ultracheck
رأي

لم نكتب التّاريخ بعد!

4 ديسمبر 2025
شارع الحبيب بورقيبة تونس John Wreford SOPA Images LightRocket Getty
إنّ تُهمة "العمالة للخارج" ليست بالجديدة، في الوقت الّذي يُصرّ فيه الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره إلصاقها بخصومهم كافّة (صورة توضيحية/John LightRocket/Getty)
بسام بونني
بسام بوننيصحفي وكاتب تونسي

مقال رأي

 

انتشرت، خلال الأيّام الأخيرة، على شبكات التّواصل الاجتماعيّ صورة من مقال صدر بجريدة "الشّروق" التّونسيّة بتاريخ 12 مارس/آذار 2006، ينقل تصريحات للمستشار الرّئاسيّ الرّاحل، عبد العزيز بن ضياء، أهمّ ما جاء فيه أنّ "الاستقواء بالأجنبيّ مرفوض". سبب انتشار هذه الصّورة هو التّذكير بأنّ تُهمة "العمالة للخارج" ليست بالجديدة، في الوقت الّذي يُصرّ فيه الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره إلصاقها بخصومهم كافّة.

والحقيقة أنّ التّهمة أقدم من ذلك بكثير، إذ برزت خلال ستّينيات القرن الماضي بصيغ مختلفة، مع تواتر عبارة "الأفكار الهدّامة القادمة من الخارج" في كثير من التّصريحات الرّسميّة. 
ويذكر كتاب "تونس ومنعرج 1969 على ضوء تقارير من أرشيف البوليس السّياسيّ" للمؤرّخ، عبد الجليل التّميميّ، أنّ إدارة سلامة أمن الدّولة كانت لها أعين تُراقب نشاط المعارضة التّونسيّة بالخارج والبعثيّين التّونسيّين في سوريا والعراق. وهو ما يتقاطع مع مقالات كانت تصدر بين الحين والآخر في الصّحف التّونسيّة آنذاك لتشويه مجرّد شُبهة النّشاط السّياسيّ في الخارج، إلى درجة أنّ الكثير من الطّلبة بجامعتي دمشق وبغداد قضوّا سنوات طويلة بعيدًا عن الوطن خوفًا من بطش السّلطة الحاكمة. 

إنّ تُهمة "العمالة للخارج" ليست بالجديدة، في الوقت الّذي يُصرّ فيه الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره إلصاقها بخصومهم كافّة. وتأريخ تُهمة "الاستقواء بالخارج" ليس استثناء، في الحالة التّونسيّة

لكنّي أعتقد جازمًا أنّ تُهمة "الاستقواء بالخارج" أقدم من ذلك بكثير، خاصّة ببروز صراعات داخليّة حتّى قبل الاستقلال، أوّلًا، بين قيادتي الحزب القديم والحزب الجديد، وثانيًا، إبّان الصّراع البورقيبيّ اليوسفيّ، ناهيك عن نشاط رموز قادة من الحركة الوطنيّة في الخارج، وفي مقدّمتهم أحمد التّليلي، صاحب سلسلة من الرّسائل دعا فيها الحبيب بورقيبة إلى إصلاحات سياسيّة حقيقيّة. 

وإذا ما عجّلنا بعقارب السّاعة فإنّنا سنجد أنّ الرّئيس الرّاحل، زين العابدين بن عليّ أصدر قانونًا، خلال صيف 2010، تحت مسمّى "الأمن الاقتصاديّ" كان يُجرّم، في الواقع، أيّ شكل من أشكال المعارضة، بما في ذلك مجرّد الإدلاء بتصريحات ناقدة لنظامه لوسائل إعلام أجنبيّة.

اقرأ/ي أيضًا: أحزاب ومنظمات: منزلق خطير يهدد المشهد السياسي والحقوقي ومستقبل تونس لا يُبنى بالسجون

وتأريخ تُهمة "الاستقواء بالخارج" ليس استثناء، في الحالة التّونسيّة. فالتّعذيب، على سبيل الذّكر لا الحصر، يبدو ممارسة متأصّلة. وقد تكون سلسلة التّحقيقات الّتي أصدرتها صحيفة "الزّهرة" لصاحبها، عبد الرّحمن الصّنادلي، عن وحشيّة حرّاس سجن جقار، عام 1904، دليلًا على ذلك.

وإذا ما أقدمنا على تمرين بنيّة تفكيك ديناميّات الحكم في تونس، منذ استقلالها، عام 1956، فإنّنا سنجد أنّ القوى التّقليديّة لم تحظ بتأريخ شافٍ، من ذلك الحزب الحاكم واتّحاد الشّغل، مع ما استجدّ من قوى أخرى، كالأحزاب، سواء تلك الّتي عملت في السّرّيّة أو تلك الّتي اعترف بها، انطلاقًا من عام 1981، إلى جانب المنظّمات، وفي مقدّمتها الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان.

