددة سلفًا. كما فسح هذا التأخير المجال لتوتر عدد من التنسيقيات المحلية والجهوية للحزب وبدأت الحسابات السياسية وطرح مسألة النيابات والتمثيلية وطريقة الانتخاب ومدى استجابة النظام الداخلي الانتخابي للمؤتمر لقواعد الشفافية والديمقراطية في انتخاب من يمثلهم داخل الهياكل المنتخبة الجديدة. وقد سمح ذلك لموجة من الاحتجاجات وإمضاء عرائض الطعن مثلما حصل مع قائمة أريانة التي وقع الطعن فيها من عدد من المؤتمرين بالجهة وهو ما حدث أيضًا مع دائرة صفاقس 1 وتونس 2 ومنوبة.

اقرأ/ي أيضًا: سنة 2019.. ماذا تخبئ لتونس؟

وعلى خلاف العادة في المؤتمرات الانتخابية للأحزاب السياسية، انطلقت أشغال المؤتمر صباح الأحد 7 أفريل/نيسان بتلاوة التقريرين الأدبي والمالي والمصادقة عليهما بالإجماع في جلسة مغلقة دون حضور الصحفيين.

توتر بين المؤتمرين على خلفية قائمات التنسيقيات المحلية والجهوية (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

كما تم عرض 11 لائحة صادق عليها المؤتمرون، وكانت اللائحة السياسية ولائحة النظام الداخلي محل نقاش حادّ خاصة فيما يخص العلاقة مع الأحزاب السياسية إذ رفعت مقترحات بالقطع مع الأحزاب السياسية "ذات التوجه الإسلامي" أو ما سماه البعض بـ"الإسلام السياسي" وفي ذلك عرض لتجربة حركة نداء تونس التوافق مع حركة النهضة وما آلت إليه من نتائج. وقد صرح القيادي منجي الحرباوي في تصريح لوسائل الإعلام أنه "تم اعتماد ما طالب به المؤتمرون وهو القطع النهائي مع الأحزاب السياسية التي تتبني المرجعية الدينية والتمسك بالخط الوطني الدستوري البورقيبي لحركة نداء تونس". وهو ما يؤكد تبني خيار عدم التوافق مجددًا مع حركة النهضة الشريكة السابقة في الحكم.

تبنت حركة نداء تونس في لائحتها السياسية القطع مع الأحزاب ذات المرجعية الدينية في إشارة لخيار عدم التوافق مجددًا مع حركة النهضة

وصرحت سميرة بالقاضي، رئيسة مؤتمر حركة نداء تونس، أنه تم الأحد عرض 34 قائمة من كلّ الجهات على المجلس الوطني وهناك جهات فيها قائمتين أو ثلاثة بما استوجب تشكيل لجنة توافقات لمحاولة التوجه نحو التوافق للإبقاء على قائمات موحدة. وأوضحت "لم ننجح في التوافق في كلّ من صفاقس 1 وصفاقس 2 ومنوبة ووقع تنظيم انتخابات وبعد انتهاء عملية التصويت سيقع فرز الأصوات والإعلان عن قائمة أعضاء اللّجنة المركزية التي تعدّ 217 عضوًا" وأكدت أن المرحلة الثانية من المؤتمر ستخصص لانتخاب أعضاء المكتب السياسي وعددهم 32 عضوًا.

قررت حركة نداء تونس في لائحتها السياسية القطع مع الأحزاب ذات المرجعية الدينية (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

وهكذا يبقى المؤتمر مفتوحًا إلى مساء الاثنين وقد يمتد إلى يوم الثلاثاء لاستكمال انتخاب الهياكل من لجنة مركزية ومكتب سياسي ومكتب وطني. وفي انتظار ما ستسفر عنه النتائج النهائية، يبقى الصراع على رئاسة المؤسسات العليا في الحزب رهين التحالفات الداخلية بين القيادات الحالية.

"مؤتمر الالتزام والإصلاح" انكب على تركيز مؤسسات الحزب من حيث الشكل وقد لمسنا ذلك من درجة الضغط العالي والخلافات المتعددة التي شابت أجواء المؤتمر والتي تحولت إلى خصومات لحقت مخلفاتها الصحفيين بالاعتداء على مراسلة إحدى الإذاعات الخاصة. ولكننا لاحظنا خلال الأشغال ضعفًا مضمونيًا في صياغة الأهداف الاستراتيجية وخاصة في علاقة بالمال والاقتصاد والتشريعات والتحالفات الحزبية وخيّمت ظلال خطاب الرئيس الباجي قائد السبسي على مجريات المؤتمر بإبدائه عدم رغبته في الترشح للرئاسية وطلبه رفع التجميد عن يوسف الشاهد الذي رحّل إلى حين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد 5 سنوات على صدوره: ما الذي تحقق من دستور 2014؟!

من المسؤول عن تسريب معطيات المبلغين عن الفساد؟