لماذا لا يُثير الفساد الصغير الرأي العام؟

لماذا لا يُثير الفساد الصغير الرأي العام؟

يبقى حجم الفساد الصغير في تونس غير مُقدر بدقة (ياسين القايدي/الأناضول)

 

سنّت تونس بعد الثورة ترسانة هامة من التشريعات والقوانين لمكافحة الفساد وتم دعم عمل محكمة المحاسبات عبر بعث هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، إلى جانب عدّة هيئات رقابية. ينضاف إلى ذلك عمل منظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال مكافحة الفساد. مع ذلك فإنّ تونس، ووفق آخر مؤشر لمدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية سنة 2020، تحتل المرتبة 69 عالميًا. كما تُصدر الهيئات الرقابية ومحكمة المحاسبات تقارير سنوية تكشف حجم تفشي الفساد الذي طال تقريبًا أغلب القطاعات في تونس. 

إلا أنّه عادة ما يُثار الرأي العام أكثر إذا تعلّق الفساد برأس السلطة على غرار قضية تضارب المصالح التي تعلّقت برئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ، أو إذا تعلّقت شبهات الفساد وتضارب المصالح بوزير أو سياسي بارز على غرار قضية نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس، إضافة إلى عشرات الشخصيات البارزة التي تم إيقافها أو تحجير السفر عنها في علاقة بقضيتي القمح المسرطن والنفايات الإيطالية مثلًا. 

عادة ما يُثار الرأي العام التونسي أكثر إذا تعلّق الفساد برأس السلطة أو إذا تعلّق بوزير أو سياسي بارز 

لكن وحده الفساد الصغير يمر غالبًا كخبر عادي في عنوان يتعلّق باختلاس بعض الأموال أو استغلال وظيف لتحقيق منافع خاصة. أو تورط موظف في فساد أو اختلاس أموال لا تكون بحجم ما يختلسه رجال الأعمال وأصحاب الصفقات والمشاريع الكبرى. 

فما حجم الفساد الصغير في تونس إذا أحصي واجتمع؟ وما تأثيره على الاقتصاد التونسي؟ ولما لا يهتم الرأي العام بالسرقات الصغيرة إن صح التعبير؟ 


مما لا شك فيه أنّ الفساد مهما كان حجمه يُراد منه تحقيق نفع خاص. ومما لا شك فيه أيضًا أنّ كلّ فاسد يستغلّ بطريقة غير قانونية سلطته أو وظيفته مهما كانت لتحقيق غايات ربحية لنفسه أو لذويه. كما يمكن أنّ يكون فعل الفساد ناجمًا عن فرد واحد أو عن مجموعة أشخاص يشتركون في حلقة واحدة لتحقيق منافع خاصة بهم.

والفساد كما تُعرّفه الهيئات والمنظمات الناشطة في مجال مكافحة الفساد هو المحسوبية والرشوة والغش والاختلاس بكل درجاته. لكن ما يثير الرأي العام غالبًا هو حجم ما قد يختلسه شخص واحد، أو يثورون لصفة الشخص أكثر إذ كان سياسيًا أو مسؤولاً بارزًا. 

على الرغم من أنّ الفساد في تونس يأتيه الناس من مختلف القطاعات والأسلاك،  من صحة وقضاء وتعليم وأمن وبنوك وصناديق وشركات عمومية وغيرها وحتى من التجار والباعة والعمد والولاة ورؤساء البلديات، والقائمة تطول في ظلّ ما نطالعه خاصة من خلال النشرية الأسبوعية التي تصدرها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وتحتل فيها الرشوة النصيب الأكبر وتعلو هرم الفساد. 

أصبحت الرشوة أساس المعاملات اليومية في أغلب القطاعات تحت مسميات عدّة باتت محلّ تندر وسخرية من الناس على غرار نعتها "بالعاشور" و"خلص قهوة" أو "مشي حويجة"

وقد أصبحت الرشوة أساس المعاملات اليومية في أغلب القطاعات تحت مسميات عدّة باتت محلّ تندر وسخرية من الناس على غرار نعتها "بالعاشور" و"خلص قهوة" أو "مشي حويجة"، في دلالة على دفع الرشوة لقضاء الحاجة سواء في القطاع الخاص أو العام، يليها اختلاس الأموال دون وجه حق أو استغلال النفوذ.

اقرأ/ي أيضًا: التقرير 32 لمحكمة المحاسبات: إخلالات بالجملة وضعف حوكمة التصرف في المال العام

تصدر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بصفة أسبوعية نشرية، تنشر فيها كلّ الإحالات على المحاكم بعد ختم أعمالها حول شبهات فساد تشمل غالبًا جميع القطاعات، على غرار شبهات فساد وسوء تصرّف في المنافع الاجتماعية كالجرايات وشبهات تخص بعض الانتدابات التي تقوم على الرشوة والمحسوبية في العديد من القطاعات وشبهات اختلاس أموال جمعيات وملفات تلاعب بتوزيع الأعلاف أو الأسمدة أو استغلال مدير مدرسة لأموال كانت من المفروض أن توجه لتحسين المدرسة أو توفير تجهيزات وسرقة الأدوية من المستشفيات وسرقة الأثار ومئات الملفات الأخرى التي يكون المُختلَسُ فيها مبلغًا بسيطاً قد لا يُقارن بمبلغ يختلسه رجل أعمال أو سياسي فاسد. 

