قيود على توريد السلع.. مؤسسات في مأزق واستياء واسع في تونس
30 مارس 2026
أثار منشور صدر مؤخرًا عن البنك المركزي التونسي وفرض قيودًا صارمة على تمويل الواردات المصنفة كمنتجات "غير ذات أولوية"، انتقادات واسعة في الساحة الاقتصادية في تونس، فاعتبر فاعلون اقتصاديون أن "هذا القرار يضع آلاف المؤسسات في مأزق مالي صعب"، فيما رأى آخرون أنه "قرار يقود الفاعلين الأكثر هشاشة لدفع الثمن عند اشتداد الأزمات، في وقت تستفيد فيه الأقليات المهيمنة على الأسواق".
تفاصيل قرار البنك المركزي
تضمّن المنشور الصادر عن البنك المركزي التونسي، إجراءات تحدّ من تمويل واردات بعض المنتجات ''غير ذات الأولوية"، في إجراء قال إنه "يهدف إلى ترشيد الاستيراد والحفاظ على احتياطيات تونس من العملة الأجنبية".
وينص منشور البنك المركزي رقم 4 لسنة 2026 الصادر بتاريخ 26 مارس/آذار 2026 على منع البنوك المعتمدة من تقديم أي تسهيلات ائتمانية أو تمويلات لاستيراد قائمة محددة من السلع، إلا إذا قام المستورد بتغطية كامل قيمة البضاعة نقدًا (100%) قبل الشروع في عملية التوطين. ويشمل هذا المنع جميع طرق الدفع، بما في ذلك الاعتماد المستندي، والتحويل البنكي، والكمبيالات.
أثار منشور صدر عن البنك المركزي التونسي مؤخرًا وفرض قيودًا صارمة على تمويل الواردات المصنفة كمنتجات "غير ذات أولوية"، انتقادات واسعة في الساحة الاقتصادية، واعتبر فاعلون أن "هذا القرار يضع آلاف المؤسسات في مأزق صعب"
ويغطي المنع كافة أشكال التمويل، مثل القروض البنكية والتسبقات المالية والضمانات البنكية، مع بعض الاستثناءات التي تشمل أساسًا الصفقات العمومية لصالح الدولة أو المنشآت العمومية والجماعات المحلية، والعمليات الجارية التي بدأت قبل صدور المنشور والتزمت البنوك بتمويلها، فضلًا عن واردات المؤسسات الصناعية الضرورية لعملية الإنتاج وذلك بعد تقديم بطاقة فنية من وزارة الصناعة تثبت أن المنتج مرتبط مباشرة بنشاط المؤسسة، وكذلك الواردات تحت نظام التحويل الداخلي لغرض التصنيع وإعادة التصدير، بعد الاستظهار بترخيص في الغرض.
ويشمل القرار قائمة طويلة من المنتجات "غير ذات الأولوية"، أبرزها السيارات السياحية، والملابس والمنسوجات، والمواد الغذائية الفاخرة مثل الأجبان والفواكه الاستوائية (موز، أناناس، أفوكادو) والفواكه الجافة (لوز، فستق) والعسل والحلويات، المشروبات الغازية والمياه المعدنية، والأسماك الفاخرة والقشريات.
وبموجب هذا القرار، لم يعد بإمكان التجار استيراد "السلع الكمالية" أو "غير الضرورية" باستخدام قروض بنكية، وبالتالي فإنهم مطالبون بتمويل هذه الشراءات قبل الاستيراد من مواردهم الخاصة، وهو ما أثار جملة من الانتقادات.
جامعة الحرفيين والمؤسسات الصغرى: آلاف المؤسسات في مأزق
وقالت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة في بيان لها، إنها "فوجئت بقرار غير متوقع من البنك المركزي التونسي، يقضي بإلزام المؤسسات بتمويل عمليات استيراد مجموعة من المنتجات بنسبة 100% من مواردها الخاصة، وقت كانت تنتظر فيه من سلطة الإشراف خطوات عملية لإنقاذ ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين".
وأضافت الجامعة في بيانها: "صحيح أن القرار يهدف إلى حماية احتياطي العملة الصعبة، لكنه في المقابل يضع آلاف المؤسسات في مأزق مالي صعب، ويهدد بقاءها واستقرارها بشكل مباشر".
وأكدت الجامعة "رفضها لأي قرار يُتخذ دون إشراك حقيقي لممثلي المؤسسات الصغرى والمتوسطة"، كما عبّرت عن "استنكارها تحميل المؤسسات تبعات أزمة مالية واقتصادية ليست مسؤولة عنها". وحذّرت من ما وصفتها بـ"العواقب الوخيمة لهذا القرار على الاقتصاد الوطني ككل".
وأشارت إلى أن القائمة التقريبية بالمنتجات المتأثرة تشمل المواد الاستهلاكية غير الأساسية، مثل مواد تجميل وعطور، وملابس جاهزة وأحذية، وأغراض منزلية غير ضرورية، وسلع مصنعة جاهزة، على غرار أثاث مستورد، وبعض أنواع الأجهزة الكهربائية المنزلية، ومنتجات بلاستيكية جاهزة.
جامعة الحرفيين والمؤسسات الصغرى: قرار البنك المركزي التونسي يضع آلاف المؤسسات في مأزق مالي صعب، ويهدد بقاءها واستقرارها بشكل مباشر، ونحذّر من عواقبه الوخيمة، كما نستنكر تحميل المؤسسات تبعات أزمة ليست مسؤولة عنها
واعتبرت الجامعة أن قطاع السيارات هو الأكثر تأثرًا من خلال استهداف المنشور الأخير لقطع الغيار غير الأصلية، والإطارات من بعض المصادر، والزيوت والمحاليل غير معتمدة، وإكسسوارات السيارات، وأجهزة وتجهيزات ثانوية: مثل الهواتف ذات القيمة منخفضة أو غير المهنية والملحقات والكماليات الإلكترونية، مشددة على أن هذه القائمة تبقى غير نهائية وقد تتوسع حسب تعليمات البنك المركزي والمصارف.
وفي قراءة لتداعيات هذا القرار، بينت جامعة الحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة أنه يمكن أن يترتب عنه توقف عمليات الاستيراد، وارتفاع كبير في الأسعار، ونقص في بعض المواد، فضلًا عن تراجع النشاط الاقتصادي، والخطر على فرص العمل، وتوسّع السوق الموازية.
وطالبت الجامعة بجملة من "المطالب العاجلة ومن ضمنها، إعادة النظر في القرار وتمييز القطاعات الحيوية، فضلًا عن توفير بدائل تمويلية مرنة ومؤقتة بدلًا من المنع الكلي، وإشراك الهياكل المهنية في صنع القرارات الاقتصادية، ووضع خطة إصلاح اقتصادي واضحة بدلًا من الحلول المؤقتة".
وشددت الجامعة على أن "الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بقرارات صادمة، بل برؤية مشتركة وعادلة تحفظ حقوق الدولة والمؤسسة والمواطن معًا"، معتبرة أن "إنقاذ الاقتصاد لا يكون بخنق مؤسساته، بل بدعمها وتمكينها من الصمود والنمو"، وفق نص البيان.
منظمة آلارت: هدية جديدة للمنظومة الريعية
بدورها انتقدت منظمة آلارت -الناشطة في مجال مكافحة الاقتصاد الريعي والتنديد بالانتهاكات المنجرة عنه كما تعرّف نفسها- المنشور عدد 4 لسنة 2026 واعتبرت أن "البنك المركزي يحدّد من خلال هذا المنشور مَن له الحق في التوريد".
وبينت أن "هذا المنشور يفرض على مورّدي المنتجات التي توصف بـ "غير ذات الأولوية" تمويل مشترياتهم من الخارج بنسبة 100% من أموالهم الخاصة أي من مواردهم الذاتية. بمعنى لا قروض بنكية جديدة، لا دفعات مسبقة ولا ضمانات، ليقترن التوريد إذًا بضرورة أن تتوفر لدى المورّد السيولة النقدية الكاملة قبل أن يتمكّن من عرض ملفه على البنك"، وأضافت أنه "لا بدّ في هذا السياق، أن نقرّ ونوضّح أنّ هذا الإجراء ليس منعًا للتوريد، بل هو منعٌ للتوريد على مَن يورّد بالاقتراض أي من هو ليس غنيًا بالفعل".
منظمة آلارت: هذا الإجراء ليس منعًا للتوريد، بل هو منعٌ للتوريد على مَن يورّد بالاقتراض، وبالتالي فإن عجز المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والفاعلين الجدد عن توفير الأموال اللازمة دون الالتجاء للاقتراض، سيؤدي إلى إقصائهم تدريجيًا، لتكون النتيجة النهائية منافسة أقل ومزيد من الريع
وأضافت المنظمة: "قد يبدو هذا الإجراء تقنيًا، للوهلة الأولى، بل وربما عاديًا لمن لا يمعن النظر فيه، فهو يندرج شكليًا ضمن تقاليد ترتيبية قديمة، حيث سبق للمنشور الأم لسنة 1994 أنْ وضع الإطار العام للرقابة على التوريد. لكن يجب التوضيح أنّ هذا النص كغيره من النصوص العديدة في الترسانة الترتيبية التونسية، لم يكن يُطبّق في الواقع إلا نادرًا حيث كان يُستخدم أساسًا كأداة للضغط وسلطة تقديرية في أيدي مَن يقرّرون مَن يستحق الدخول إلى السوق ومَن لا يستحق. وما يفعله المنشور الجديد هو جعل هذا الفرز آليًا وممنهجًا، ولا تشوبه شائبة من الناحية القانونية"، وفقها.
وتابعت منظمة آلارت أن "هذا الإجراء يأتي في سياق ضغط مستمرّ على احتياطي العملة الصعبة، والذي يُقدّر اليوم بحوالي 106 أيام من التوريد. وهذا الرقم، الذي يُعتبر مطمئنًا ولا يدّعي القلق، يستوجب قراءة حذرة: فهو يخفي واقعًا أكثر هشاشة متى قمنا بتسليط الضوء عليه من زاوية التزامات الدولة الخارجية والتبعيّة الهيكليّة للاقتصاد التونسي للمدخلات المورّدة. كما أن وضعية المخزونات الاستراتيجية لبعض المواد، لا سيما الطاقية منها، تبعث هي الأخرى على القلق. وعليه، اختارت السلطات التدخل. ولكن السؤال المطروح هو بأي طريقة، ولمصلحة مَن؟".
وأضافت المنظمة أن "قائمة المنتجات المعنية كاشفة للواقع. فهي تضمّ من جهة، سيارات سياحية وسلعًا فاخرة، وتشمل من جهة أخرى الغلال والفواكه الجافة والشوكولاتة ومنتجات النظافة على غرار معجون الأسنان وحفاظات الأطفال ومواد التعليب والورق المقوى والأجهزة الكهرومنزلية، وهي منتجات لا يمكن اعتبارها من الكماليات في الواقع الاقتصادي اليومي فهي تلبي طلبًا حقيقيًا، وغالبًا ما يصعب تعويضها بالإنتاج المحلي على المدى القصير".
وأشارت المنظمة أن "الكثير من المنتجات المعنية يدخل مباشرة في تكاليف إنتاج المؤسسات التونسية"، وأكدت أن "الحد من توفر هذه المواد لا يحمي الاقتصاد التونسي، بل يُترجم آليًا إلى نقص في العرض وارتفاع في الأسعار، إضافة إلى خلق أرضية خصبة للسوق الموازية. غير أن الأثر الهيكلي الأعمق لهذا الإجراء يبرز في جوانب أخرى. فمن خلال تعويض القروض بالسيولة النقدية المتوفرة كمعيار للولوج إلى السوق، لا يلغي المنشور عمليات التوريد، بل يفرز مَن له الحق في ممارستها".
ولفتت إلى "عجز المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والفاعلين الجدد، والمورّدين المستقلين عن توفير الأموال اللازمة دون الالتجاء للاقتراض، مما يؤدي إلى إقصائهم تدريجيًا، لتكون النتيجة النهائية: منافسة أقل، وتركيز اقتصادي أكبر، ومزيد من الريع لمن يحتكرون أصلًا المواقع المهيمنة".
وخلصت المنظمة بقولها، إنه "كما هو الحال في كل مرة تشتد فيها الأزمات، فإن الفاعلين الأكثر هشاشة وهم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والوافدون الجدد إلى السوق، وفي نهاية السلسلة، المستهلك يدفعون الثمن. والأقليات المهيمنة على الأسواق هي التي تستفيد"، وفق تقديرها.
الكلمات المفتاحية
فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي
لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين
قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟
كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان
تعليق التداول في بورصة تونس.. إجراء وقائي أم مؤشر خطر؟
تساؤلات عديدة في الساحة المالية والاقتصادية في البلاد، خاصة حول أسباب اتخاذ قرار تعليق التداول في بورصة تونس وتداعياته المحتملة.. فما رأي المختصين؟
"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس
أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..
المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة
لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات
أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..
مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟
شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..