كورونا.. المقايضة والخيارات القاسية تونسيًا

كورونا.. المقايضة والخيارات القاسية تونسيًا

المقايضات أو التّرجيحات مُربكة ومعقّدة (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

في زمن الكورونا تبدو المقايضة عنوانًا رئيسيًا لمجالات وتفاصيل متعدّدة في حياة الأفراد والمجموعة. ولا تكاد أمّة تنجو من مقايضات يفرضها وباء باغت الإنسانيّة كلّها. وهذه المقايضات أو التّرجيحات مُربكة ومعقّدة ومأساويّة في كثير من الأحيان.

يبدأ ذلك بمقايضة حياة شخص بآخر في غرفة الإنعاش، ومقايضة الوقاية من المرض بالوقاية من الجوع أو مقايضة الوقاية الجماعيّة بالحرية الفرديّة في حالة الحجر الصحي الشامل. وكذلك الشّأن بالنّسبة للمفاضلة بين التّعليم المنزلي التامّ والمدرسي عن بعد أو التّرجيح بين المحافظة على الوظائف عن بعد وتكييفها وإلغائها.

في زمن الكورونا تبدو المقايضة عنوانًا رئيسيًا لمجالات وتفاصيل متعدّدة في حياة الأفراد والمجموعة

في تونس، لم نطرح بعد بوضوح جملة هذه المقايضات وخياراتنا الجماعيّة إزاءها، سواء ما كان منها مأساويًا أو مربكًا أو مقبولًا على غرار دفن شهداء الوباء، وهو ما بدأ يطفو على السّطح وربّما آن الأوان لطرح هذه المقايضات بوضوح لمواجهة أبعادها الحقيقيّة.

متى انقضى هذا التّمديد الأوّل للحجر الشامل في يوم 19 أفريل/نيسان فلن يفصلنا عن شهر رمضان سوى بضعة أيّام، ولم يسبق أن سجّل تاريخ التونسيّين المعاصر أو الحديث على حدّ علم كاتب هذا المقال أن ظرفًا كهذا تتوقّف فيه كلّ نواحي الحياة المادية والروحيّة في أشهر الصّيام والأعياد والامتحانات الوطنيّة والصّيف. وفي الخطاب السّائد الإعلامي والسياسي، عادة ما يتمّ التلميح إلى كون الالتزام بالحجر قد يُؤتي أكلة بعد أسبوعين أو ثلاث وأنّ الحياة قد تعود إلى سالف عهدها في غضون الشّهرين المقبلين.

اقرأ/ي أيضًا: الخيارات التونسية في مواجهة الكورونا..

ثمّة طبعا حاجة لطمأنة المجتمع لدى السياسيّين والإعلاميّين، وثمّة أيضًا ضبابيّة مشروعة ومفهومة في الرؤية، ولكن الحقيقة واستباق الأسوأ أكثر أمنًا وطمأنينة على المدى البسيط من آمال جماعيّة تخيب في المدى القصير. فبمعزل عن نجاح المجهود الصحّي التونسي وعى فرضيّة صحّة نهجه أو فاعليّته من حيث الحجر، فإنّ ما من مؤشّر يفيد بتغيّر الظّروف قبل خريف السّنة القادمة إمّا بتعميم الّقاح أو على الأقلّ بتعميم التّحليل البيولوجي (تحليل الدم) الباتّ للمناعة من فيروس كورونا.

وحتى على فرضيّة أنّ تونس لن تعيش أيّة محنة صحّية فإنّ ارتدادات الأزمة في أوروبا والولايات المتّحدة وتقطّع أوصال السّفر والتّجارة، هذا الوضع وحده كفيل بالتسبب في كساد ليس بينه وبين الحجر الشّامل إلاّ فتح المقاهي والمطاعم واكتظاظ النقل العامّ، إن صمد كلّ ذلك.

