لغة أهل الأندلس نصف اللهجة التونسية
26 سبتمبر 2025
تقول كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته "قافية من أجل المعلقات":
"من لغتي ولدت... هذه لغتي، أنا لغتي، أنا ما قالت الكلمات
كن جسدي، فكنت لنبرها جسدًا
أنا ما قلت للكلمات: كوني ملتقى جسدي مع الأبدية، كوني كي أكون كما أقول
لا أرض فوق الأرض تحملني، فيحملني طائر متفرع مني..
هذه لغتي قلائد من نجوم حول أعناق الأحبة: هاجروا
أخذوا المكان وهاجروا، أخذوا الزمان وهاجروا.."
تجمع العلوم الإنسانية بكل فروعها القديمة والحديثة بأن "اللغة كائن حي" يتأثر بحركة التاريخ ومراكمة الحضارات وسيروراتها، فتولد كلمات وتموت أخرى، وتحزن كلمات وتفرح أخرى.
"اللغة" شقيقة الغابة، تزهر داخلها الكلمات وتورق المعاني وتتوالد القوافي في صمت وهدوء، فتعلو في السماء ضبابًا قطنيًا يتسلل إلى شقوق الروح فيحييها وهي تموت في السفوح واقفة كالأشجار، تأكلها نيران الإهمال والطغيان فتتحول إلى رماد من نسيان وهباء.
ضمن هذه الهجرة القسرية لأهل الأندلس، استقبلت تونس عددًا محدودًا في الهجرة الأولى مع سقوط غرناطة، أما الجزء المهم فكان في الهجرة الثانية، فقد وفد أكثر من 80 ألف أندلسي، وهي أكبر هجرة بشرية عرفتها تونس على مر تاريخها وإلى اليوم
"اللغة" هي وجه الإنسان وصدى ذاكرته وهوية وجوده وأداة بقائه وخلوده، تُحمل مع الريح في الجنبات كشريد تطوقه تمائم قديمة، وتعلّق على غصون الفؤاد كالقناديل فتضيء أحيانًا وتقتل أحيانًا أخرى كرمح أو رصاصة وتسافر معنا "اللغة" ونسافر معها، تؤنسنا ونؤنسها، تحمينا من الغياب وتضعنا برفق ولين على ضفاف الخلود، فلا خلود من غير "لغة".
"اللغة" أم الإنسان والفضيلة الربانية التي منحتنا إياها السماء، تحنو عليه وتغدق من فيض عاطفتها وتغمره بأمجد معانيها، وتتحول إلى وطن فسيح عندما تغيب الجغرافيا ويسطو عليها الأقوياء.
الأندلسيون في تونس.. حماية اللغة كملاذ للهوية والذاكرة
الشعوب عندما تُطرد من أوطانها تحتمي باللغة فتحولها إلى جغرافيا بديلة تقيم فيها الأجيال المتعاقبة وتتوارثها وتحافظ عليها إلى آخر رمق، وهو ما حدث للأندلسيين عندنا، سقطت "غرناطة" سقطتها المدويّة، وهي آخر إمارة إسلامية بشبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال حاليًا) إثر حرب دامت عشر سنوات من 1482 إلى يوم 2 جانفي/يناير 1492، حيث قام الأمير "محمد الثاني عشر"، أمير غرناطة المُكنّى بأبي عبد الله الصغير، بتسليم الإمارة ومدينة غرناطة وقصر الحمراء إلى الإسبان المسيحيين وضُمت نهائيًا إلى مملكة قشتالة التي تقودها الملكة "إيزابيلا" وتم في الحين تهجير آلاف المسلمين من بلاد الأندلس إلى بلدان شمال إفريقيا، ولم يبقَ سوى أولئك الذين تنصروا أو مارسوا التقية.
"اللغة الأندلسية" تسربت إلى اللهجة التونسية أو المقول اليومي التونسي، وذلك نتيجة لتواصل الوافدين الأندلسيين مع باقي نسيج المجتمع التونسي في مجالات الحرف والفلاحة والعلوم الدينية والمعاملات التجارية
ثم في مرحلة ثانية، بداية من 1602، وبعد إقامة محاكم التفتيش والبحث في الضمائر، قام الإسبان المسيحيون زمن حكم الملك "فيليب الثالث" بتهجير ثانٍ لأهل الأندلس، ليشمل مجددًا آلاف الناس الذين أُجبروا على ترك منازلهم وثرواتهم وبساتينهم وحرفهم وأرضهم، وغادروا مكرهين محزونين إلى سواحل شمال إفريقيا يحملون مفاتيح منازلهم وحزمة ذكريات وصور في البال لأجداد نيام في مقابر بلاد الأندلس، وكثير من الألم.
وضمن هذه الهجرة القسرية لأهل الأندلس، استقبلت تونس عددًا محدودًا في الهجرة الأولى مع سقوط غرناطة، أما الجزء المهم فكان في الهجرة الثانية، فقد وفد أكثر من 80 ألف أندلسي، وهي أكبر هجرة بشرية عرفتها تونس على مر تاريخها وإلى اليوم، وكان ذلك في عهد "عثمان داي". وقد أكدت الدراسات أن أغلبهم من المسلمين، لكن كان معهم من اليهود والمسيحيين المتضامنين والرافضين لهذه الهجرة القسرية.