واحتل الفساد الصغير تفاصيل أغلب نشريات الهيئة على غرار الغش في الأسواق واستغلال النفوذ والرشوة والمحسوبية. فساد بات مستفحلاً لدى الموظّفين والعاملين وحتى عامّة الناس. ليدخل الفساد الصغير في جميع المعاملات اليومية لدى التجار وفي الأسواق والمحلات وغيرها، وهو ما تثبته أيضًا الجمعيات المدافعة عن المستهلك التي تؤكد استفحال ظاهرة الغش التجاري والبيع المشروط وبيع منتجات منتهية الصلوحية على حساب صحة المستهلك، وغيرها ومن التجاوزات التي لا تقل أهمية عن فساد بحجم ما قد يختلسه كبار المسؤولين. 

لكن لا تثير تلك الأخبار التي تنشرها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ردود أفعال كبيرة لدى الرّأي العام مقارنة بما يُنشر عن اختلاس أموال أو تضارب مصالح قد يتورط فيها سياسي بارز أو مسؤول في الحكومة أو رجل أعمال معروف. ربما يعود ذلك لحجم المسروق البسيط الذي لا يتعدى أحيانًا بضع الملاليم. أو لعدم وجود أرقام دقيقة ومفصلة عن حجم تلك السرقات الصغيرة أو ما يُعرف بالفساد الصغير في كلّ القطاعات، وتقدير ما يكبده من خسائر للدولة وما يسببه من أضرار على الاقتصاد بصفة عامة.  

لا تثير أخبار الفساد الصغير، التي تنشرها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ردود أفعال كبيرة لدى الرّأي العام ربما يعود ذلك لعدم وجود أرقام دقيقة ومفصلة عن حجم تلك السرقات وتقدير ما يكبده من خسائر للدولة

وقد صدر في جانفي/يناير الماضي مؤشر مدركات الفساد لسنة 2020، عن منظمة الشفافية الدولية، وكشف عن تقدم تونس في الترتيب العام حيث تحصلت على مجموع 44 نقطة من 100 متقدمة بنقطة واحدة مقارنة بسنة 2019 وهي أعلى درجة تتحصل عليها تونس منذ 10 سنوات. واحتلت تونس المرتبة 69 عالمياً بعد أن كانت في المرتبة 74 السنة الفارطة وهي كذلك أعلى مرتبة تتحصل عليها تونس منذ 10 سنوات.

اقرأ/ي أيضًا:

ووفق منظمة أنا يقظ فإنّه بالرغم من هذا التقدم الضئيل، لا تزال تونس دون معدّل 50 نقطة وهو ما يعكس نقصًا فادحًا في مقومات الحوكمة والشفافية في القطاع العام تزامناً مع التضييقيات الممارسة على المبلغين عن الفساد في القطاع العام. وشددت منظمة أنا يقظ في ذات السياق على "أهمية الإرادة السياسية والقضائية في إنفاذ القوانين ذات العلاقة بشفافية الحياة العامة". 

يُذكر أنّ أول دراسة محلية حول "مؤشر مدركات الفساد الصغير في تونس" والتي نشرتها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين سنة 2015 بيّنت أنّ التونسيين دفعوا في 2013 رشاوى بقيمة 450 مليون دينار لموظفين عموميين، لتشير الجمعية إلى أنّ "تفاقم الفساد الصغير يعود إلى البيروقراطية المفرطة وظاهرة الإفلات من العقاب". 

أول دراسة محلية حول "مؤشر مدركات الفساد الصغير في تونس" والتي نشرتها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين سنة 2015 بيّنت أنّ التونسيين دفعوا في 2013 رشاوى بقيمة 450 مليون دينار لموظفين عموميين

وقد أفاد شوقي الطبيب، الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في ماي/ آيار 2020 في تصريحات إعلامية، أنّ الهيئة قد أنجزت دراسة حول مدركات الفساد وشملت 1300 تونسي من مختلف الشرائح. 

وبيّن الطبيب أنّ هذه الدراسة قد أظهرت أن 80 في المئة من المستجوبين يرون أن الفساد قد زاد بعد الثورة ويعتقدون أنه أمر سلبي جدًا، فيما يعتبر حوالي 87 في المئة منهم أن الفساد هو منظومة كاملة ولا يرتبط بأشخاص معينين. كما أوضح شوقي الطبيب أنّ التونسيين يدفعون قرابة 400 مليون دينار سنويًا نتيجة الفساد الصغير وهو ما يعادل تكلفة الفساد في ثلاث صفقات عمومية. وبيّن أنّ الفساد الصغير هو ما يؤسس للفساد المتوسط والفساد الكبير.

وكان أكد شوقي الطبيب، العام الماضي، أنّ تونس تخسر سنويًا ما يقارب 9 مليار دينار بسبب الفساد. لكنها تقديرات تستند في مجملها إلى تقارير الهيئات الرقابية الأخرى أيضًا في علاقة بسوء الحوكمة والتهرب الضريبي والفساد في الصفقات العمومية، أي تستند على أغلب قضايا الفساد الكبيرة، فيما يبقى حجم الفساد الصغير في تونس غير مُقدر بدقة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

مراقبة تمويل الأحزاب.. الملف الشائك

محكمة المحاسبات وانتخابات 2019: رصد للتمويل المُقنّع عبر الجمعيات