كيف يقيّم أحد أكبر المراكز البحثية الإسرائيلية الاقتصاد التونسي؟ (ترجمة)

كيف يقيّم أحد أكبر المراكز البحثية الإسرائيلية الاقتصاد التونسي؟ (ترجمة)

يتعلق الأمر بورقة بحثية حول التغيرات الاقتصادية في تونس بعد الثورة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

الترا تونس - فريق التحرير

 

أصدر مركز موشي دايان للأبحاث شرق الأوسطية والإفريقية ضمن نشريته الشهرية "اقتصادي" ورقة بحثية بتاريخ 28 فيفري/شباط 2019 تناولت التغيرات في الاقتصاد التونسي وصعوباته بعد الثورة بعنوان "تونس 2019: نجاحات الربيع العربي وإخفاقاته"، من تأليف الأكاديمي بول ريفلين، وهو متخصص في المسألة الاقتصادية وقد ألف كتبًا بالخصوص حول اقتصاديات البلدان العربية على غرار "السياسة الاقتصادية والأداء في العالم العربي" (2000)، و"الاقتصاد والتطورات الديمغرافية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 1980-2000" (2004)، و"منطقة المغرب في القرن الجديد: الهوية والدين والسياسات" (2007).

اقرأ/ي أيضًا: قضية البنك الفرنسي التونسي.. هل يكون ملف الفساد الأكبر كلفة في تاريخ تونس؟

ويعدّ مركز موشي دايان المموّل من جامعة تل أبيب مركز أبحاث متعدد الجوانب مكرس لدراسة التاريخ المعاصر والشؤون المعاصرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو "يدعي أنه أكبر وأقدم مؤسسة في الكيان الصهيوني وأنه هو الذي أرسى الموضوعية والأكاديمية في تحليل المواضيع السياسية.. ويدّعي أنه غير متحيّز وأنه لا يتخذ مواقفه بناء على سياسات موصى بها" وفق ما أورده كتاب "صناعة القرار الإسرائيلي: الآليات والعناصر المؤثرة" (2011) في صفحته عدد 131.

وإن التزامنا المبدئي برفض أي شكل من أشكال مع التطبيع مع الكيان الصهيوني، لا يحول، وفق تقديرنا، دون متابعة آخر الإصدارات الأكاديمية من قبل المؤسسات البحثية في الكيان المذكور وترجمتها للقارئ العربي وبالخصوص التونسي، للتعرف على تحليلات هذه المؤسسات حول تونس، من حيث المنطلقات والتقديرات، في مختلف المجالات بما فيها المجال الاقتصادي. ونرفع هذه الملاحظة من باب رفع أي التباس.

وفيما يلي تلخيص موسّع للورقة البحثية المذكورة:


- يدفع انتحار الصحفي عبد الرزاق الزرقي (32 سنة) في ديسمبر/كانون الأول 2018 بسبب سوء أوضاعه الاجتماعية وذلك بنفس طريقة إضرام محمد البوعزيزي نفسه قبل 8 سنوات ما أشعل ثورات الربيع العربي لطرح تساؤلين: السؤال الأول: إلى أي مدى تغير النظام السياسي التونسي منذ فرار زين العابدين بن علي من البلاد عام 2011؟ فهل أصبحت تونس الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي أم كانت التغييرات السياسية مجرد تمويه لوضع لم يتغير؟ سوف نتناول هذه المسألة من زاوية تغيّر الملكية والتحكم في الاقتصاد. أما السؤال الثاني: ماذا حصل للاقتصاد التونسي؟.

هل أصبحت تونس الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي أم كانت التغييرات السياسية مجرد تمويه لوضع لم يتغير؟

- تظهر مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي أنه على الرغم من أن الحكومة التونسية أصبحت أكثر عرضة للمساءلة، فإن فعاليتها قد انخفضت منذ عام 2010. وقد تدهور مؤشر الاستقرار السياسي أي الوضع الأمني ​​في مواجهة العنف المستمر والإرهاب، إلى جانب تدهور الوضع السياسي. لم تكن هناك تغييرات كبيرة في مؤشرات سيادة القانون أو السيطرة على الفساد. وفي حين يمكن اعتبار الإرهاب جزءًا من العوامل الخارجية، ظل الفساد قائمًا بشكل تام. يُعتبر الفشل في السيطرة على الفساد من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس لأنه يشير إلى أن القليل قد تغير منذ الإطاحة ببن علي.

