لماذا لم يقع حلّ الأحزاب التي لم تكشف مصادر تمويلاتها؟

لماذا لم يقع حلّ الأحزاب التي لم تكشف مصادر تمويلاتها؟

جدل مستجدّ حول مصادر تمويل الأحزاب خاصة الكبرى منها (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

بضعة أشهر تفصلنا عن الانتخابات التشريعية والرئاسية، وقد انطلقت الحملات الانتخابية بصفة مبكرة لبعض الأحزاب السياسية واستهلت معها حملات التشويه قوامها تبادل التهم حول تمويلات الأحزاب وحول نظافة يد السياسيين وخضوعهم للوبيات المال والمصالح، وارتهان ضمائرهم مقابل منافع ومكاسب خاصة وأنّ أغلب تلك الأحزاب لم تقم بتسوية وضعيتها في إطار مرسوم 2011 الذي يلزم الأحزاب بتقديم تقاريرها المالية والسنوية للجهات المعنية.

مشهد لا يختلف كثيرًا عن الذي شهدناه خلال الاستحقاقات الانتخابية الماضية، ولم يتغيّر فيه سوى واقع التحالفات أو زيادة عدد الأحزاب التي بلغت 218 حزبًا جلّها غير معروفة لدى الرأي العام، وليس لها صيت يُذكر أو حتى ظهور إعلامي. 

لا يطغى اليوم في النقاشات حول الانتخابات المقبلة سوى التساؤل عن التحالفات الجديدة أو مصادر تمويلات الأحزاب. وعلى غرار الانتخابات الرئاسية والتشريعية 2014 والانتخابات البلدية 2018، يتجدد الجدل خصوصًا حول تمويل الأحزاب وتحديدًا حول عدم تفعيل إجراءات مرسوم 2011 ومنها حل الأحزاب التي لم تلتزم بنشر تقاريرها المالية رغم التنبيهات المتكررة.

لا يطغى اليوم في النقاشات حول الانتخابات المقبلة سوى التساؤل عن التحالفات الجديدة أو مصادر تمويلات الأحزاب

وينظم المرسوم التشريعي عدد 87 المؤرخ 24 سبتمبر/أيلول 2011 المتعلق بالأحزاب السياسية، آليات تقديم التبرعات والهبات من الأفراد لصالح الأحزاب. وينص أنه على "كل حزب أن ينشر تقاريره المالية في صحيفة تونسية أو على موقعه الخاص على الانترنت، ويقدّمها بعد ذلك إلى ديوان المحاسبة مع حظر أي شكل من أشكال التمويل الأجنبي".

وإن ينحصر النقاش حول تمويل الأحزاب بين الكبرى منها وبين السياسيين البارزين خصوصًا ممن تشتد المنافسة فيما بينهم، فالمسألة تشمل أيضًا الأحزاب "الصغيرة" وغير المعروفة التي وردت أيضًا في قائمة الأحزاب التي تم تصرّح بحجم ومصادر تمويلاتها.

تنبيهات من الوزارة المعنية دون ردّ صدى

أعلنت مصالح الوزير المكلّف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، بداية أفريل/نيسان 2019، أنّها ستنطلق في الإجراءات القانونية اللازمة تجاه الأحزاب السياسية التي تمّ التنبيه عليها سابقًا ممّن تخلفت عن تقديم تقارير مراقبة حساباتها وقوائمها المالية إلى رئاسة الحكومة أو التي تخلّفت عن تقديم تقاريرها السنوية حول مصادر تمويلها ونفقاتها إلى دائرة المحاسبات وذلك عبر إحالة ملفات المخالفين إلى مصالح المكلّف العام بنزاعات الدولة.

كما أشارت الوزارة إلى أنّها تولت في بلاغ لها بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 "دعوة الأحزاب السياسية إلى المبادرة بتسوية وضعيتها في أقرب الآجال والإيفاء بالالتزامات المحمولة عليها قانونًا قبل اللجوء إلى اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها بالفصل 28 من المرسوم المتعلّق بتنظيم الأحزاب السياسية".

ينصّ المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية على أنّه يمكن أن تصل العقوبات حول التقارير المالية للأحزاب إلى حدّ تعليق نشاط الحزب وحلّه

اقرأ/ي أيضًا: من المسؤول عن تسريب معطيات المبلغين عن الفساد؟

وينصّ مرسوم الأحزاب السياسية على أنّه يمكن أن تصل العقوبات إلى حدّ تعليق نشاط الحزب وحلّه. ويشير في فصله 28 إلى أنّه "يتمّ التنبيه ويحدّد الوزير الأول المخالفة المرتكبة وينبه الحزب بضرورة إزالتها خلال مدة لا تزيد عن ثلاثين يومًا انطلاقا من تاريخ تبليغ التنبيه. فيما يقع تعليق نشاط الحزب إذا لم تتم إزالة المخالفة خلال المدّة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من هذا الفصل. ويتخذ رئيس المحكمة الابتدائية بتونس بطلب من الوزير الأول قرار تعليق أنشطة الحزب لمدة لا تزيد عن ثلاثين يومًا. وللحزب الطعن في قرار التعليق وفق إجراءات القضاء الاستعجالي".

وتٌثار، في الأثناء، فصول هذا المرسوم خلال الحملات الانتخابية فقط مع التغاضي عن مسألة التمويل خارج إطار الحملة الانتخابية أي خلال الفترة الفاصلة بين كلّ استحقاق انتخابي، بما يعني أن إثارة مسألة التمويلات تنحصر في زحام التنافس الانتخابي فقط.

أكثر من 150 حزبًا لم يقدّم تقاريره

تضمنت قائمة الأحزاب السياسية التي لم تقدم تقارير مراقبة حساباتها أو قوائمها المالية أو تقاريرها السنوية للجهات المعنية أكثر من 150 حزبًا سياسيًا حسب الوزارة المكلّفة بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.

فيما اكتفت بعض الأحزاب الأخرى بتقديم تقاريرها إلى دائرة المحاسبات. وينص في الأثناء الفصل 27 من المرسوم على أنّه "ينشر الحزب السياسي قوائمه المالية مرفقة بتقرير مراقب الحسابات بإحدى الجرائد اليومية الصادرة بالبلاد التونسية وبالموقع الإلكتروني للحزب إن وجد في ظرف شهر من تاريخ المصادقة على هذه القوائم المالي"، ولكن لم نطالع يومًا أي صحيفة نشرت القوائم المالية لحزب ما في إطار الشفافية والنزاهة رغم أنّ جلّ قيادات الأحزاب تؤكد على نزاهة مصادر تمويلها.

وكانت قد أعلنت منظمة "أنا يقظ" في جانفي/كانون الثاني 2017 أن 8 أحزاب فقط من مجموع 205 حزبًا حينها قدمت تقاريرها المالية السنوية إلى دائرة المحاسبات إلى حدود 31 ديسمبر/كانون الأول 2016 وفق مراسلة تحصلت عليها المنظمة من الدائرة.

وفي هذا الجانب، أبرز الأحزاب التي لطالما توجهت لها انتقادات وتساؤلات بخصوص تمويلاتها هي حركة النهضة ونداء تونس باعتبار تعدد مكاتبهما في الجهات والمصاريف التي ينفقونها خلال الحملات الانتخابية، ويُضاف إليهم اليوم بالخصوص حزب "تحيا تونس".

تضمنت قائمة الأحزاب السياسية التي لم تقدم تقارير مراقبة حساباتها أو قوائمها المالية أو تقاريرها السنوية للجهات المعنية أكثر من 150 حزبًا 

قيادات حركة النهضة أكدت في أكثر من مناسبة أنّ الحركة قدّمت تقاريرًا عن حساباتها إلى دائرة المحاسبات، فيما عبر الحزب بداية شهر فيفري/شباط 2019، "عن إدانته الشديدة لتسريب مراسلات من البنك المركزي تفيد بطلب دائرة المحاسبات من البنك المركزي مدّها بمعطيات تخصّ الحسابات المفتوحة باسم النهضة وعدد من مناضليها دون غيرها من الأحزاب". ودعت وفق بلاغ أصدرته إلى "فتح تحقيق في الغرض نظرًا للتداعيات السلبية والخطيرة لمثل هذا التوظيف في تسميم الحياة السياسية وفتح الباب عريضا أمام التأويلات".

وقد ردّت دائرة المحاسبات ببلاغ ذكرت فيه أن "المراسلة تندرج في إطار أعمالها المتعلقة بالرقابة على تمويل الحملة الانتخابية البلدية لسنة 2018 وأنّ كل الأحزاب الفائزة بمقاعد في المجالس البلدية مشمولة بهذا الإجراء". كما أكدت في ذات البلاغ على "ضرورة النأي بالدائرة عن كل التجاذبات السياسيّة".

اقرأ/ي أيضًا: ماهو مآل تقارير هيئات الرقابة المالية والإدارية؟

من جهته، واجه حزب نداء تونس نفس الاتهامات حول مصادر تمويله وبالخصوص حول تلقي أموال من جهات أجنبية. وقد بدأت القصة بالخصوص عام 2014 عندما سُربت وثائق رسمية في شكل رسالة من السفارة الإماراتية في تونس تحيي من خلالها الديوانة التونسية وتطالبها بتسهيل دخول سيارتين فاخرتين حتى يتم إهداؤهما للباجي قائد السبسي، رئيس حزب نداء تونس والمرشح حينها لرئاسة الجمهورية.

وتُثار اليوم نفس التساؤلات حول الحزب الجديد "تحيا تونس"، دون تجاوز الأحزاب الصغيرة التي لم تقدم تقارير تمويلاتها منذ سنة 2011.  وقد أشار رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب إلى أنّ العديد من الجمعيات لها علاقات بأحزاب تلقت تمويلات أجنبية، مؤكدًا، في تصريحات سابقة، أنّ التمويل الخارجي متواصل بلا رقيب أو حسيب.

غير أن تنفيذ الرقابة على أرض الواقع بقي دون المأمول، وغابت طيلة السنوات الماضية إرادة سياسية واضحة لفتح هذا الملف ومعاقبة المخالفين. ولا يعرف إلى الآن الشيء الكثير عن مصادر تمويل بعض الأحزاب بما في ذلك الأحزاب الكبرى، ولا تُعرف أيضًا مصادر تمويل حملاتها الانتخابية.

محمد فاضل خير الله (حركة الشباب الإصلاحي): لا أحد يتقيّد بتطبيق مرسوم الأحزاب فلما نلتزم نحن الأحزاب الصغيرة أو غيرنا ممن لا نملك أي تمويلات؟

بعض الأحزاب رفضت إجابتنا عن أسباب رفضها تقديم تقاريرها المالية. في المقابل، تحدث محمد فاضل خير الله، الناطق الرسمي لحزب حركة الشباب الإصلاحي الذي سيقدم قوائم في الانتخابات التشريعية المقبلة لـ"ألترا تونس" أن حزبه لا يملك أي تمويلات كغيره من الأحزاب الصغرى ليبرّر بذلك عدم تقديم تقاريره المالية. وبسؤالنا حول العلاقة بين عدم توفر تمويلات من جهة وعدم تقديم القوائم المالية من جهة أخرى، لم يتردد محدثنا في الإجابة بالقول: "لا أحد يتقيّد بتطبيق مرسوم الأحزاب فلما نلتزم نحن الأحزاب الصغيرة أو غيرنا ممن لا نملك أي تمويلات؟" مضيفًا "لن يتقيّد أي حزب بهذا المرسوم".

مسودة قانون جديد يتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية وتمويلها

وسط كلّ هذا الجدل، طرحت الوزارة المكلّفة بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مسودة مشروع قانون جديد يتعلّق بتنظيم الأحزاب السياسية وتمويلها تضم 69 فصلُا موزعة على 5 أبواب منها الباب الرابع المخصص لتمويل الأحزاب السياسية ومراقبتها.

وينصّ، في هذا الجانب، الفصل 33 من المسودة على أنّه "يحجّر على الحزب السياسي أيّ تمويل أجنبي أو تمويل مباشر أو غير مباشر لا يمكن إثبات مصدره. ويحجر على الحزب الحصول على أي مساعدات أو تبرعات وهبات صادرة عن الذوات المعنوية خاصة كانت أو عمومية باستثناء التمويل المحمول على ميزانية الدولة أو مساعدات وتبرعات وهبات ووصايا صادرة عن أشخاص طبيعيين تتجاوز قيمتها السنوية مائة ألف دينار بالنسبة إلى كل مانح".

يظل السؤال حول قدرة الهيئات الرقابية وبالخصوص محكمة المحاسبات في ضمان رقابة ناجعة على تمويل الأحزاب رغم بقاء القوانين المنظمة لهذه المسألة إلى اليوم حبرًا على الورق

فيما ينصّ الفصل 36 على أنه "يتولى الحزب السياسي نشر كل المساعدات والتبرعات والهبات والوصايا على المنصة الإلكترونية في أجل شهر من تاريخ قبولها. ويتضمن النشر وجوبًا قيمتها وهوية مقدمها وتاريخ الحصول عليها".

وقد نظمت الوزارة المعنيّة عدة استشارات ولقاءات وورشات مع الأحزاب حول هذه المسودة التي لاقت رفضًا لبعض فصولها خاصة المتعلّقة بالتمويل العمومي رغم أن ذاتها المعتمدة في المرسوم الحالي. ويظل السؤال حول قدرة الهيئات الرقابية وبالخصوص محكمة المحاسبات في ضمان رقابة ناجعة على تمويل الأحزاب رغم بقاء القوانين المنظمة لهذه المسألة حبرًا على الورق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مشروع قانون تنظيم الأحزاب: تحجير التمويل الأجنبي والهبات وقرارات أخرى

هل يجب تغيير نظام الحكم في تونس؟