لقاح كورونا من الإمارات إلى الرئاسة التونسية.. فتح تحقيق ودعوات لمزيد الشفافية

لقاح كورونا من الإمارات إلى الرئاسة التونسية.. فتح تحقيق ودعوات لمزيد الشفافية

حذرت أنا يقظ من أن غياب الشفافية وتكريس المحسوبية في توزيع التلقيح سيترتب عنه فقدان لثقة المواطنين (صورة توضيحية/أ.ف.ب)

 

تعيش تونس على وقع جدل واسع منذ صباح الاثنين 1 مارس/ آذار2021 وذلك بعد تداول نواب في البرلمان التونسي أخبارًا عن تلقي الرئاسة التونسية عددًا من جرعات اللقاح ضد فيروس كورونا كهدية من دولة الإمارات، دون الإعلان عن ذلك للرأي العام. وهو ما اضطر الرئاسة إلى إصدار بيان وتأكيد الأمر لاحقًا مع نفي أنه قد يكون قد استفاد أي طرف من اللقاح الهدية. 

ينتظر التونسيون إلى اليوم موعدًا واضحًا لوصول أولى جرعات اللقاح إليهم بعد خسارة أكثر من 8 آلاف مواطن بسبب الفيروس

فما قصة اللقاح الهدية التي لا تزال استتباعاتها متواصلة في المشهد التونسي، خاصة بعد فتح تحقيق من رئاسة الحكومة التونسية وتتالي الدعوات لاعتماد مزيد من الشفافية من قبل الرئاسة وباقي مؤسسات الدولة التونسية، في ملف مهم لصحة التونسيين اللذين ينتظرون إلى اليوم موعدًا واضحًا لوصول أولى جرعات اللقاح إليهم بعد خسارة أكثر من 8 آلاف مواطن بسبب الفيروس، وفق إحصاءات وزارة الصحة. 


في البدء كانت السوشال ميديا..

في البدء كانت السوشال ميديا، ربما يصح هذا التعبير في هذه القصة. فلو لا مواقع التواصل الاجتماعي، قد تكون هذه القصة مجهولة لعموم التونسيين إلى حد الآن. 

انطلق كل شيء بتدوينات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مصدرها أساسًا نواب بالبرلمان التونسي، مساء الأحد 28 فيفري/ شباط 2021، من ضمنها تدوينة لرئيس لجنة مكافحة الفساد في البرلمان النائب بدر الدين القمودي (عن حركة الشعب) التي قال فيها "لقاح كورونا كان قد وصل تونس منذ مدة من دولة خليجية.."، مضيفًا أن "المعلومة شبه مؤكدة لديه وأنه قد تم توزيع اللقاح على كبار المسؤولين والسياسيين وقيادات أمنية في البلاد.."، معلقًا "وللشعب رب يحميه".

ثم تتالت التدوينات والتي كشفت في كل مرة تدريجيًا عن معطيات جديدة، إذ قال النائب في البرلمان التونسي ياسين العياري (مستقل)، في تدوينة، إن "سفير الإمارات في تونس، أعلم دبلوماسيين تونسيين أن بلاده قدمت هدية لرئاسة الجمهورية، تتمثل في 100 جرعة من التلقيح ضد فيروس كورونا"، مؤكدًا أنه علم بالأمر عن طريقهم منذ أيام.

النائب ياسين العياري: "سفير الإمارات في تونس أعلم دبلوماسيين تونسيين أن بلاده قدمت جرعات من التلقيح ضد فيروس كورونا لرئاسة الجمهورية"

وأوضح العياري "رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، وزراء السيادة، وأعضاء المجلس الأعلى للجيوش، ليسوا مواطنين عاديين، لا يعود ذلك لذواتهم ولكن لصفاتهم المرتبطة ارتباطاً وثيقًا بالأمن القومي للبلاد التونسية"، مضيفًا "أن تكون الهبة من دولة أجنبية؟ الأمر ليس جديدًا! تتلقى تونس وغيرها من الدول هبات كل يوم".

لكنه استدرك "المؤسف هو غياب الشفافية! سمعنا عن طريق تسريبات، عن طريق إذاعة أو رئيس لجنة مكافحة الفساد في البرلمان، أو عبر ما يحكيه سفير الإمارات في تونس لدبلوماسيين".

