ultracheck
رأي

لماذا يبحث قيس سعيّد عن "تفويض شعبي"؟

29 ديسمبر 2025
لماذا يبحث قيس سعيّد عن "تفويض شعبي"؟
خطاب الإيهام بـ"الحسم الشعبي" هو بالضرورة خطاب تقسيمي، خاصة متى كان مترادفًا مع خطاب التخوين (صورة أرشيفية/الشاذلي بن إبراهيم/NurPhoto/Getty)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقيباحث من تونس

مقال رأي  

 

وصّف الرئيس التونسي قيس سعيّد تظاهر أنصاره دعمًا لسلطته في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، يوم 17 ديسمبر/كانون الأول المنقضي الموافق لعيد الثورة، بمثابة "التفويض الشعبي" عند استقباله رئيس الحكومة سارة الزعفراني يوم 24 من نفس الشهر. كان الرئيس حاسمًا في اعتبار أن التفويض "تداعى فيه التونسيون والتونسيات في تونس العاصمة وفي كافة أنحاء الجمهورية"، والألف واللام تعكس اختزالًا للتونسيين دفعة واحدة في أنصاره. وكيّف التفويض بأنه "رسالة مضمونة الوصول محتواها صفعة تاريخية لكل المتربصين" داعيًا بذلك رئيسة الحكومة للمرور إلى "السرعة القصوى" في كل المجالات.

الإصرار على ادعاء "التفويض الشعبي" يعكس حالة قلق داخل عقل السلطة بما جعلها لا تفوّت فرصة مشهدية الإسناد لتوظيفها ليس فقط لردّ هذا القلق ولكن أيضًا للتأكيد على "المضي إلى الأمام". وربّما يكون تكرّر مشاهد تظاهر المعارضين الغاضبين هو مصدر هذا القلق 

هناك سؤال جوهري يتبادر للذهن: هل الرئيس الذي يُنتخب قبل عام واحد فقط بنسبة 90 في المائة، في "انتخابات العبور" يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وذلك بأكثر من 2.4 مليون ناخب، هو بحاجة إلى "تفويض شعبي" للمضي إلى "السرعة القصوى" أو للوقوف والدوران؟ المفترض أن من يصعد بهكذا نسبة تسعينية في أول عام من عهدة خماسية هو في غنى عن البحث عن شرعية أخرى أو ادّعاءها، خاصة إن بدا المُستند عليه ليس بالصلابة المتخيّلة. فإن ما كان الحديث عن دعم شعبي إيجابي يتمظهر في نزول الناس للشارع، فتظاهر الأنصار يوم 17 ديسمبر/كانون الأول لا يرتقي لاعتباره يوم "الحشد" كما اُريد تصويره. 

عمل أنصار الرئيس في العاصمة وفي الجهات للتحشيد لمسيرة السلطة "دعمًا للقيادة وتأكيدًا على السيادة"، وانخرط نوّاب ووجوه في السلطة في مخاض التحشيد، وثم كان البيّن توظيف الحافلات لجلب المتظاهرين، وبالنهاية لم يتجاوز عدد الحاضرين أربعة آلاف في أحسن التقديرات. إذن بمرجع التمثيلية لتأسيس "تفويض شعبي"، يوجد هنا خلل. 

وللتذكير قبل أربع سنوات، خرج الأنصار يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول 2021 للشارع، وأعلن الرئيس وقتها أن عددهم بلغ 1.8 مليون تونس، وهو عدد ضخم جدًا. ولليوم لازالنا نتخيّل كيف خرج نحو خمس الشعب التونسيين عن بكرة أبيه في يوم واحد للشارع؟ مرّة أخرى. يوجد تقدير مبالغ فيه في الحساب.

لكن إن تجاوزنا حديث "القياس"، فلفظ "التفويض الشعبي" سُرعان ما تلقّفته مصالح رئاسة الحكومة التي حسمت في بلاغ حول اجتماع مجلس الوزراء بأن "الشعب أعطى تفويضًا جديدًا لسيادة رئيس الجمهورية" مكرّرة المضي نحو "السرعة القصوى". ويكشف استعادة نفس المعجم الرئاسي عن سعي في تأكيد انضواء القصبة تحت غطاء قرطاج ليس على المستوى المؤسسي المحسوم بدستور أعطى لرئيس الجمهورية اليد العليا، ولكن على المستوى الاتصالي وليس عند مستوى الاتصال الخارجي المحض، ولكن أيضًا الداخلي أي تجاه الرئاسة نفسها، خاصة وهي طالما تشكو التعطيلات "من الداخل" وتشكّك في نوايا من يعملون على التنفيذ دون المطلوب لغايات مشبوهة.

