مؤتمر المنستير 2026.. انتصار أولوية "ترتيب البيت الداخلي" على المعركة مع السلطة
31 مارس 2026
مقال رأي
بعد جدل وصراع طويلين انعقد مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل السابق لأوانه أهم منظمة اجتماعية في البلاد. وكما هو متوقع في خصوص منظمة ذات أثر سياسي أساسي في تاريخ البلاد، من الصعب فصل الاجتماعي عن السياسي، والظرفي بالعام، فكانت التقييمات متباينة إلى حد التناقض خاصة بين أنصار السلطة ومعارضيها. فهل تعكس نتائج المؤتمر توجهًا تصعيديًا أم مهادنًا مع السلطة؟
لا يمكن قراءة مخرجات مؤتمر المنستير 2026 باعتبارها مجرد محطة تنظيمية عادية، بل هي لحظة حاسمة أعادت ترتيب التوازنات داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، وحسمت صراعًا عميقًا بين مقاربتين: الأولى دفعت نحو تسبيق المؤتمر وإعادة ترتيب البيت الداخلي، والثانية تمسكت بخيار التصعيد عبر الإضراب العام وتأجيل الاستحقاق التنظيمي. انتصار المقاربة الأولى لم يكن مجرد تفوق ظرفي، بل يعكس تحوّلًا في أولويات جزء واسع من النخب النقابية، التي باتت ترى أن استعادة فاعلية الاتحاد تمر أولًا عبر إعادة بناء تماسكه الداخلي، قبل خوض معارك كبرى مع السلطة.
اقرأ/ي أيضًا: صلاح الدين السالمي أمينًا عامًا لاتحاد الشغل.. كيف توزعت مسؤوليات المكتب الجديد؟
مثلت القائمة الفائزة أي قائمة "الثبات والتحدي" تحالف خبرة ونفوذ جهوي وقطاعي. وأفرزت الانتخابات فوزها بقيادة صلاح الدين السالمي، وهي قائمة لا يمكن فهمها فقط من خلال أسمائها، بل من خلال ما تمثله من توازنات دقيقة بين القطاعات والجهات.
لم يكن الصراع داخل مؤتمر اتحاد الشغل بين "موالاة" و"معارضة" للسلطة، بل بين تصورين لوظيفة الاتحاد، الأول يعتبر أن الأولوية هي للتصعيد والضغط المباشر، والثاني يرى أن استعادة الفاعلية تمر عبر ترتيب البيت الداخلي وبناء توازنات صلبة
فيما يلي أولًا أسماء وصفات أعضاء المكتب الجديد:
صلاح الدين السالمي: أمين عام مساعد والذي يعود في الأصل إلى قطاع التعليم الأساسي (الابتدائي سابقًا) وهو من جهة القيروان (مقرب من الأمين العام السابق للاتحاد حسين العباسي)، ويعود وجود السالمي في الهياكل إلى ثمانينيات القرن الماضي ومن ثمة هو أكثر قيادي مخضرم في القائمة الفائزة، وهو ما يفسر تقلده موقع الأمانة العامة، خاصة أنه كان من أكثر الأصوات الداعية في التنفيذي السابق على موقف تسبيق المؤتمر، وتمسك به رغم أنه كان موقفًا أقليًا.
عثمان الجلولي: عضو مكتب تنفيذي متخلٍّ، ويعود في الأصل إلى قطاع الصحة وهو من جهة قفصة أحد أهم الاتحادات الجهوية تاريخيًا.
طاهر المزي البرباري: أمين عام مساعد مكلّف بالقطاع الخاص في المكتب التنفيذي السابق وهو من قطاع المعادن ومن جهة بنزرت.
جبران بوراوي: كاتب عام الاتحاد الجهوي للشغل بتونس، أي أكبر اتحاد جهوي من حيث ثقل نيابات المؤتمر، وهو أحد أهم مهندسي المؤتمر مع جهات صفاقس وقفصة.
صلاح بن حامد: كاتب عام الاتحاد الجهوي للشغل بقابس وهو أحد أكبر الاتحادات الجهوية خاصة في الجنوب.
سلوان السميري: كاتب عام الجامعة العامة للنفط والمواد الكيميائية.
أحمد الجزيري: كاتب عام الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين.
سليم البوزيدي: كاتب عام الجامعة العامة للكهرباء والغاز.
فخر الدين العويتي: كاتب عام الجامعة العامة للمعادن والإلكترونيك.
وجيه الزيدي: كاتب عام الجامعة العامة للنقل.
سامية عميد الحاجي: قيادية نقابية عن الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس وهو ثاني أكبر الاتحادات الجهوية بعد تونس.