في صباح الاثنين 1 مارس/ آذار 2021، تواصلت التدوينات من النواب ومن أبرزها ما كتبه رئيس لجنة الصحة بالبرلمان العياشي زمال، على صفحته الرسمية بفيسبوك، "إنها فضيحة دولة، تتواتر أخبار غير رسمية عن تلقي شخصيات سياسية للقاح كورونا، هناك نواب سافروا إلى بعض الدول العربية من أجل التطعيم وانتقل الحديث اليوم عن شخصيات أخرى في أعلى هرم الدولة".

وأضاف "إذا صح ذلك، فإنه بمثابة فضيحة دولة ويرتقي إلى مستوى "الجريمة" في حق التونسيين الذين يتركون في مواجهة مصيرهم أمام الوباء، سقطة أخلاقية أخرى تزيد في تكريس الفجوة بين الشعب والسياسيين وتدعم قلة ثقة التونسيين في الأحزاب والسياسة. سياسيون لا يليقون بتونس وليسوا أهلاً لقيادة شعبها.. فتح تحقيق في الأمر ضروري".

رئيس لجنة الصحة بالبرلمان: "إنها فضيحة دولة، تتواتر أخبار عن تلقي شخصيات سياسية للقاح كورونا، هناك نواب سافروا إلى بعض الدول العربية من أجل التطعيم وانتقل الحديث اليوم عن شخصيات في أعلى هرم الدولة"

الرئاسة التونسية تؤكد تلقيها تلقيح كورونا "هدية" من الإمارات دون استخدامه

إثر انتشار هذه التدوينات، أكدت المكلفة بالاتصال في رئاسة الجمهورية ريم قاسم، صباح الاثنين أيضًا، حصول الرئاسة على 1000 جرعة من لقاح كورونا متأتية من دولة الإمارات، وذلك لعدد من وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية.

ونفت قاسم، خلال حديثها لإذاعة "شمس اف ام" المحلية أن يكون رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد تلقى اللقاح أو أي فرد من عائلته أو ديوانه الرئاسي، مضيفة أنه تم وضع الجرعات الهدية على ذمة الصحة العسكرية.

ومع تواصل الاتصالات من الصحفيين والاستفسارات على منصات التواصل، أصدرت الرئاسة بيانًا جاء فيه أنها تلقت 500 تلقيح مضاد لفيروس كورونا، بمبادرة من دولة الإمارات العربية المتحدة. وأضافت أنه "تم تسليم هذه الجرعات إلى الإدارة العامة للصحة العسكرية".

وأكدت، في ذات البلاغ، أنه "لم يقع تطعيم أيّ كان لا من رئاسة الجمهورية ولا من غيرها من الإدارات بهذا التلقيح، وذلك في انتظار مزيد التثبت من نجاعته، وترتيب أولويات الاستفادة منه"، وفق تعبيرها.

رئاسة الجمهورية: "لم يقع تطعيم أيّ كان لا من رئاسة الجمهورية ولا من غيرها من الإدارات بهذا التلقيح"

لكن الجدل تصاعد، إبان التوضيح الرئاسي، وذلك أساسًا حول عدم إعلان الرئاسة عن تسلمها هذه اللقاحات إلا بعد انتشار الخبر من قبل نواب وفي وسائل الإعلام، وعن موعد التسليم ومآلات ما وصل من جرعات، لكن الإجابات لا تزال مفقودة. 

رئاسة البرلمان تنفي نفيًا قطعيًا تلقيها أي نوع من اللقاحات من أي جهة

تدريجيًا، توسعت دائرة الجدل وانتشرت أخبار عن تلقي رئيس البرلمان راشد الغنوشي للقاح كورونا دون إعلام. وهو ما دعا المستشار الإعلامي لرئيس البرلمان وسيم الخضراوي، صباح الاثنين أيضًا، إلى التدوين "رئيس البرلمان لم يتلق أي تلقيح ضد فيروس كورونا كما أشاعت بعض وسائل الإعلام صباح اليوم ولم يصله أي تلقيح من أي جهة رسمية لفائدته أو لفائدة النواب".

وأصدرت رئاسة مجلس نواب الشعب، توضيحًا ظهر الاثنين، جاء فيه أنه "على إثر ما راج من إشاعات حول تلقي رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي لتلقيح مضاد لفيروس كورونا، فإنه يهم رئاسة المجلس أن تنفي نفيًا قطعيًا تلقيها أي نوع من اللقاحات من أي جهة كانت".

رئاسة البرلمان تنفي نفيًا قطعيًا تلقيها أي نوع من اللقاحات من أي جهة كانت

وأكدت رئاسة المجلس، في ذات البيان، "التزامها بسياسة الدولة في إطار الإستراتيجية الوطنية والأولويات التي وضعتها لمنح اللقاحات".