- وفقًا لدراسة حديثة بعنوان "الاقتصاد السياسي لنخبة رجال الأعمال في تونس: الجهات الفاعلة والاستراتيجيات والهويات" (ديسمبر/كانون الأول 2018)، فإنه عندما استولت الحكومة التونسية على أصول حاشية بن علي عام 2011، قامت ببيع الشركات الناجحة لبعض أعضاء النخبة من رجال الأعمال الذين بدأوا بالتدخل مباشرة في السياسة لتعزيز مواردهم وإيجاد مصادر جديدة. ومن بين الأمثلة على ذلك أن ثلاث وكالات سيارات كانت تمتلكها مجموعة من حاشية بن علي وقع شراؤها بعد مصادرتها من قبل أعضاء من نخبة رجال الأعمال. كما عملت لوبيات من رجال الأعمال على الضغط من أجل منع بيع الشركات المصادرة الأكثر ربحًا إلى الشركة القابضة "صندوق الودائع والأمانات" التابعة للدولة.

يُعتبر الفشل في السيطرة على الفساد من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس لأنه يشير إلى أن القليل قد تغير منذ الإطاحة ببن علي

- يلعب حاليًا الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (الأوتيكا) دورًا رئيسيًا في السياسة الوطنية، وقد احتاجت الأحزاب السياسية المختلفة أعضاء من نخبة رجال الأعمال لتمويل حملتهم و/أو تزويدهم بالخبرات في علاقة بالشبكات الاقتصادية.

- تشير التطورات إلى أن نظام ما بعد بن علي يخضع للتلاعب ويتأثر، إن لم يكن تهيمن عليه، مصالح عدد قليل من العائلات والأفراد. وهو ما يتشابه مع نظام بن علي نفسه ما يعني أن الديمقراطية التونسية هي خديعة. غير أن هيمنة عدد قليل من الأفراد على الاقتصاد هو ليس بالأمر الذي تختص به تونس فقط، ما يجعل هذه المسألة مصدر قلق متزايد في جميع أنحاء العالم.

- من الأدلة على شدة الفساد وانعدام الثقة هو عدم الإبلاغ عن الواردات والصادرات المصمّمة لتسهيل تدفق رؤوس الأموال غير المشروعة إلى الخارج. إذ تشير بيانات التجارة الخارجية للأمم المتحدة عام 2015 إلى أن هذه التدفقات بلغت 9.2 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية التونسية مقارنة بمتوسط 8.4 في المائة لجميع الدول النامية، وهذا يمثل خسارة في الإيرادات الضريبية المطلوبة بشدة لتمويل الميزانية.

اقرأ/ي أيضًا: أي مصير للفلاحة التونسية بعد اتفاقية "الأليكا"؟

- إن الأداء الاقتصادي الضعيف هو السبب الرئيسي للتوتر. ففي الفترة من 2011 إلى 2017، بلغ متوسط ​​معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي 1.7 في المائة ومثّل النمو الاقتصادي البطيء السبب الرئيسي لارتفاع مستويات البطالة. ففي عام 2018، بلغ معدل البطالة الإجمالي 15.3 في المائة وبلغ النسبة تحديدًا لدى الإناث اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 سنة 39.6 في المائة وبين الذكور في نفس الفئة العمرية 34.8 في المائة، وهي من بين أعلى المعدلات في العالم. إن معظم العاطلين عن العمل هم من ذوي المهارات المنخفضة، ولكن خريجي الجامعات لديهم معدل بطالة مرتفع تزايد من 15 إلى 23 ثم 31 في المائة بين 2005 و2010 و2017 على التوالي. البطالة هي أيضًا من الأسباب الرئيسية للفقر التي قدرته الحكومة عام 2015 بنسبة 15.2 في المائة، فيما تراجع الدينار التونسي، في الأثناء، بأكثر من 40 في المائة مقارنة باليورو عام 2016 مما أضعف القدرة الشرائية وذلك مع تضخم سنوي بنسبة 8 في المائة، فارتفعت تكاليف المعيشة بأكثر من 30 في المائة منذ عام 2016 ما دفع الأسر إلى التداين. بالنهاية، أصبحت التفاوتات الإقليمية آخذة في التزايد، ومع ارتفاع البطالة، تسارع هروب رأس المال وتزايدت هجرة الأدمغة.

