ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
12 أغسطس 2026
مقال رأي
"مسيرات المعارضة هي أحسن ردّ على من يتّهم قيس سعيّد بالدكتاتورية"، هكذا يدافع عبيد البريكي، رئيس حزب "تونس إلى الأمام" ووزير الوظيفة العمومية في إحدى حكومات "العشرية السوداء" والقيادي السابق في المركزية النقابية، عن السلطة التي أعادت البلد إلى مربّع القمع والمحاكمات السياسية ووضع المعارضين في السجون وخنق العمل المدني والنقابي ومصادرة الإعلام الحرّ، وأغلقت، بالنهاية، قوس انتقال ديمقراطي اختارت السلطة مواجهة إخفاقاته بصورة قتل المريض لا معالجة المرض. البريكي بالمناسبة هو من القلّة القليلة من النخبة السياسية الداعمة للسلطة الحالية التي، بطبيعة تشكيلها، معادية للنخب ومنها الأحزاب، ذلك أن جلّ وجوهها إما معارضة ومنها من تدفع ثمن معارضته سجنًا أو منفى، وإما اختارت الابتعاد عن الأضواء دون شجاعة الموقف. فهذه السلطة صعّبت المهمّة على كل فاعل نخبوي يريد وضع بيضه معها لغاية أو لأخرى.
ولذلك، خروج قيادي سياسي ونقابي للدفاع عنها وهي التي ليس فقط أثبتت معادتها للديمقراطية، ولكن أوغلت في ممارسة الفشل في إدارة الدولة، يجعل تصريحه مما يستحق التوقف عنده. عبيد البريكي لا يعكس وزنًا في الساحة السياسية (للتذكير حصل على أقل من 5800 صوت في رئاسيات 2019 أي 0.17 في المائة) ولكن "تميّزه" في هذه الفترة في أنه يمعن في التغريد خارج السرب. والمعضلة أو المفارقة أن هذا التغريد يُمارس باسم "الحركة الديمقراطية". فحزبه سليل تيار الوطنيين الديمقراطيين، وخيار البريكي الانحياز للسلطة الحالية يتقاطع مع خيار تفريخات أخرى لهذا التيار منها ما يقوده النائب في "العشرية السوداء" منجي الرحوي، في وضع البيض في سلّة سلطة لا تخفي فقط ممارستها الاستبدادية، بل لا تبدو في حاجة أصلًا إلى ودّ هؤلاء، ولا تتردد في التعامل معهم بالازدراء نفسه الذي تعامل به بقية النخب والأحزاب. الصورة تبدو أحيانًا كاريكاتورية أو مثيرة للسخرية على نحو ما يعكسه تفاعل ناشطين مع تصريحاته، وهي في العمق صورة مثيرة للازدراء.
عبيد البريكي وأمثاله لا وزن سياسي أو شعبي لهم، لكن بأقوالهم ومواقفهم، هم اليوم كالخنجر في خاصرة المعتقلين السياسيين داخل السجون، وفي خاصرة كل من يدفع ضريبة معارضة هذه السلطة. هم أدعياء الديمقراطية المعادين للديمقراطية والذين باتوا جزءًا من ماكينة التبرير لوحشية السلطة
هنا المسألة لا تتعلق بمصادرة لحق فاعل سياسي في تقدير موقف ما بغض النظر عن مضمونه، ولكن في حقنا في مساءلة هذا المضمون بكل صرامة خاصة لما يتضمّنه من إيغال في الإيهام بغير الحقيقة وهو تسلّط هذه السلطة ومعاداتها للديمقراطية، وهو موقف يُقدّم ممن لازال يصرّ على تقديم نفسه أنه محسوب على الحركة الديمقراطية ولا يتردّد في إعطاء الدروس حول الديمقراطية. المعضلة تتعلق بالمخاتلة في أبسط توصيف عبر ادعاء صفة دون حمل مدلولها في الحد الأدنى. ليس كل سياسي يقدّم نفسه أنه ديمقراطي يجب أن نتعامل معه على أنه ديمقراطي. هذا معلوم، ولكن من الواجب التأكيد عليه في زمن انتكاسة الديمقراطية متى تحوّل هؤلاء أدعياء الديمقراطية إلى وحوش غير بريئة تدعم التسلّط وتبرّره، فتصبح معاول للهدم بتبييض المحاكمات السياسية وتبرير استهداف الحريات العامة. هم عليهم شجاعة التصريح بأنهم غير ديمقراطيين (وبالمناسبة بيان حزب البريكي في ذكرى 25 جويلية/يوليو دعا للتوقف عن الإيغال في الجدل القانوني حول التدابير باعتبارها "حلًا سياسيًا لأزمة سياسية" وما يعنيه ذلك من شرعنة تجاوز القواعد الدستورية). ونحن علينا شجاعة مواجهتهم بأنهم غير ديمقراطيين وأنهم حلفاء للاستبداد.