اقرأ أيضًا: تستور... تأبى نسيان الأندلس المفقود
وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الرسمي لبايات الدولة الحسينية، أحمد بن أبي ضياف، في كتابه الشهير "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان": "قدمت وفود الأندلس فارّين بدينهم، فاحسن عثمان داي قراهم وعظّم مُقدّسهم وأقطعهم ما اختاروا من أرض"، فأسسوا مدنًا وقرى بتصاميم تشبه مدنهم وقراهم في بلاد الأندلس، وهو ما يسمى في تونس "بالطريق الموريسكي"، والذي يشمل مدن جهة بنزرت وهي العالية وراس الجبل والماتلين وعوسجة ومدن جهة منوبة وباجة وهي الجديدة وطبربة ومجاز الباب والسلوقية وتستور وتبرسق ومدن الوطن القبلي وزغوان وهي سليمان وبلي وقرنبالية وتركي وزغوان والزريبة وصواف.
ولم يحمل أبناء الأندلس الوافدين على تونس من المتاع إلا القليل من لباس وحلي وأدوات منزلية بسيطة، لكنهم حملوا معهم في عقولهم وأفئدتهم أدبهم وفنونهم وعلومهم وحرفهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم وأنماط الحياة اليومية وأساليب معاملاتهم التجارية والاقتصادية وحزم كثيرة من الذكريات.
تأثير اللغة الأندلسية كان في مجالات عديدة منها أسماء الأعلام (الأشخاص والأماكن)، وإلى اليوم مازالت هناك ألقاب متداولة مثل "مريشكو"، "زبيس"، "زغندة"، "قلنزة" ومن الأماكن نذكر اسم "باردو"
وكانت لغتهم "اللاتينية الإسبانية" أو ما يسميه علماء التاريخ "عجمية الأندلس"، التي دخلتها العديد من الكلمات العربية، هي ملاذهم ووطنهم الذي يوحدهم وسكينتهم ودواءهم روحيًا لغربتهم القاسية فكانوا يصرون على الحديث بلغتهم التي كانوا يتكلمونها في غرناطة وبلنسية وإشبيلية ورندة وأراغون وقشتالة وسمح لهم التونسيون بالصلاة بلغتهم الأصلية رفقًا بهم حتى يتعلموا العربية التونسية.
حضور اللغة الأندلسية في اللهجة التونسية المعاصرة
"اللغة الأندلسية" تسربت إلى اللهجة التونسية أو المقول اليومي التونسي، وذلك نتيجة لتواصل الوافدين الأندلسيين مع باقي نسيج المجتمع التونسي في مجالات الحرف والفلاحة والعلوم الدينية والمعاملات التجارية وحسب مقال علمي للأستاذ إبراهيم بن مراد بعنوان "مظاهر من التأثير اللغوي الإسباني الأندلسي" ضمن كتاب جماعي يحمل عنوان "الموروث الأندلسي في تونس من القرن الثالث عشر إلى اليوم"، صادر عن بيت الحكمة سنة 2021، فإن تأثير اللغة الأندلسية كان في مجالات عديدة منها أسماء الأعلام، أعلام الأشخاص وأعلام الأماكن، وإلى اليوم مازالت هناك ألقاب متداولة مثل "مريشكو"، "مركيكو"، "بشكوال"، "زبيس"، "زغندة"، "قلنزة" ومن الأماكن نذكر اسم "باردو" وتعني بالإسبانية "المرج".
والتأثير الثاني كان في أسماء الأطعمة الرائجة إلى اليوم بنفس الأسماء الأندلسية: "البناضج"، وهو نوع من الأطرية يكون محشوًا بالبقدونس واللحم، و"البنادق".
والمجال الثالث هو العملة، فقد استعملت أسماء العملة الإسبانية في تسمية النقود التونسية، ونذكر منها مثالين، أولهما "الدورو"، وهي قطعة نقدية كانت تساوي زمن الحماية الفرنسية خمس فرنكات، ثم أصبح الاسم يُطلق بعد الاستقلال بين أوساط الشعب التونسي على القطعة ذات الخمس مليمات والكلمة تنطق بالإسبانية تمامًا كما تنطق في تونس، والمثال الثاني هو "الريال"، وهو وحدة نقدية كانت مستعملة في تونس في القرن التاسع عشر، واللفظ في الإسبانية يعني "الملكي" وينطق كما ننطقه بالعربية.
وبقيت هذه اللغة مستعملة من قبل العائلات الأندلسية في تونس إلى حدود القرن الثامن عشر ميلادي لكنها ترسخت في اللهجة التونسية وأخذت حيزًا في معجمها الحالي، إذ نجد أن التونسيين اليوم يتكلمون جملاً أندلسية صرفة وكلمات من الإسبانية اللاتينية لم تعد مستعملة في إسبانيا اليوم.
لقد حرص أبناء الأندلس المفقود على إنقاذ ذاكرتهم واحتموا بلغتهم على أمل أن يعودوا يومًا إلى منازلهم، لكنهم ما عادوا، وبقيت كلماتهم تسبح تحت سماء الذكرى والتونسي اليوم أثناء حديثه بلهجته المحلية يقول جملاً كاملة ويجري حوارات باللغة الأندلسية دون إدراك تاريخي للمعجم الذي يستعمل، من ذلك مثلاً: "قاعد في البراكة منحي صندالي بجنبي اللامبة ونخزر للبابور يشق في البحر" وهي جملة باللغة الأندلسية تقال اليوم في تونس، ومعناها: "أنا جالس في الكوخ الصغير بجانبي حذائي والمصباح وأنظر إلى السفينة وهي تشق البحر"، أو "لبست الكبوط ومشيت للفاميليا" أي لبست معطفي وتوجهت نحو العائلة.
من الكلمات الأندلسية الرائجة جدًا في اللهجة التونسية الآن: "بلاصة"، "بندير"، "الروينة"، "كارطة"، "فرشك"، "السوم"، "طزينة"، "زليز"، "فليّو"
ومن الكلمات الأندلسية الرائجة جدًا في اللهجة التونسية الآن: "بلاصة" (الساحة)، "بندير" (آلة إيقاع تقليدية)، "الروينة" (الخراب)، "كارطة" (لعب الورق)، "فرشك" (طازج)، "السوم" (السعر)، "طزينة" (وحدة قيس لعدد إثني عشرة من شيء ما)، "شيركو" (حزام حديدي رقيق)، "زليز" (وهو الزليج أو البلاط)، "فليّو" (حلوى في طعمها حرارة)، "كبوس" (لباس أحمر يُصنع من الصوف ويوضع على رأس الرجل وهو اللباس التقليدي الرسمي في تونس اليوم).
اقرأ أيضًا: الثناء والاستحسان في اللهجة التونسية.. أصالة وطرافة وتجدّد
إن البحوث التي أُجريت على اللهجة التونسية من زاوية تأثرها باللغات الوافدة من الشرق والغرب أثبتت أن اللغة الأندلسية والإسبانية تحوز نصيبًا كبيرًا يتجاوز نصف المعجم. عديدة هي الدراسات الحضارية والتاريخية العلمية التي تناولت هذه الزاوية من تأثير اللغة الأندلسية على المجتمع التونسي في العديد من المظاهر، لكنها غير كافية بقدر ما هو موجود في الواقع، خاصة وأن اللغة هي متحولة وحية وغير ثابتة، لأن الحفاظ على اللحظة التاريخية هو مشروع كبير يتطلب وعيًا دقيقًا بالمسألة وإمكانات مادية كبيرة.
هكذا بقيت اللغة الأندلسية حية، متوهجة، نظرة، وثابة في اللهجة التونسية، نتكلمها ونقول بها أحاسيسنا ومشاعرنا، وذلك نتيجة إصرار أهلها الأولين على تثبيتها واعتبارها هوية يُستند عليها في انتظار العودة النهائية إلى بلاد الأندلس، ما دامت الإقامة في تونس مؤقتة، ومفاتيح البيوت في المدن الأندلسية تتوارث كالتمائم، لكن للتاريخ أحابيله وألاعيبه.
الكلمات المفتاحية
بئر "لافيات" بالعاصمة تونس.. مَعلمٌ يقاوم النسيان
الآبار القديمة بالعاصمة تونس لم تكن كثيرة، لكنها قديمة وشاهدة على التاريخ الاجتماعي للتونسيين إذ توجد بئر مماثلة لبئر لافيات بنهج الملاحة مباشرة قبالة محل المرطبات الشهير "خرزة" وليس بعيدًا عن ساحة العملة وساحة روما، وأخرى بسيدي البحري بباب الخضراء قرب محطة الحافلات حاليًا.
مناطق ذات خطر مرتفع.. أين يتركز النشاط الزلزالي في تونس؟
قسم الباحثون البلاد وتحديد 13 منطقة لنشاط زلزالي محتمل، استنادًا إلى سجل الهزات التاريخية والأنشطة الزلزالية، وتحديد خصائص الصدوع النشطة وميكانيكية البؤر الزلزالية في كل منطقة.
مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور
عضو جمعية تراث تستور: مشموم الأقواس التستوري هو علامة تراثية وثقافية من علامات تستور وعادة جلبها معهم أهل الأندلس، هذا المشموم هو مكون من مكونات الأناقة لدى التستوري ودلالة على الانسجام والسعادة والإقبال على حب الحياة، وهذه العادة توارثتها الأجيال وحافظت عليها كذكرى طيبة عن الديار في شبه الجزيرة الإيبيرية
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات
قضية اغتصاب قاصر بالملاسين.. إصدار بطاقات إيداع بالسجن في حق 10 متهمين
عرفت التطورات القضائية أيضًا، الإفراج عن وسيط عقاري "سمسار" قام بتأجير منزل لمتهمين اثنين قبل أن تكشف الأبحاث عدم معرفته بهما