ultracheck
ثقافة وفنون

"كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها

13 أكتوبر 2025
"كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها
الفنانة السورية ناندا محمد تقف كأنها وسط حلقة، في إطار العمل المسرحي "كل حاجة حلوة"
محمد أمين بن هلال
محمد أمين بن هلالصحفي من تونس

"سامحوني الحياة لم تعد تُحتمل"، هذا ما كتبته الفنانة داليدا قبل انتحارها بجرعة زائدة من أقراص مهدئة.

"حياة المشاهير صعبة"، لا أدري إن كانت مقولة مشهورة أم لا، ومهما يكن فيمكن أن أطلق أنا أو غيري جملة قد تصبح قولًا مأثورًا، فلا يهم صاحب القول بقدر معنى المقول.

مشاهير مثل "مارلين مونرو"، "أوبرا وينفري"، "والت ديزني" وغيرهم مشوا في طريق الانتحار، قليل منهم نجا فيما أتمّ الباقون مسيرهم نحو حتفهم والتقوا بالموت الذي بحثوا عنه، قد لا يكون المصير نفسه لأن بعضهم أفلت من تلك النتيجة، ولكن السبب واحد، الاكتئاب.

العمل المسرحي الذي اختير له عنوان "كل حاجة حلوة"، يقدّم ضمن فعاليات الدورة العاشرة من مهرجان "دريم سيتي"، لأول مرة في تونس بعد نجاحه في مصر وفي عدد من الدول

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الانتحار أودى بحياة ما يقرب من 727 ألف شخص في عام 2021 وأنه يمثل أحد الأسباب الرئيسية للوفيات بين الشباب في مختلف البلدان والسياقات الاجتماعية والاقتصادية.

ما أكتبه ليس مقالًا علميًا أو طبيًا حتى لو بدت لك المقدمة كذلك، أنت بصدد الاطلاع على مقال ثقافي فرض عليه العمل الفني مقدمة من هذا النوع.

ففي فضاء "بئر الأحجار" الثقافي بمدينة تونس العتيقة وبإخراج فريد يشد انتباهك حتى قبل بدء المسرحية، حيث تم وضع الكراسي على شكل الحرف "U"، وقفت الفنانة السورية ناندا محمد كأنها وسط الحلقة، فبدت لمسات المخرج المصري أحمد العطار واضحة على العمل المسرحي الذي اختير له عنوان "كل حاجة حلوة" ضمن فعاليات الدورة العاشرة من مهرجان "دريم سيتي" الذي يقام كل عامين منذ 2007، وهو عمل يقدّم لأول مرة في تونس بعد نجاحه في مصر وفي عدد من الدول.

اقرأ/ي أيضًا: "صوت هند رجب".. هل يكفي أن يكون الموضوع جيدًا لصنع فيلم جيد؟

  • فرادة الإخراج

المسرحية وإن كانت من فئة الممثل الواحد، فقد شارك فيها الجمهور كله تقريبًا، بطريقة فيها الكثير من الذكاء من طرف فريق العمل الذي يوزع على الداخلين للفرجة، قصاصات كتبت عليها بعض الكلمات والجمل التي لا يفهم المغزى منها في البداية.

أحد نقاط قوة هذا العمل وأبرزها، هو التفاعل بين الممثلة والمتفرجين الذين يصبحون جزءًا من اللعبة أو العملية الإبداعية، سواء بقراءة ما كتب على الأوراق كلما ذكرت الممثلة رقمًا أو باستدعاء عدد من الحاضرين للقيام ببعض الأدوار ليصبحوا شركاء في التمثيل.

 

 

والإبداع ها هنا وليد الألم ورضيعه، كبر بين يديه وصُنع على عينيه، فالقصة في أصلها كما ألّفها الكاتب الإنجليزي "دنكان ماكميلان" بمشاركة "جوني دوناهو" تروي حياة طفلة عمرها سبع سنوات يتم إعلامها ذات يوم بأن والدتها دخلت المستشفى بسبب محاولتها الانتحار لاكتئاب أصابها، فتلجأ الطفلة إلى فكرة تشي ببرائتها وعفويتها، وتقوم بكتابة ملاحظات أو قائمة من الأشياء الجميلة التي يمكن أن تفرح الأم وتجعلها -ربما- تتخلى عن تكرار المحاولة مرة أخرى، وتضعها في صندوق قريب منها، لعلّها إذا قرأتها تعرف أو تتذكر بأن الحياة مليئة بأشياء جميلة، قد تجعلها تُحجم عن محاولة إنهاء حياتها مجددًا.

أحد نقاط قوة العمل المسرحي "كل حاجة حلوة"، هو التفاعل بين الممثلة والمتفرجين الذين يصبحون جزءًا من اللعبة، سواء بقراءة ما كتب على الأوراق أو باستدعاء عدد من الحاضرين للقيام ببعض الأدوار ليصبحوا شركاء في التمثيل

أولى الصدمات التي تلقتها الطفلة كان موت كلبها رغم محاولات إنقاذه وزيارتها للطبيب البيطري لعلاجه (أحد الحاضرين جسّد دور الطبيب)، لتتوالى بعد ذلك الصدمات، فمع تقدم الطفلة في العمر وتكرار الأم محاولاتها، تتطور قائمة الذكريات الجميلة لديها، من البالونات والآيس كريم، التي كانت الأم تشتريها لها، وتنقلها مع أبيها في سيارته (أحد الحاضرين جسّد دور الأب)، لتتناسب مع مراهقتها وشبابها ثم وصولها إلى سن الزواج والتعرف على شاب في المكتبة العمومية، زواج كان مصيره الفشل بسبب إصابتها هي أيضًا بالمرض نفسه، أو هكذا اتهمها حبيبها ليهجرها، ومع تكرار محاولات الأم "تنجح" الأخيرة في إنهاء حياتها، وهو ما جعل الابنة تقرر الخروج من أزمتها، وتتجاوز نوبة الاكتئاب عبر الكثير من الأشياء الجميلة التي تتطور معها في قائمة ملاحظاتها التي كانت تكتبها تعليقًا على كل حادثة تحدث معها وتعرف أن الحياة تستحق أن تعيشها وتتمتع بها رغم كل شيء.

لقد عالجت نفسها بنفسها إن صحت العبارة أو حاولت على الأقل.

  • حضور ركحي لافت

تميزت الفنانة ناندا محمد بحضور لافت، ولم تتمكن فقط من شد انتباه الجمهور طيلة ساعة ونصف، بل جعلته متأثرًا بما تقوله وتفعله. كانت تتحرك في كل الاتجاهات، ملأت كل المساحة وجلست أحيانًا بين الحاضرين على المدارج، هذا القرب جعل من التماهي معها كبيرًا، فقد سرى بين الناس شعور بأنها تنتمي إليهم وتشبههم وأن ما جرى لها قد يكون مصيرهم أو مصير أحد أقاربهم وأصدقائهم. وربما تذكر أحدهم أو بعضهم حدثًا ما مرّ بهم في السابق. 

صوتها الذي يتميز ببحة خفيفة زاد من تأثيرها في الحاضرين، وارتجافات كلماتها حين تنطقها في مواقف الحزن لم يكن يصعب عليها أن تخترق القلوب قبل الآذان.

جمعت ناندا بين رشاقة الحركة وسلاسة الانتقال بين تفاصيل الرواية لدرجة تجعلك تعتقد أنها صاحبة القصة الحقيقية.

القائمون على تظاهرة "دريم سيتي" يعرّفونها بأنها ليست فقط مهرجانًا تعرض فيه أعمال فنية، بل يتجاوز ذلك ليكون نقطة التقاء بين فنون مختلفة وبين الفنانين والجمهور

  • دريم سيتي.. دعوة للتفكير

يُعرّف القائمون على التظاهرة بأنها ليست فقط مهرجانًا تعرض فيه أعمال فنية، بل يتجاوز ذلك ليكون نقطة التقاء بين فنون مختلفة (مسرح، رقص، موسيقى، تنصيبات، فيديو..) وبين الفنانين والجمهور، بين الفنانين أنفسهم وبين الجمهور فيما بينه أيضًا، إذ تنشأ في الأثناء علاقات متعددة وفي اتجاهات مختلفة، ففضاء العرض والطريق إليه والعودة منه تجعل الناس يقتربون من بعضهم، يدفعهم العمل الفني إلى التفكير والنقاش الذي تُخلق عبره روابط اجتماعية وصداقات.

اقرأ/ي أيضًا: إبراهيم معلوف على ركح قرطاج.. لاعب الخِفّة الذي باع أباه

ورغم أنّ أحد الأهداف الرئيسية التي أنشئ من أجلها المهرجان عام 2007 هو افتكاك أو استرجاع الفضاء العام وعدم استئثار السلطة السياسية به آنذاك، فإنه اليوم أصبح دورة بعد أخرى مناسبة لخلق فضاء للتفكير حول قضايا مختلفة، يطرحها الفنانون المشاركون فيه بخلفياتهم المختلفة، يتحدث بعضهم عن الاحتلال الصهيوني والمقاومة، وآخرون عن الوضع البيئي والمناخي أو الهجرة وغيرها..

فيما يجد الجمهور فرصة لاكتشاف أعمال لا تقدمها لهم وسائل الإعلام، أو أغلبها، ولا المهرجانات أو المؤسسات الثقافية التابعة للدولة، وهنا نكتشف أيضًا نوعية أخرى من الجمهور ليثبت صواب الرأي القائل بأن الجمهور جماهير.

الكلمات المفتاحية

دريسينغ روم.. سطور من التجاعيد تروي ذكريات النساء

"دريسينغ روم".. سطور من التجاعيد تروي ذكريات النساء

"دريسينغ روم" أو غرفة تبديل الملابس، هو عمل فني لا يتعلق بتغيير قطعة قماش تغطي جسدًا ما كما يبدو العنوان، بل يغوص نحو الأعمق، عن التغيير الجسدي الذي يحصل للمرأة عند وصولها لما يسمى "سن اليأس"


صوت هند رجب

"صوت هند رجب".. هل يكفي أن يكون الموضوع جيدًا لصنع فيلم جيد؟

"كانت المخرجة التونسية ذكية في التوجه لأعمال لها جمهور متابع لهذه القضايا محليًا أو دوليًا.. وفي المطلق لا يكفي أن يكون لك موضوع جيد لتنجز فيلمًا جيدًا"


"رقوج" مساحة الوجع الجميل والوفاء الصامت

عرض رقوج.. مساحة للوفاء والوجع

‎عرض "رقوج" هو ليس بالإعادة العمياء أو "المونوتونية" للمسلسل، بل إعادة كتابة مطوّعة للمسرح حملت القضايا الرئيسية للمسلسل بجزئيه، فُكّت بها بعض الرموز المخفية لهذا الأخير.


فيلم أڨورا لعلاء الدين سليم

فيلم "أغورا" لعلاء الدين سليم.. حين تكفر السلطة حقيقتها

قراءة في معاني وأبعاد فيلم "أغورا" للمخرج علاء الدين سليم

الثورة في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
سیاسة

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي

الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
مجتمع

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف


تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
سیاسة

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة

رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
رأي

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

مرصد الطاقة والمناجم: تواصل تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية مع موفّى أكتوبر 2025


2
سیاسة

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة


3
رأي

ظرف مسموم


4
سیاسة

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي


5
مجتمع

جمعيات ومنظمات تونسية: وفاة نعيم البريكي تُجسّد مجددًا سياسة الإفلات من العقاب