- يظهر ضعف الاقتصاد التونسي في العجز المزمن في ميزان المدفوعات. بين عامي 2010 و2017، ارتفع عجز الحساب الجاري (ميزان الصادرات والواردات من السلع والخدمات والدخل) مما يعادل 4.8 في المائة إلى 10.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تم تمويل ذلك عن طريق الاقتراض من الخارج ما أسفر عن زيادة في الدين الخارجي من حوالي 49 إلى 83 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بين 2010 و2017. وكانت ميزانية الحكومة في حالة عجز على اعتبار أن الإنفاق تجاوز الإيرادات، فارتفع عجز الميزانية من 0.6 في المائة إلى 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بين 2010 و2017، وقد تم تمويل ذلك عن طريق الاقتراض أيضًا. كما ارتفعت ديون القطاع العام من 41 إلى 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام بين 2010 و2017. كل هذه الصعوبات في تمويل العجز المزدوج نتج عنه ذهاب تونس إلى صندوق النقد الدولي.

النمو الاقتصادي البطيء هو السبب الرئيسي لارتفاع مستويات البطالة ويظهر ضعف الاقتصاد التونسي في العجز المزمن في ميزان المدفوعات

- وافق صندوق النقد الدولي عام 2016 على تقديم قرض إلى تونس على مدى أربع سنوات بقيمة 2.9 مليار دولار، مقابل القيام ببرنامج إصلاحات بهدف تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي عبر سياسات ضرائب وإنفاق ستخلق مساحة للإنفاق الرأسمالي وتضع الدين العام في مسار تنازلي، وذلك إضافة لاتستخدم السياسة النقدية لاحتواء التضخم عبر أسعار الفائدة المرتفعة. إن مزيد من المرونة في سعر الصرف سيعمل للحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية في مواجهة الصدمات الخارجية، وهذا يعني الرغبة في خفض قيمة الدينار التونسي الذي من شأنه أن يزيد تكلفة الواردات ويجعل الصادرات التونسية أكثر قدرة على المنافسة في السوق العالمية. فيما تبقى من الأولويات إصلاح المؤسسات العمومية وتحديث الإدارة لتحسين الكفاءة والفعالية ودعم النمو الشامل، مع إصلاح دعم الطاقة وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، إضافة لتعزيز الشفافية ومبادرات مكافحة الفساد.

- يعاني القطاع العام في تونس من الإفراط في عدد الموظفين، وانخفاض الكفاءة والصعوبات المالية. ووفقاً للبيانات الرسمية، تواجه 37 من أصل 107 مؤسسة تابعة للقطاع العام مشاكل مالية، وقد انخفضت إيرادات مؤسسات القطاع العام من 14 إلى 11.6 مليار دينار بين 2014 و2016، فيما ارتفعت، في نفس الفترة، تكلفة الأجور بنحو 50 في المائة من 1.3 مليار دينار (410 مليون دولار) إلى 1.7 مليار دينار (600 مليون دولار). وقد اقترحت الحكومة برنامج للمغادرة الطوعية لإخراج 120 ألف موظف بحلول 2020 لبلوغ عدد موظفين حدود 500 ألف موظف.

سيقلّل تغيّر شبكات المحسوبية التي تتحكم في موارد الدولة من الهيمنة الاقتصادية لمجموعة الساحل والشمال في تونس

- إن تطور هذه القضايا الاقتصادية يتوازى مع توتر شديد بين رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد. منذ عام 2016، عندما أصبح الشاهد رئيسًا للحكومة، عززت حركة النهضة قوتها من خلال وضع مؤيديها في المناصب العليا في الإدارة العامة والشركات المملوكة للدولة، فضلاً عن المكاتب والهيئات الحكومية في العاصمة والولايات. وبهذه الطريقة، فقد غيّرت تكوين شبكات المحسوبية التي تتحكم في موارد الدولة وبالنفاذ إلى الائتمان والاحتكارات الخاصة واحتكارات القلة (Oligopoly). بمرور الوقت، سيقلل هذا التغيير من الهيمنة الاقتصادية لمجموعة الساحل والشمال وهي المناطق الأكثر ازدهارًا على حساب المناطق الداخلية والجنوب.

- تجنبت تونس الكثير من العنف والقمع على غرار ما حصل في مصر، وهو ما يعود إلى اعتدال القوى السياسية الرئيسية، لكن المناورات داخل الحكومة وخارجها والصفقات المبرمة مع مجموعات رجال الأعمال أعاقت تطوير إدارة أفضل وتحقيق نمو اقتصادي أسرع، وهذا بدوره أدى إلى عجز في الميزانية وميزان المدفوعات.

- أدت الحاجة إلى صندوق النقد الدولي إلى اعتماد سياسات اقتصادية انكماشية التي أدت بدورها إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور، وقد أصبحت هذه التدابير من مصادر عدم الاستقرار في تونس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ارتفاع الديون العمومية في تونس.. أزمة تتعمق وتهدد السيادة الوطنية

هل تصبح تونس قطبًا إقليميًا للنقل الجوي والبحري في اتجاه إفريقيا؟