تحتاج الدولة وهي في نشوة تغوّل غير مسبوق منذ الحرب العالميّة الثانية تونسيًا وعالميًا، إلى كثير من التواضع كي لا تسقط في خيار التّعتيم الإعلامي بخصوص خيارات مربكة ومُعقّدة

ونحن إذ نتحدّث عن خطّة إنقاذ في الاتّحاد الأوروبي والولايات المتّحدة تُقدّر بثمانية تريليونات دولار أمريكي في مرحلتها الأولى، فإنّنا نتحدّث عن شيء لا عهد لنا به كإنسانيّة. ما يحدث هو أشبه بتجميد كلّ إلى حين انقضاء الجائحة إن هي انقضت في فترة قريبة. ولسنا نعلم بعدُ كلّ الشرّ أو كلّ الخير وراء هذه المحنة، لكن تكفي الإشارة إلى أنّ خبراء البيئة يشيرون إلى تقلّص التلوّث المنجرّ عن ثاني أكسيد الكربون بـ5 في المائة شهريًا منذ تفاقم الأزمة، وهي نسبة لم يكن ممكنا تخيّلها. إنّه انتقال حادّ وجادّ، ولعلّه تجاوز لمقايضة مستقبل القادمين من بني الإنسان بإسراف أجيالنا الحاضرة.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة والثورة والوباء

تونسيًا، ما يهمّ في كلّ هذا هو ضرورة الإعداد النفسيّ الجماعيّ لهذه اللّحظة القاسية، وتلك مسؤوليّة تاريخيّة للدّولة في لحظة تضخّم استثنائيّة لحضورها في المجتمع والاقتصاد. وإذا كنّا نفهم هذا التضخّم في إطار ديناميكيّة أوسع من تونس، تقيّد في خضمّها الدولة حرية الأفراد وتكتسب ما يبدو أنّها شرعيّة استثنائيّة في تتبّع تحرّكاتهم وضبط ما يصدر في الإعلام ووسائل التواصل فإنّ الاطمئنان للتشدّد في هذه المقاربة قد لن يكون مفيدا على المدى المتوسّط.

تحتاج الدولة وهي في نشوة تغوّل غير مسبوق منذ الحرب العالميّة الثانية تونسيًا وعالميًا، إلى كثير من التواضع كي لا تسقط في خيار التّعتيم الإعلامي بخصوص خيارات مربكة ومُعقّدة. ولن يلوم أحدهم على الحكومة إن هي تردّدت أو عبّرت عن ارتباك بين خيارات متعدّدة في لحظة لا شيء فيها واضح بل ذلك من صميم طبيعتها.

بقدر ما تفرضه أزمة الكورونا من انتقال جذريّ وسريع سيتحتّم على الدّولة في لحظة تضخّمها أن تكون شفّافة وصريحة

وعلى سبيل المثال، لا تحتاج وزارة التربية التونسية لمنع إطاراتها الجهوية والمحلية من الإدلاء بتصريحات للإعلام خشية توضيح الإرتباك القائم للرأي العامّ إزاء اختبارات الباكالوريا برمزيّتها الكبيرة في الوعي الجماعي التونسي. هذا ارتباك طبيعي ومفهوم إذا كان قائمًا، وطبّ الارتباك الوضوح والشّفافيّة على قسوتهما الظّاهرة.

يتعلّق الأمر بالتربية وبالاقتصاد ناهيك عن الصّحة والنّقل، ستكون كلّها عُرضة لمقايضات صعبة وخيارات قاسية. لا فائدة من التّعتيم والمراوغة، فبقدر ما تفرضه أزمة الكورونا من انتقال جذري وسريع سيتحتّم على الدّولة في لحظة تضخّمها أن تكون شفّافة وصريحة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاقتصاد التونسي وجائحة الكورونا: الأزمة الفرصة (2/1)

الاقتصاد التونسي وجائحة الكورونا: الأزمة الفرصة (2/2)