عودةً لحجة البريكي حول عدم ديكتاتورية الرئيس وهو مسيرات المعارضة في الشارع فهي تعكس، في الواقع، المستوى السطحي المحض لفهم الديمقراطية وأسسها ومعايير قياسها. والحقيقة لازلت أستصعب أن يكون ذلك تقديره الحقيقي باعتبار أن الرجل بحكم تجاربه السابقة يملك الحد الأدنى من الوعي أو الفهم. ولكن ربما لم يجد أي طريقة لرد واقع الاستبداد إلا بالدفع بوجود مسيرة للمعارضة في مغالطة مفضوحة. فالصورة أشبه بأن مريض يعاني حمى قاتلة، ولكن يتم الدفع بأنه ليس مريضًا مادام لازال يتنفّس. وإنما هي ما تبقّى من متنفّس يمارس فيه المشاركون حقهم في الوجود داخل آخر مربعات الفضاء العام، الذي لم يُمنح لهم منّةً من السلطة، بل انتزعته أجيال من النضال الديمقراطي وعُمّد بدماء الشهداء. والحقيقة أن ممارسة حرية عامة كحرية التظاهر ليس دليلًا على ديمقراطية السلطة في كل الأحوال لأن عدم التقييد أو القمع قد يكون مرتبطًا بتوازنات قوى أو حسابات لا بخيارات.
وهنا لا يمكن، في كل الأحوال، التشكيك في خيار هذه السلطة منذ البداية في بناء سلطوية فردية وهدم أسس النظام الديمقراطي بدءًا من الانقلاب على الدستور وكتابة آخر دون مشاركة في إعداده، ونسف ضمانات استقلال القضاء وتوظيفه في المحاكمات السياسية بشكل مباشر ومفضوح، وحلّ جلّ الهيئات العمومية والاستفراد بالعمل السياسي بعد إقصاء الأحزاب، وفرض مربعات الترهيب في الإعلام الخاص مع تحول الإعلام العمومي لآية دعاية حكومية سمجة، وذلك دونًا عن التقييدات المتصاعدة للعمل النقابي وحرية العمل الجمعياتي.
وربما يكفي، على سبيل القياس الوحيد، العودة لأداء السلطة في الرئاسيات الماضية حينما تم سجن بعض المنافسين، ورفض تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية التي سمحت بترشح آخرين، وتغيير القانون الانتخابي عشية الاقتراع، ومحدودية شروط النزاهة في ظل المناخ السياسي والإعلامي المحاضر وذلك لنعاين بوضوح وجه هذه السلطة.
والسؤال هنا، كيف يمكن لمن يدّعي أنه ديمقراطي أن ينفي عن هذه السلطة معاداتها للديمقراطية؟ الاختلاف مع الآخر السياسي، وهو من البديهي بما كان، لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة. فالموقف المعارض للنخبة السياسية التي أدارت الانتقال الديمقراطي أو لجزء منها، لا يبرّر الانقلاب على الديمقراطية ومن ثمّ تبرير السلطوية والاستبداد بشكل فجّ.
الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. فالموقف المعارض للنخبة السياسية التي أدارت الانتقال الديمقراطي أو لجزء منها، لا يبرّر الانقلاب على الديمقراطية ومن ثمّ تبرير السلطوية والاستبداد بشكل فجّ
علينا أن نكون واضحين تجاه أمثال هؤلاء الأدعياء المراوغين الذين يتفنّنون في الأكل من كل الموائد، وفي طمس المعاني والتنكر للقيم التي يزعمون الانتساب إليها، كما يتنكرون لتضحيات مناضلين أحرار يدفعون اليوم كلفة نضالهم سجنًا ونفيًا وتضييقًا. عبيد البريكي للتذكير كان وزيرًا للوظيفة العمومية في حكومة يوسف الشاهد أي زمن العشرية التي يعتبرها اليوم "أتعس مرحلة في تاريخ البلاد"، وهي التي شارك خلالها في الانتخابات الرئاسية عام 2019 ولم يحصل إلا على 0.17 في المائة من الأصوات، وهي نتيجة كان تفرض على أي سياسي عاقل الاستقالة من المشهد لا البحث عن موقع جديد اليوم على هامش سلطة لا تبحث أصلًا عمن يبرّر لها صنيعها.
عبيد البريكي وأمثاله لا وزن سياسي أو شعبي لهم، لكن بأقوالهم ومواقفهم، هم اليوم كالخنجر في خاصرة المعتقلين السياسيين داخل السجون، وفي خاصرة كل من يدفع ضريبة معارضة هذه السلطة. هم أدعياء الديمقراطية المعادين للديمقراطية والذين باتوا جزءًا من ماكينة التبرير لوحشية السلطة. وهم بذلك ليسوا مجرّد متفرّجين أو أصحاب تقدير، بل شركاء خاصة في إنتاج الرواية التي تسعى إلى التطبيع مع الانتهاكات والانحرافات المؤدية لوأد الديمقراطية وذلك دائمًا لحساب الحاكم ولخدمته، وعلى حساب الديمقراطية وأبنائها الحقيقيين.
وبالنهاية، هناك من اختار أن يكتب اسمه من ذهب في تاريخ النضال الديمقراطي في البلاد، وهناك من اختار أن يترك اسمه في خانة خدام الاستبداد الذي لا يمنحهم، رغم كل ما يبذلونه له، حتى مرتبة الشراكة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"

جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..