نهلة صيادي: قيادية نقابية عن الاتحاد الجهوي للشغل بالمنستير ويمثل مع جهة سوسة ثقل جهة الساحل الهامة خاصة في نقابات القطاع الخاص.
بولبابة السالمي: كاتب عام الجامعة العامة للقيمين والقيمين العامين.
الطيب بحري: كاتب عام الجامعة العامة للبناء والأخشاب.
مبروك التومي: قيادي نقابي عضو جامعة التعليم الثانوي وهي من أكثر الجامعات القطاعية ثقلًا.
يمثل صلاح الدين السالمي، الأمين العام الجديد، القادم من قطاع التعليم الأساسي ومن جهة القيروان، حلقة وصل بين "الذاكرة النقابية" والمرحلة الجديدة، باعتباره من القيادات المخضرمة منذ الثمانينيات، ومن أبرز المدافعين عن خيار تسبيق المؤتمر حتى عندما كان موقفًا أقليًا. وصعوده إلى موقع القيادة يعكس انتصار خط سياسي - تنظيمي أكثر منه مجرد توافق شخصي.
نحن إزاء بداية مرحلة جديدة، ولكن بشروط. ما حدث في المنستير ليس نهاية الصراع داخل اتحاد الشغل، بل إعادة صياغته في شكل جديد. انتصرت مقاربة "التثبيت وإعادة البناء"، لكن نجاحها سيبقى مشروطًا بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة
إلى جانبه، يحضر عثمان الجلولي من قطاع الصحة ومن جهة قفصة، بما تحمله هذه الجهة من رمزية تاريخية داخل الاتحاد، في حين يمثل طاهر البرباري، العضو الآخر الباقي من التنفيذي السابق، امتدادًا لقطاع المعادن وجهة بنزرت، بما يعكس توازن الشمال الصناعي داخل التركيبة.
لكن الثقل الحقيقي يتجلى في الحضور الجهوي المنظم، خاصة مع جبران بوراوي، كاتب عام الاتحاد الجهوي في تونس (أثقل اتحاد جهوي من حيث عدد المؤتمرين)، والذي لعب دورًا مركزيًا في هندسة التحالفات، إلى جانب جهات قوية نقابيًا مثل صفاقس وقفصة. ويعزز هذا الامتداد حضور صلاح بن حامد عن قابس، بما تمثله من ثقل في الجنوب.
في المقابل، تؤكد بقية الأسماء الحضور القوي للقطاعات الاستراتيجية: النفط، البنوك، الكهرباء والغاز، النقل، المعادن، والبناء، والتعليم الثانوي، وهي قطاعات تمثل "العمود الفقري" للقوة التفاوضية للاتحاد. كما يعكس وجود قيادات مثل سامية عميد الحاجي (صفاقس) ونهلة صيادي (الساحل) توازنًا جهويًا دقيقًا، خاصة في المناطق ذات الكثافة النقابية العالية في القطاع الخاص.
اقرأ/ي أيضًا: القيادة الجديدة لاتحاد الشغل.. من هو صلاح الدين السالمي وما أبرز التحديات؟
سياسيًا وإيديولوجيًا لسنا بصدد تغييرات راديكالية. بقيت بعض الحساسيات حاضرة من خلال سيرة بعض النقابيين، سواءً في اليسار التقليدي المستقل، ومنهم السالمي نفسه، أو حزب العمال (عضو جامعة الثانوي). وغير صحيح أن "النهضة تهمين"، حيث أن البرباري المحسوب سابقًا عليها، لم يصعد في هذا المؤتمر، بل تعايش مع مختلف المكاتب التنفيذية، ومن الصعب الحديث عنه بصفته عضوًا منتظمًا وممثلًا للنهضة. وهو حال أعضاء آخرين جدد من جيل أكثر شبابًا خاضوا تجارب سابقة عندما كانوا طلبة في صفوف أطراف يسارية أو قومية. لكن من الواضح أنه لا توجد أسماء وازنة معروفة عن التيار القومي، مثلما كان الحال سابقًا، كما أن مختلف فصائل "الوطد"، القريبة للسلطة أو من المعارضة، لم تعد ممثلة في المركزية الجديدة، وذلك لأول مرة منذ سنوات عديدة، سواءً لتراجعها في القطاعات التاريخية (التعليم) أو الجهات التي تتمركز فيها عادة (الشمال الغربي خاصة). فما الذي حسم المعركة فعليًا؟
خلافًا للقراءات السطحية، لم يكن الصراع داخل المؤتمر بين "موالاة" و"معارضة" للسلطة، بل بين تصورين لوظيفة الاتحاد: تصور يعتبر أن الأولوية هي للتصعيد والضغط المباشر، وآخر يرى أن استعادة الفاعلية تمر عبر ترتيب البيت الداخلي وبناء توازنات صلبة.
