لا عبير فسطاط الوطنية ولا النهضة فسطاط الثورة!

لا عبير فسطاط الوطنية ولا النهضة فسطاط الثورة!

ليس هناك تناقض بين الوطنية والثورة في التأكيد على الإيمان بالدولة الديمقراطية بعيدًا عن الاستقطاب الهووي (الشاذلي بن ابراهيم/Nurphoto)

 

مقال رأي

 

"إذا لم تصطفوا مع عبير موسي فأنتم غير وطنيين".. و"إذا لم تصطفوا مع النهضة فأنتم غير ثوريين".. هل قدرنا فعلاً استقطاب ثنائي عقيم يوفر ظروف تحيّل متجدد؟ هل اتجاه الظروف الموضوعية لهذا الاستقطاب يعني أن نصمت وأن نُشرّع له ونزيّن له مثلما يفعل "الوظيفيون" من الطرفين؟ أ ليس ما يحصل هو أساسًا نتاج رفض الإجابة على الحصيلة السابقة؟

تتوهمون أنها مضامين متناقضة. قلتها سابقًا مرارًا وأكررها: "متعارضون شعاراتيًا، حلفاء موضوعيًا". لأبدأ من النهاية: ظهور رئيس الحزب الدستوري الحر عبير موسي ليس حادث طريق، ولا يمكن تجاهل جذوره مثلما يرغب بعض مناصري حركة النهضة. خطايا النهضة في "التوافق" مع منظومة الفساد والامتناع عن الإصلاح شوّهت المسار الديمقراطي واستهلكت قاعدته الشعبية إلى حد كبير. وذلك ما وفر الظرف الموضوعي لتراجع الثقة في القوى التي نشأت بعد الثورة وبالتالي لاستعادة الفاشية النيوتجمعية أنفاسها.

خطايا حركة النهضة وفرت الظرف الموضوعي لتراجع الثقة في القوى التي نشأت بعد الثورة وبالتالي لاستعادة الفاشية النيوتجمعية أنفاسها

كانت نتائج انتخابات 2019 ناقوس إنذار كبير تعاملت معه النخبة السياسية المهيمنة بتعال واختزالية كبيرين. وقد فصلت سابقًا في المحصلة المعقدة لتلك الانتخابات التي اعتبرها مفصلية وأهم دورة انتخابية منذ 2011. كان يجب أن يكون السؤال المركزي أمام الجميع لماذا كفرت نسبة مهمة من الناخبين بالنخبة السياسية-الحزبية المعروفة بجميع أطيافها حتى التي لم تتورط في الفساد والتعفن؟ طبعًا هنا الإجابة معقدة ولا تعني بالضرورة قداسة وصحة الخيار الشعبي.

اقرأ/ي أيضًا:  مفارقات المشهد السياسي في تونس بعد انتخابات 2019

لكن بكل تأكيد وبصفتي كنت عضوًا في هذه النخبة السياسية-الحزبية، أعتقد أنه علينا أن ندقق في ما فعلناه بشكل مشترك وبدرجات، لتصل الكراهية إلى الرغبة في القطيعة المطلقة وإحالة هذه النخبة إلى التقاعد. الصورة التي ترسخت في أذهان الناس - وفي ذلك الكثير من الحق والباطل - هي تعميم صورة السياسي المشتغل مقابل أجر والذي يتمتع بامتيازات الدولة للقيام بهذا العمل السياسي، في مقابل عجز الدولة، بمؤسساتها وآلية عملها وفق نظامها السياسي وعبر الحكومات المتعاقبة أن تقدم حلولاً للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة. صحيح أن من حكم يتحمل المسؤولية أكثر ممن لم يحكم، لكن في ذهن الناخب أن تكون جزءًا من مؤسسات الدولة فأنت طرف في الحكم.