 المعضلة في خطاب السلطة هو تعمّد تجسيد التونسيين، كأنهم جماعة واحدة متجانسة في خياراتها، كداعمين للسلطة، أما الآخرون فهم المشتبه أنه تحرّكهم دوائر التآمر والعمالة. هو تكريس أبجدي لثنائية "النحن" و"الهم" و"الأخيار" و"الأشرار" 

في الأثناء، إن الإصرار على ادعاء "تفويض شعبي" يعكس حالة قلق داخل عقل السلطة بما جعلها لا تفوّت فرصة مشهدية الإسناد لتوظيفها ليس فقط لردّ هذا القلق ولكن أيضًا للتأكيد على "المضي إلى الأمام". وربّما أن تكرّر مشاهد تظاهر المعارضين الغاضبين في الأسابيع الماضية هو مصدر القلق على نحو أن هذا الشارع الغاضب بدا باعثًا للشكوك، بما استلزم التباهي بشارع الإسناد الذي يختزله الرئيس أنه المعبّر عن "التونسيين والتونسيات". وكان للمفارقة أنه عندما كان الأنصار يهتفون ويرقصون ويطلقون شعارات المساندة للسلطة، كان تونسيون آخرون يعبّرون عن غضبهم في قابس في خضم أزمة بيئية لازالت تلقي بنتائجها الثقيلة على حياة الناس وصحّتهم.

 المعضلة في خطاب السلطة هو تعمّد تجسيد التونسيين، كأنهم جماعة واحدة متجانسة في خياراتها وتقديراتها، كداعمين للسلطة، أما الآخرون فهم المشتبه أنه تحرّكهم دوائر التآمر والعمالة. هو تكريس أبجدي لثنائية "النحن" و"الهم" و"الأخيار" و"الأشرار" الذين يواجهون وصم السلطة، ولكن، في نفس الوقت، يتمّ توظيف مظاهراتهم للتأكيد على أن السلطة تحمي الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التظاهر.

خطاب الإيهام بـ"الحسم الشعبي" هو بالضرورة خطاب تقسيمي، خاصة متى كان مترادفًا مع خطاب التخوين. التونسيون هم جماعة مواطنية واحدة يتشاركون الانتماء لوطن واحد داخل حدود دولة واحدة، ولكنهم ليسوا جماعة سياسية واحدة، ولا يمكن، باسم مسيرة دعمًا لهذا الطرف أو ذاك، الجزم والقطع بأن لهم خيار سياسي واحد ينطق به رأس السلطة. فالانتخابات بما تعنيه من وسيلة للتمثيل الشعبي هي آلية ترجيح في نهاية المطاف عبر التصويت، ولا تعطي نتائجها الحق لأي طرف، مهما كان وزنه الشعبي، الادعاء بتمثيل "الكل". إن الحسم بأن "التونسيين" بالألف واللازم يعطون تفويضًا شعبيًا يعزّز المخاوف أن "الآخرين"، وهم تونسيون أيضًا، موضوع التفويض.

إنّ ادعاء وجود تفويض بالشارع يبقى إشكاليًا أيضًا بالسؤال: إن كان تظاهر بضع آلاف تفويضًا شعبيًا، فما هو المقياس لنقول إن التفويض انتهى؟ وهل حينما يملأ معارضون شارع بورقيبة أكثر مما ملأه القادمون بحافلات من الجهات، يحقّ للمعارضين أن يعلنوا من جهتهم تفويضًا مضادًا؟

فلفظ "التفويض الشعبي" هو نفسه الذي استعمله عبد الفتاح السيسي في مصر بعد انقلابه العسكري في جويلية/يوليو 2013 عندما دعا المصريين لتفويضه "لمحاربة الشر"، وقد خرج مصريون مبتهجون بالانقلاب فيما اعتبر القائد العسكري وقتها "تفويضًا" لدحر مصريين آخرين معارضين بما تجسّد في مذابح "المنصة" و"رابعة". وتبيّن وقتها أن هذا التفويض الشعبي كان رخصة للخروج عن القانون وعن السلم الأهلية واستدعاء للدّم في مصر في واحد من أكثر المشاهد دموية في التاريخ السياسي المعاصر.

اقرأ أيضًا: 17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

وإنّ ادعاء وجود تفويض بالشارع يبقى إشكاليًا أيضًا بالسؤال: إن كان تظاهر بضع آلاف تفويضًا شعبيًا، فما هو المقياس لنقول إن التفويض انتهى؟ وهل حينما يملأ معارضون شارع بورقيبة أكثر مما ملأه القادمون بحافلات من الجهات، يحقّ للمعارضين أن يعلنوا من جهتهم تفويضًا مضادًا؟ وهل يُعترف أصلًا بالمعارضين ضمن جماعة "الشعب" من أصله؟ هنا المأزق، وهذا نتاج خطاب السلطة في نهاية المطاف.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

القضاة المعفيون بلعيد.jpg

أين استقلال القضاء في تونس؟

لا يمكن لقاضٍ أن يكون مستقلًا ومساره المهني بيد السلطة السياسية. وبالتالي لا يمكن لنا أن نثق في نزاهة العمل القضائي ولا في وجود محاكمة عادلة وبالخصوص في المحاكمات التي تستهدف الفاعلين في المجال العام


المعارضة التونسية رابطة حقوق الإنسان

ماذا تحتاج المعارضة.. نوستالجيا دستورية أم تجسير الثقة مع الشارع الاجتماعي؟

"منذ 2011 استغرقت النخب السياسية سلطة ومعارضة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري".. هذا الهاجس أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة.."


التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

مذكرات العمل التي صدرت عن المندوبين الجهويين للتربية، والتي أقرّت منع هذه الاحتفاليات التلمذية المعروفة بـ"الدخلة" و"الكراكاج" وما شابه ذلك، منعًا باتًا بل واعتبارها مظاهر إخلال يعاقب عليها القانون.. قد خلقت جدلًا على منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الصفحات التلمذية المنشغلة بالشأن التربوي التونسي بين رافض ومؤيد


مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟

مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟

كان الصراع داخل اتحاد الشغل منذ ماي 2025، على الأقل، بين توجه يعتبر الأولوية خوض معركة مع السلطة في سياق رفض السلطة التفاوض وتعطيل تنفيذ الاتفاقات مقابل توجه آخر يعتبر الأولوية ترتيب البيت الداخلي وإنجاز مؤتمر قبل أوانه (تاريخ المؤتمر مفترض يكون بداية سنة 2027) وتجديد القيادة

كوثر بن هنية صوت هند رجب
ثقافة وفنون

رفضت قبول جائزة في برلين.. كوثر بن هنية: ما حدث لهند رجب جزء من إبادة جماعية

كوثر بن هنية: ما حدث لهند رجب ليس استثناءً، بل هو جزء من إبادة جماعية، والليلة في برلين، هناك أشخاص وفروا الغطاء السياسي لتلك الإبادة عبر إعادة توصيف القتل الجماعي للمدنيين على أنه "دفاع عن النفس" أو كـ "ظروف معقدة" وعبر تشويه سمعة المحتجين

تاكسي John Wreford SOPA Images LightRocket Getty
مجتمع

بعد سطو مسلح… نقابة التاكسي تطالب بتركيب كاميرات داخل السيارات

دعت النقابة الأساسية للتاكسي الفردي الجهات المعنية إلى الإسراع بفرض تركيب كاميرات مراقبة داخل جميع سيارات الأجرة، على غرار وسائل النقل العمومي الحديثة، بهدف الحدّ من الجريمة وتأمين الحماية الضرورية للسائقين والحرفاء. كما شددت على أهمية تدخل وزارة العدل لمراجعة العقوبات وتسليط أشدّ الجزاءات على المتورطين في جرائم السطو


طقس تونس شمس.jpg
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة وارتفاع في درجات الحرارة

أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي، يوم الأربعاء 18 فيفري 2026، بأنّ طقس تونس سيكون مميّزًا بسحب عابرة بأغلب المناطق وتكون الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة، ثمّ تتقوّى تدريجيًا لتصبح قوية نسبيًا قرب السواحل

فتح باب التسجيل برياض الأطفال العمومية الدامجة للسنة التربوية 2024-2025.jpg
مجتمع

"خرق للقانون".. وزارة المرأة: نحذر مؤسسات الطفولة من نشر صور الأطفال

ذكّرت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ القائمين على إدارة مؤسسات الطفولة الخاصة، يوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 من محاضن ورياض أطفال ومحاضن مدرسية ونوادي، أنّه يمنع منعًا باتًا نشر صور الأطفال عبر المواقع والمنصات وصفحات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت

الأكثر قراءة

1
منوعات

"صبرية في السبعينات" و"صاحبك راجل 2".. مسلسلات كوميديا رمضان 2026 في تونس


2
مجتمع

أبرز عادات شهر رمضان في تونس.. من بوطبيلة إلى موائد الإفطار


3
مجتمع

نقابة ديوان التونسيين بالخارج: تجاوزات خطيرة وهرسلة المُبلّغين عن الفساد


4
مجتمع

تفكيك وفاقين إجراميين ينشطان في تبييض الأموال وترويج المخدرات في تونس


5
مجتمع

جمعية: مقترح قانون التقاعد المبكّر للنساء تمييزي ويُعمّق أزمة الصناديق الاجتماعية