رئاسة الحكومة: فتح تحقيق حول ملابسات دخول التلاقيح "الهدية" وكيفية التصرّف فيها وتوزيعها

تعددت الدعوات لفتح تحقيق في "الهدية الإماراتية"، وكان رد رئاسة الحكومة، في بلاغ، أن أكدت أنه لا علم لها بوصول هذه التلاقيح ولا بمصدرها ولا بمدى توفّرها على الشروط الصحية والقانونية الضرورية، ولا بمآلها. وأعلنت أن رئيس الحكومة هشام المشيشي أذن بفتح تحقيق فوري حول ملابسات دخول هذه التلاقيح وكيفية التصرّف فيها وتوزيعها.

وجددت التأكيد أن إدارة عملية التلقيح تبقى من مسؤولية اللجنة الوطنية لمجابهة فيروس كورونا، في إطار الإستراتيجية الوطنية التي تمّ إرساؤها للغرض، والتي حدّدت الفئات المعنية بالتلقيح بصفة أولوية.

رئاسة الحكومة: فتح تحقيق فوري حول ملابسات دخول "التلاقيح الهدية" وكيفية التصرّف فيها وتوزيعها

اللجنة العلمية لمكافحة كورونا لا علم لها 

من جانب آخر، استفسر الصحفيون والنواب لدى أعضاء اللجنة العلمية لمكافحة فيروس كورونا، الذين كانوا في جلسة استماع بالبرلمان، صباح الاثنين، وأكدوا أنه لا علم للجنة بجرعات التلاقيح التي تلقتها رئاسة الجمهورية.

وقال رئيس لجنة قيادة الحملة الوطنية للتلقيح ضد كورونا، الهاشمي الوزير، إن "اللجنة العلمية لا علم لها بدخول عدد من التلاقيح إلى تونس"، وأوضح أن العديد من الأدوية والتلاقيح تدخل إلى تونس ولكن لا تمر بالضرورة عبر إدارة الصيدلة والدواء بوزارة الصحة.

المجتمع المدني: تحذير من خرق مبدأ المساواة بين المواطنين ودعوة لمزيد الشفافية 

أما المجتمع المدني التونسي، فقد تفاعل العديد من مكوناته ومنها جمعية أنا يقظ وهي المختصة في مكافحة الفساد في تونس، وأصدرت بيانًا حذرت فيه رئيس الجمهورية كونه من "يسهر على احترام الدستور" من أن تنخرط مؤسسة رئاسة الجمهورية في ممارسات تخرق مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات الوارد بالفصل 21 أو الفصل 38 من الدستور، الذي ينص على أحقية كل مواطن في الصحة بما في ذلك الوقاية والرعاية والعلاج بالإضافة إلى أن مبدأ "عدم التمييز" في الوصول إلى الأدوية واللقاحات يعد من أهم مبادئ منظمة الصحة العالمية.

أنا يقظ: تحذير رئاسة الجمهورية من الانخراط في ممارسات تخرق مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات

وأكدت المنظمة في بيانها كذلك ضرورة احترام مبدأ الأولوية وتقديم اللقاح حسب الترتيب المحدد في الاستراتيجية الوطنية للتلقيح، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم تقديم أي مسؤول مهما كانت رتبته أو مسؤوليته داخل الدولة على حساب مواطن له أولوية أو على حساب الإطارات الطبية وأعوان الصحّة. 

كما حذرت منظمة "أنا يقظ" من غياب الشفافية وتكريس المحسوبية والوساطة في التوزيع غير المنظم للتلقيح لما سيترتب عنه من فقدان لثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

هل تلقى مسؤولون في تونس لقاح كورونا قبل المواطنين ودون احترام الترتيب المعلن عنه سابقًا من وزارة الصحة؟ يبدو أنه السؤال الأكثر تداولًا حاليًا في تونس. هناك نفي رسمي من رئاسة الجمهورية وتحقيق قد فتح من رئاسة الحكومة لكن الثقة تتقلص يومًا بعد يوم في ساسة البلد، أما التحقيقات فقد اعتاد التونسيون أن تُفتح لكنهم يئسوا، في مناسبات عديدة سابقة، أن ينتج عنها أي تحميل مسؤوليات أو محاسبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تفاصيل الاستراتيجية الوطنية للتلقيح ضد فيروس كورونا

حوار|مستشار منظمة الصحة العالمية سهيل العلويني:حوكمة الجائحة غير صائبة في تونس