وبعيدًا عن أدب السّجون، على أهمّيته، فإنّنا قلّما نجد مراجع علميّة صارمة توثّق لتاريخ التّيّارات الإسلاميّة والقوميّة واليساريّة وتأثّرها بالبيئة التّونسيّة وتأثيرها بها، أو عن محطّات فارقة في تاريخ البلاد، كأحداث 1978 وأحداث قفصة عام 1980 وانتفاضة الخبز عام 1984، إلى جانب المساهمات المحتشمة فيما يتعلّق بعلاقات تونس الخارجيّة، حتّى مع محيطها المغاربيّ أو العربيّ أو الأفريقيّ.

وإن وُجدت بعض المحاولات، فإنّها تبقى، في معظم الأحيان، حبيسة المنشورات الجامعيّة غير المُتاحة للعموم، بسبب مشاكل التّوزيع وغياب الإرادة في تعميم الثّقافة التّاريخيّة.

يفتح الفراغ المعرفيّ الأبواب على مصراعيها أمام التّدجيل والتّزيّيف، خاصّة على شبكات التّواصل الاجتماعيّ الّتي باتت المحمل الأهمّ، فيُوجّه الرّأي العامّ بمنشورات ضعيفة ويُضلّل بروايات غير متماسكة.. والتقط الرّئيس، قيس سعيّد، هذا الواقع، فحاول تطويع التّاريخ لخدمته

وعبر ما يمكن اعتبارها القوّة الدّاخلية النّاعمة كدار العمل والشّركة التّونسيّة للتّوزيع، نجح نظام الرّئيس الرّاحل، الحبيب بورقيبة، في تثبيت سرديّة شبه رسميّة لحركة التّحرّر الوطنيّ وبناء دولة ما بعد الاستقلال.

ومن المثير للانتباه أنّ البيبليوغرافيا الخاصّة بتاريخ تونس المعاصر تبدو أكثر تقدّمًا وتنوّعًا بمؤلّفات إمّا نُشرت بالخارج أو كُتبت بأقلام غير تونسيّة، بما في ذلك ما يتعلّق بثورة 2011 الّتي أطاحت ببن عليّ.

اقرأ/ي أيضًا: 6 سنوات على حكم قيس سعيّد.. مختصون: سيطرة على القضاء وعبث اقتصادي

ويفتح هذا الفراغ المعرفيّ الأبواب على مصراعيها أمام التّدجيل والتّزيّيف، خاصّة على شبكات التّواصل الاجتماعيّ الّتي باتت المحمل الأهمّ، فيُوجّه الرّأي العامّ بمنشورات ضعيفة ويُضلّل بروايات غير متماسكة.

والتقط الرّئيس، قيس سعيّد، هذا الواقع، فحاول تطويع التّاريخ لخدمته، إذ كثيرًا ما يراه حجّة تدعم ما يُبشّر به من أفكار "مُبتكَرة" أو سلاحًا لضرب خصومه.

لكن، وكما ذكرت إحدى الوثائق الأمنيّة الواردة في كتاب عبد الجليل التّميميّ، فإنّ "هذه المعلومات لا يمكن الجزم قطعيًّا في صحّتها، لانعدام وسائل تثبيتها".

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"


 

الكلمات المفتاحية

العفو الدولية تونس جاسر عيد الترا تونس

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا

"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."


ملعب رادس حسن مراد Getty DeFodi

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ

"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."


احتجاجات ANDREAS SOLARO أ.ف.ب.jpg

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا

"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."


وحدة المدني والأهلي في انتفاضة مدينة قابس البيئية

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!

"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

كرة اليد تونس istockphoto
منوعات

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس

أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
سیاسة

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر

جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".


القضاء القانون فتحي بلعيد أ فب Getty
مجتمع

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية

قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

تعرف على قائمة الطرق المنقطعة في تونس
مجتمع

تعرّف على الطرق المقطوعة بسبب الأمطار في تونس

أصدرت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، بلاغًا تحذيريًا محينًا، دعت من خلاله كافة مستعملي الطريق إلى توخي الحذر، على خلفية تسجيل انقطاعات في حركة المرور بعدد من الطرقات، وذلك نتيجة التقلبات الجوية الأخيرة وما نجم عنها من تراكم لمياه الأمطار وفيضان بعض الأودية

الأكثر قراءة

1
مجتمع

انهيار 5 مبانٍ آيلة للسقوط في باب سويقة وإخلاء أخرى بتونس المدينة


2
مجتمع

الخميس.. تواصل تعليق الدروس في بنزرت وبعض المعتمديات في نابل


3
مجتمع

قائمة محينة للطرقات المقطوعة في عدد من الولايات إثر الأمطار الغزيرة


4
منوعات

معهد الرصد الجوي: طقس تونس سيشهد تحسّنًا ملحوظًا قبل تسجيل تقلبات جديدة


5
ثقافة وفنون

من بينهم أحلام ووائل جسّار.. فنانون يتضامنون مع تونس إثر سيول عنيفة