بصفتي فاعلاً في تجربة الترويكا مثلاً، علي أن أطرح مطبات عديدة، طرحت بعضها في مقال نقد ذاتي علني سنة 2015 (بعنوان "في تقييم الإخلال الانتخابي"). لما كان علينا أن نقضي 3 سنوات لإنتاج دستور مثالي؟ والذي يبقى مكسبًا بلا شك، في حين كانت تطلعات وانتظارات المواطنين العاجلة تتطلب الشروع في إصلاحات هيكلية عميقة؟

لما كان تقاسم مواقع السلطة بتلك الأهمية بما أدى إلى انقسام الأحزاب بسبب ذلك أو اهتراء قاعدتها الانتخابية وبما جعل الانتماء الحزبي يظهر كمدخل للولوج إلى السلطة فحسب وليس توظيف السلطة لتقديم الخدمة للناس؟ أ لم ينته تمسكنا بالسياق الرسمي التقليدي السابق للثورة والرغبة في التشبه بالإدارة القائمة إلى اهتراء الثقة مع طيف واسع من المواطنين خرجوا بعفوية وبقوة في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2011 لإحداث القطيعة مع السابق؟

أ لم يكن التعامل مع الفساد لينًا وإرجائيًا بل إن البعض تعايش معه وحاول توظيفه للتمويل الحزبي بما جعل أحد أهم قضايا تلك الفترة المبكرة من الحيوية الثورية، أي مكافحة الفساد، بلا مصداقية؟

أ لم يكن التعامل مع الفساد لينًا وإرجائيًا بل إن البعض تعايش معه وحاول توظيفه للتمويل الحزبي بما جعل أحد أهم قضايا تلك الفترة المبكرة من الحيوية الثورية، أي مكافحة الفساد، بلا مصداقية؟ أ لم يكن التعامل مع ملف "التطرف السلفي" مرتهناً بالشعور الرهابي من "المساس بحرية التديّن" وأيضًا منهمكًا في سياقات إقليمية تصل إلى سوريا، إلى درجة أنه لم يقع الانتباه في الوقت المناسب إلى تحوله إلى خطر عنف إرهابي يضرب الشعور بالأمان، أحد أهم شروط استقرار أي دولة وثقة المواطنين فيها؟

لنكن واضحين ليست المسؤولية فقط على كاهل مرحلة الترويكا. عندما منح قطاع واسع من الناخبين عبر التصويت العقابي لصالح نداء تونس والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي فرصة خمس سنوات للشروع "أخيرًا" في الإصلاح، تم اشتراط الحكم بـ"التوافق" رغم توفر الأغلبية البرلمانية في التحالف بين مكونات ما كان يُعرف بـ"جبهة الإنقاذ".

إثر ذلك، استغرق المنتخبون الجدد من مكونات "التوافق" في المناورات المضيعة للوقت بل التورط في دعم الفساد عبر قانون المصالحة، ومثل  ما كان الحال  في المجلس الوطني التأسيسي، أكثر من ذلك أصبح لاحقًا مجلس نواب الشعب ركحًا للسلطة غير الناجعة والصراخ دون جدوى ومركز كراهية الناس.

يكفي أن يقول مرشح مثل قيس سعيّد أنه سيغيّر النظام الانتخابي ولن تكون انتخابات تشريعية على أساس القائمات الحزبية، بمعزل عن مدى قدرته على تحقيق ذلك دون كتلة انتخابية، فإنك ستجد طيفًا مهمًا من الناخبين الذين سيجدون فيه تمثلاً لكراهيتهم تلك. أيضًا نفس الأمر ينطبق عندما يقول سعيّد إنه لن يستعمل امتيازات الرئاسة لا القصر ولا الأجر، بمعزل عن أهمية تأثير ذلك على الميزانية، فإن عديد الناخبين يجدون تطلعهم فيه على أساس كراهيتهم لاستعمال عدد واسع من السياسيين للسلطة للبلوغ للثروة.

يكفي أن يقول سعيّد إنه لن يستعمل امتيازات الرئاسة لا القصر ولا الأجر، بمعزل عن أهمية تأثير ذلك على الميزانية، فإن عديد الناخبين يجدون تطلعهم فيه على أساس كراهيتهم لاستعمال عدد واسع من السياسيين للسلطة للبلوغ للثروة

اقرأ/ي أيضًا: عن مستقبل حكومة هشام المشيشي..

مسار تشكيل وإسقاط الحكومات والصفقات من أجل تشكيل التحالفات وانقلاب الأمزجة والميولات منذ انتخابات 2019 إلى الآن لم تفعل إلا تأكيد شكوك ومخاوف الطيف العريض من القاعدة الانتخابية:

  • "عقد تحالف برلماني بين النهضة وقلب تونس من أجل ما سيصبح ركن الزاوية في وجود حركة النهضة أي الحفاظ على كرسي رئاسة البرلمان لرئيس الحركة.
  • غموض موقف التيار الديمقراطي وحركة الشعب من الانضمام أو عدم الانضمام للحكومة مع النهضة، وهو ما رآه البعض كمؤشر على عدم جدية في التفاوض ومضيعة للوقت. 
  • رفض استئناف المفاوضات بين النهضة وكل من التيار والشعب بعد فشلها ورغم تدخل قيس سعيّد وإصرار رئيس الحركة آنذاك على القطيعة. 
  • تشكيل حكومة "مستقلة" في الظاهر لكن الخطوة الأولى لتشكيل حكومة مع قلب تونس فشلت أساسًا بسبب رفض رئيس حركة النهضة (لم يتم فيها تعيين مقربين من رئيس النهضة ومساهمته تحريض نبيل القروي للتصويت ضد الحكومة). 
  • الاتفاق بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي بين النهضة وقلب تونس على ذات المرشح أي فاضل عبد الكافي، ثم مسار حكومة إلياس الفخفاخ وتركيز النهضة على المحافظة على ترويكا البرلمان، وإن كان الثمن إسقاط حكومة الفخفاخ إن لم يوافق على "التوسعة". 
  • مرور قيس سعيّد بالقوة إلى حكومة "مستقلة" يعينها بالكامل، وفي النهاية اختار الشخص الخطأ للمهمة الذي انقلب عليه حتى قبل التصويت. ومحاولة النهضة استنساخ سيناريو الشاهد/السبسي. وبقية القصة معروفة". 

على ضفاف مسار تشكيل وإسقاط الحكومات والصفقات التي حصلت، كانت عبير موسي "تترعرع" بسرعة كنبتة سامة تجد مجالاً أكثر خصوبة بشكل متزايد

وعلى ضفاف هذه القصة الطويلة، كانت موسي "تترعرع" بسرعة كنبتة سامة تجد مجالاً أكثر خصوبة بشكل متزايد. بشكل مجرد لا يمكن تخيّل هذا المنسوب من الهستيريا والصراخ والسطحية أن يصبح قوة سياسية جدية. كيف يمكن للذاكرة أن تكون قصيرة وتنسى أننا أمام الأمينة العامة المساعدة لحزب الفساد والاستبداد الذي قامت عليه الثورة.

هي "رمز البذاءة والرداءة" حتى بالقياس إلى زملائها في فريق الحكم زمن بن علي. لا يمكن أن نرى كل ذلك مثلما قلت على أنه حادث طريق. عبير موسي جذابة ليس لخصائصها تحديدًا بل لأنها الأكثر تمسكًا وتشبثًا بتلخيص كل المصائب في الطرح العصبي السطحي "المشكل في الإخوان" مثلما كان شعار الإسلام السياسي "الحل في الإسلام".

ما الحل بعيدًا عن الاستقطاب الغبي القائم والذي يمكن أن يهيمن على مسار الانتخابات القادمة؟ ليس هناك تناقض بين الوطنية والثورة في التأكيد على الإيمان بالدولة الديمقراطية بعيدًا عن الاستقطاب الهووي وتحرير الاقتصاد من براثن منظومة الريع. كلاهما وتياستهم وظيفيون عند السادة الحقيقيين: سادة منظومة الريع بتشعباتها التاريخية والدولية.

تلك هي البوصلة، ومن ليس له موقف واضح من ديمقراطية متحررة من نخبة الريع الرثة هو كاذب ومتحيّل، لكن هذا موضوع مقال آخر. في كل الحالات، الطلب على هذا الخيار واسع.. هو ربما الخيار الأغلبي على مستوى الطلب، لكن الأضعف والأقل إيمانا بذاته من حيث العرض. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن طوفان الشعبوية في تونس..

المشيشي وتحويره: من وسادة القصر إلى وسادة البرلمان