ما حسم المعركة فعليًا هو التحالف المركب بين الجهات والقطاعات. فعندما تلتقي الاتحادات الجهوية ذات الثقل العددي (تونس، صفاقس، قفصة، قابس) مع الجامعات القطاعية المؤثرة، يصبح الحسم مسألة موازين قوى أكثر منه صراع شعارات.
نحن أيضًا إزاء الانتقال من جيل إلى آخر، ولكن تحت سقف الخبرة. إذ من أبرز مخرجات المؤتمر أيضًا صعود جيل جديد نسبيًا داخل القيادة، حيث ينتمي 8 من أصل 15 عضوًا إلى الفئة العمرية بين 45 و55 سنة. هذا التحول لا يعني قطيعة مع الماضي، بل انتقالًا تدريجيًا تقوده شخصيات مخضرمة مثل السالمي. بعبارة أخرى، نحن أمام تجديد مراقَب، وليس ثورة داخلية، وهو ما يفسر الطابع "الهادئ" لعملية الانتقال، خاصة مع خروج نور الدين الطبوبي بشكل منظم، بعد أن ساهم في تأمين هذا التحول رغم تباين مواقفه في البداية.
اتحاد الشغل اليوم أمام فرصة حقيقية لانطلاقة جديدة، مدعومة بجيل صاعد وتوازنات واضحة، لكنه في الوقت نفسه أمام اختبار صعب: إما أن يتحول هذا التوازن إلى قوة، أو يعود الصراع الداخلي بأشكال أكثر حدّة في المستقبل
تبدو الأولوية واضحة أي ترميم الداخل قبل أي تصعيد أو مواجهة، حتى مع استمرار رفض السلطة الحالية للحوار الاجتماعي. الرسالة الأساسية التي خرج بها المؤتمر واضحة: الاتحاد اليوم في حاجة إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي، واستعادة صورته، وتوحيد هياكله، قبل العودة إلى المواجهة الاجتماعية مع السلطة. وهو أمر مفهوم قياسًا بحالة الاهتراء الاجتماعي التي شهدتها المنظمة بسبب انخراطها بأشكال مثيرة للجدل في حسابات السلطة والتموقع، خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، وهيمنة صورة الامتيازات الاجتماعية إضافة إلى تمرير الفصل 20 الذي كشف بشكل غير مسبوق تمسكًا بالتموقع في المركزية النقابية.
لكن هذا الخيار يطرح تحديًا حقيقيًا، في ظل استمرار رفض السلطة فتح باب المفاوضات الاجتماعية، ما قد يضع القيادة الجديدة أمام اختبار مبكر: هل تنجح في الجمع بين التهدئة الداخلية والحفاظ على الدور النضالي؟
ولا يقتصر دور الاتحاد على الملف الاجتماعي، بل يمتد إلى التوازنات الوطنية، والدفاع عن الحريات، والمساهمة في إدارة الحوار العام، إضافة إلى حضوره في القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. غير أن استعادة هذا الدور تبقى رهينة عاملين أساسيين: مدى قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على وحدة المنظمة، وأيضًا قدرتها على تحويل هذا "التحالف الداخلي" إلى قوة فعلية في الميدان.
في الخلاصة نحن إزاء بداية مرحلة جديدة، ولكن بشروط. ما حدث في المنستير ليس نهاية الصراع داخل الاتحاد، بل إعادة صياغته في شكل جديد. انتصرت مقاربة "التثبيت وإعادة البناء"، لكن نجاحها سيبقى مشروطًا بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة. فالاتحاد اليوم أمام فرصة حقيقية لانطلاقة جديدة، مدعومة بجيل صاعد وتوازنات واضحة، لكنه في الوقت نفسه أمام اختبار صعب: إما أن يتحول هذا التوازن إلى قوة، أو يعود الصراع الداخلي بأشكال أكثر حدّة في المستقبل.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
قراءة في نقاشِ اليسار الراديكاليّ من زاوية ديمقراطية - اجتماعية
"يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ.. حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة.. لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع الملفّات في مشروعٍ سياسيٍّ واحد"
ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
خلاف بين الفنان رؤوف ماهر ومهرجان المنستير.. ما القصة؟
وجه الفنان رؤوف ماهر رسالةً إلى مدير مهرجان المنستير الدولي إثر..
موجة حرّ متوقعة في تونس الأسبوع القادم
المرصد التونسي للطقس والمناخ: الحرارة ستكون أربعينية في أغلب المناطق التونسية لعدة أيام أي من 40 إلى 45 درجة عمومًا على أغلب المناطق التونسية
طقس تونس.. درجات الحرارة القصوى تصل إلى 43 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 19 أوت/أغسطس 2026 سيكون..
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية