"كلنا فاسدون".. خطاب الإحباط في تونس
24 أبريل 2026
مقال رأي
ظلت كلمات الممثل الراحل أحمد زكي في فيلم ضد الحكومة تتردد بين الأوساط الشعبية وحتى النخبوية في تسعينيات القرن الماضي وأصبحت حجة أو شماعة يلقي علیھا الناس إخفاقاتھم في مواجھة واقع ینحدر نحو الھاویة، وبما أننا بارعون في تدویر المفاھیم وقلب المعاني أصبحت صيحة المحامي الذي تخلص من فساده نتیجة اصطدامه بواقع أليم وظرف شخصي، ھي ذاتھا التي تستعمل للتعمیم المتردي التي یمكن أن تصل إلیه المجتمعات فیبرّر من یبرر فساده أو الاستفادة من وظیفته أو رتبته أو تقدیمه رشوة لتمریر معاملاته إننا يا أخي.. كلنا فاسدون.
فمعذرة لمن صاغ تلك الكلمات التي نطق بھا الراحل أحمد زكي فقد حان وقت الإجابة.. لا لسنا بفاسدین كلنا.
ولكن نفي الأمر لا یعني أنه غیر موجود كما أن تعمیمه أمر خطیر، دعونا أولًا نخرج من الفھم الأخلاقي الذي یعمینا عن خطورة النفق الذي دخلنا فیھ خلال السنوات الماضیة الذي خطت فیھ الخطابات الشعبویة على تفكیك الظاھرة ومحاولة مباشرة التقلیدي منھا على قدر المستطاع باعتماد تفكیر علمي وعمل على أرض الواقع، لكننا ذھبنا في اتجاه آخر له من المفردات ما یحسم الجدل والنقاش.. فكلنا فاسدون إلى أن یأتي ما یخالف ذلك.
عدم الالتزام المهني للأجیر أو الموظف لیس فقط لعامل التقاعس، بل یأتي في سیاق عام من الأخلاق التي تسرب إلى نفوس التونسیین الذین یعایشون فشل السیاسات العمومیة واتساع الھوة بین سقف الخطاب السیاسي والواقع الاجتماعي
في الآونة الأخیرة، صدرت بیانات عن منظمة "غالوب" (Gallup) الدولیة لقیاس الرأي العام العالمي في القضایا السیاسیة والاجتماعیة، وما یعنینا في ھذه الأرقام أن 9% فقط من الأجراء في تونس یشعرون بالالتزام في عملھم وذلك یشمل الموظفین وكذلك الأجراء بمختلف فئاتھم ووضعیاتھم المھنیة. والالتزام المھني یعني درجة انتماء الفرد لمؤسسته وحدة الرضاء عن ظروف العمل، الرقم كان بین 13 و14% خلال السنوات التي تلت 2011 وصولًا إلى التدحرج الذي نعرفه الآن، أرقام تونس تبقى دون المعدلات الإقلیمیة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفریقیا بين 12 و13%.
لعلّ المطلع على ھذه الأرقام سیطرح السؤال التالي، ما ھي علاقة ھذه الأرقام بالفساد؟ فعلًا لا تبدو العلاقة بین ھذه المعطیات وعبارة الفساد قویة إلى حد الحسم، لكننا ھنا نصل المعاني ونثبت الواقع من خلال نوعیة ھذه البیانات التي تؤشر على مجالات التدحرج الذي یعیشه المجتمع -الفاقد لعناصر الارتكاز الأساسیة یومًا بعد یوم- أنّ عدم التزام الأجیر أو الموظف لیس فقط لعامل ذاتي استھلاكي معروف وھو تقاعسه عن العمل بل یأتي في سیاق عام من الأخلاق الذي تسرب إلى نفوس التونسیین الذین یعایشون فشل السیاسات العمومیة واتساع الھوة بین سقف الخطاب السیاسي والواقع الاجتماعي.
إنّ أرقام عدم الالتزام المھني تسبقھا وتتبعھا، إما معطیات واقعیة حول الاقتصاد الاجتماعي التونسي أو مظاھر لاحقة لظواھر اجتماعیة تقفز في المشھد العام بین الفترة والأخرى، ھذا إن لم تكن أمراضًا اجتماعیة ماثلة أمامنا. فعدم الالتزام المھني أو الوظیفي یرجع أولًا إلى عدم الاستقرار الاقتصادي وما یرتبط به من ھشاشة على مستوى المؤسسات العمومیة والخاصة التي لا تملك نظرة مستقبلیة واضحة ولا طریقة عمل تضمن جودة ظروف العمل وكذلك الأجور المجزیة، وھي العقدة التي استفحلت عن الحل. فالعامل الذي یتلقى أجرًا زھیدًا ویعمل في مؤسسة مھترئة ولا یقدر على توفیر ما یعیل أبناءه لا یمكن مطالبته بالإنتاجیة الكافیة.
اقرأ/ي أيضًا: 500 دجاجة وكلب ونخّالة!
أما الأمر اللاحق فھو التراجع الكبیر في الخدمات الاجتماعیة وارتفاع درجة الفقر وحتى الخصاصة ودخول الفضاء العام في نسق من الاتھامات والتخوین، فالسلطة السیاسیة تتھم الإدارة إما مباشرة أو ضمنیًا بتعطل عدد من المشاریع أو تراكم الفضلات المنزلیة، یقابله عالم من الجمود والركود وحتى اللامبالاة وتعطل بعض الخدمات أو الإنتاج في فترات معینة. وھي ثنائیة صفریة أنتجت مساحات كبیرة من الخطابات السلبیة التي بدورھا تعمم الإحباط، تخلق بیئة عمل لا تحفیز فیھا، تدفع الأجیر إلى الاكتفاء بالحد الأدنى المطلوب أو ما یعبر عنه بـ"نعطیھم على قدر فلوسھم".
خطاب الإحباط
في ھذه الحالة، یستبطن المجتمع خطابات الإحباط ویعید إنتاجھا في شكل ردود فعل، فالإحباط ینتج تراجع المردود الذي بدوره ینعكس على الإنتاج والإنتاجیة وینتھي إلى مؤشرات اقتصادیة متدنیة لا ینفع محاولة النفخ فیھا أو تضخیمھا فالواقع غالب وصادح، ھذا الواقع الذي انقسم فیه المجتمع إلى مواطن صالح جدًا وآخر فاسد جدًا أو بین خائن ووطني.. ثنائيات تعمقت في السنوات الأخیرة وفعلت فعلتھا حتى بین أفراد الأسرة الواحدة وزادت في مؤشرات العنف الأسري والمجتمعي ودخلنا في مسارات خطیرة من التقسیمات الواسعة والضیقة.
ومن تبعات كل ذلك كثرة التصنیفات وتخوین الضمائر واھتزاز الثقة في النفس وفي الآخر، وھذا تزخر به وسائل التواصل الاجتماعي وحتى وسائل الإعلام التي احتكرت خطاب السلطة وجزء من النقاش الریاضي الذي یدعم فرضیة.. كلنا فاسدون.
إنّ تعمیم الخطاب السیاسي المحبط المدجج بالاتھامات لا یمكن أن یمر دون ترك علامات على المجتمع الذي في جزء منه ونتیجة تكرارھا بین الوسائط الإلكترونیة وترویجه دعائیًا عبر وسائل الإعلام یتفاعل معه وبه ویصبح أیضًا مكونًا من مفردات التعامل بین فئاته، ففي فترة التحولات الكبرى یكفي السیاسي أن یشخص واقع الحال ویستعین بخبرات وكفاءات تعتمد العلم والمعرفة والتخطیط لتذھب مباشرة إلى حلول واقعیة تتجنب الاصطدام بالواقع وتحاول تغییره. فمنھجیًا وبیداغوجیًا لا یمكن مثلًا تحفیز موظف لا یعمل بوصفه بالفشل أو الخیانة عندھا سینكفئ على نفسه ویصبح من بین 91% من الأجراء الذین لا یلتزمون بعملھم.
عدم الالتزام المھني أو الوظیفي یرجع أولًا إلى عدم الاستقرار الاقتصادي وما یرتبط به من ھشاشة على مستوى المؤسسات العمومیة والخاصة التي لا تملك نظرة مستقبلیة واضحة ولا طریقة عمل تضمن جودة ظروف العمل وكذلك الأجور المجزية
فالشعارات التي تغذي حاجات دفینة داخل مجتمع عایش سیاسات عمومیة تخضعه إلى رغباتھا لا یطلق المبادرة والإبداع وعادة یلفظھا ولو بعد حین وعندھا یخرج أسوأ ما فیه من شتم وتخوین وخطاب كراھیة وعنصریة، ففي الأنظمة السیاسیة المركزیة یصبح للخطاب السیاسي أھمیته في التجمیع على مشروع مجتمعي فیھ تفاعل مع مكونات المجتمع ولیس فیه إسقاط فحین یكون للسلطة السیاسیة مشروع فإن للمجتمع أیضًا مشاریعه وعندھا یتم الاحتكام إلى الآلیات التي ابتكرتھا البشریة للحسم والتقدم.
لم تكن عبارة كلنا فاسدون في فیلم ضد الحكومة إلا تعبیرًا عن صرخة عجز وإحباط بلغ فیھا الفساد مداه الأقصى ولكنھا یمكن أن تصبح خطیرة عندما تمثل طریقة تواصل لإبقاء الحال على ما ھو علیه، فالأجیر الذي لا یعمل ھو علامة من علامات الفساد ولكنه أیضًا وبالاساس فشل في السیاسات العمومیة ونتیجة واقعیة لخطاب الإحباط الذي لم یستدرك أیًا من مفرداته إلى الآن ولم یحاول ولو جزئیًا تغییره لینتقل إلى الضفة الأخرى التي أنھض فعلیًا بالمجتمعات لتخرج أفضل ما فیھا، وھو فعلیًا ما ظھر في المجتمعات العربية التي عاشت الثورات عندما برز التماسك المجتمعي وخاصة قدرة ھذا الإنسان المھدور على الخروج من سلبیته إلى الفعل والبناء في محاولة لجر الدولة إلى التطلع لانتظاراته التي تحولت إلى شعارات تخضعه یومًا بعد یوم.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين
سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"
جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة
طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..
طقس تونس.. حرارة مستقرة وأمطار منتظرة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر هادئ إلى قليل الاضطراب
خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة
قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..
طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب