"قفة" السجين.. جسر كرامة يُثقل كاهل الفقراء في تونس
25 سبتمبر 2025
ككل يوم "قفة"، تنهض وسيلة قبل الفجر، فلا يكحل النوم جفنها في الليلة التي تسبق الموعد خوفًا من أن تنسى شيئًا من أغراض ابنها.
"قفة السجن" بالنسبة لوسيلة هي أكثر من مجرد مؤونة؛ هي رسالة صامتة تُخبر السجين بأنه لا يزال جزءاً من العائلة.
بدقة مؤلمة تتلمس وسيلة العلب البلاستيكية، تضع فيها قطع اللحم بعد أن تتثبت جيدًا من أنها لا تحتوي على أي عظم ولو صغيرًا وترفقه بقطع البطاطا والفلفل المقلي، فلطالما أحب ابنها هذا الطبق.
"اقترض المال أحيانًا حتى أعد قفة ابني، هذا اللحم الذي بلغ سعره 60 دينارًا، اشتريت منه رطلاً، فهو يحبه وأعلم أنه لا يتذوق أكل السجن، وهو جوعان فكيف أحرمه من قطعة لحم، أنا مستعدة أن أدفع كل شي مقابل أن يأكل ابني، إنه فلذة كبدي هل سمعتم يومًا أن أحدًا استطاع العيش دون كبد؟"، هكذا تقول وسيلة في حديثها لـ"الترا تونس" وهي تذرف دموعًا من عيون كسرها سجن ولدها.
عائلات عدد من المساجين التونسيين تتحدث لـ"الترا تونس" عن أعباء توفير وإعداد "قفة السجن" ومشقة إيصالها بعد رحلة تنقل طويلة ومسار من الانتظار والتفتيش داخل أروقة سجون تونس
وسيلة تعد أسبوعيًا ثلاثة أطباق لابنها وتحاول جهدها في أن تستجيب لشروط السجن، حتى لا تعود بها فكم تمنت أن يتم قبول عصيدة الزقوقو في ذكرى المولد النبوي الشريف لكن عون التفتيش أخبرها بأن العصيدة ممنوعة.
وتقول وسيلة: "في لحظة اللقاء القصير، لا يستطيع السجين أن يشبع ناظريه من وجهها، لذلك فإن عينيه تبحثان في محتويات القفة عن شيء واحد فقط: ملاحظة بخط اليد أو قصاصة ورق مدسوسة في جيب الملابس لتطمئنه على أخيه الصغير أو نجاح أخته في الدراسة، في تلك الأطباق يتلمس رائحة أمه، أصابعها التي مرت، أنفاسها التي طبخت تلك الأطباق".
بالنسبة لوسيلة هذه القفة هي جسر مادي يحافظ على العلاقة، ويثبت لابنها أن الحياة تنتظره، بالرغم من كل شيء.
أما مراد، ذو الـ 13 ربيعًا، لم يعد يذكر والده خارج أسوار السجن. لقد تحولت "قفة السجن" إلى واجبه الأسبوعي الذي لا يتغيب عنه.
في البداية، كانت الزيارات مجرد رحلة طويلة ومملة، لكن مع مرور السنوات، أصبح مراد يدرك الثمن الحقيقي لتلك القفة. لقد صار مسؤولاً، عن قائمة التسوق التي تُمليها عليه والدته، متعلماً فن المساومة في السوق لشراء أفضل أنواع الجبن أو الخضراوات أو الغلال التي يحبها والده والتي "تُمنع" أحياناً من الوصول إليه.
اقرأ/ي أيضًا: رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات خطيرة في السجون التونسية وسط صمت رسمي
يروي مراد لـ"الترا تونس" تلك اللحظة التي رأى فيها سجيناً آخر يبكي فرحاً بسبب "قفة" وصلته بعد انقطاع، وكيف أدرك حينها أن هذه القفة البلاستيكية ليست مجرد أغراض.
اختبر مراد مبكراً معنى التحمل والرجولة؛ فهو يحمل قفة ثقيلة على كتفيه، ويخوض إجراءات التفتيش كشخص بالغ، كل ذلك ليُهدي والده إحساساً بالنظافة والكرامة داخل الزنزانة.
يقول مراد بصوت حزين: "أنا لا أحمل مجرّد قفة، أنا أحمل كرامة أبي بين يدي".
أما عادل يبلغ من العمر 50 عامًا، وهو سجين سابق فيروي قصته كشاهد من داخل السجن، لم يكن أحد يزوره طيلة محكوميته ولا تصل إليه "قفة الحبس"، عائلته تعيش في منطقة ريفية بعيدة عن مقر سجنه ووالداه يعانيان الفقر والخصاصة ولا يملكان مالاً لتكبد مصاريف القفة والتنقل.
ويقول في حديثه مع "الترا تونس": "عشت على الحد الأدنى الذي توفره إدارة السجن، ولكني كنت أفتقد الأساسيات للشعور بالكرامة، قطعة صابون إضافية، ملابس داخلية نظيفة، أو أي شيء يكسر رتابة الزنزانة ويجعلني أشعر أن لي في الخارج أملاً ينتظرني".
ويضيف عادل: "حتى في السجن تشعر أن الفقير يبقى فقيرًا معدومًا، والميسور ميسورًا تصله الملابس النظيفة وأطباق الأكل الشهي"، ويروي عادل أنه في كل يوم زيارة كان يشعر بالألم حين يرى فرحة بقية السجناء وهو يقف وحيدًا، لا ينتظر أحدًا، حتى أصبح يعتمد على "صدقات الزنزانة"، فيتقاسم معه زملاؤه شيئاً من قفتهم الخاصة، بعضًا من المقرونة، وقطعة السمك أو حبة الفواكه.
رئيس فرع رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان بالمهدية لـ"الترا تونس": "القفة" تُعد "ضرورة حياتية" للسجين، خاصة أن نوعية الطعام الذي توفره إدارة السجن "رديئة جداً" والدولة تتعلل دائمًا "بضعف الإمكانيات المادية"
بوجع وألم ودموع يحاول أن يخفيها، استرجع عادل ذكريات، فقال في حديثه لـ"الترا تونس": لقد كنت أغسل ثيابهم وأنظف مرحاض السجن نيابة عن الميسورين حتى أحصل منهم على قطعة صابون أو علبة سجائر.
ويضيف: "لم يكن السجن مؤلمًا بقدر ما كانت الوحدة والعزلة، أن لا أحد ليزورك ويتذكرك في ذلك المكان، فلا أحد يهتم للمنسيين داخل أسوار الزنزانات".
من جانبه، أكد محمد علي المستيري، رئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمهدية، أن "القفة" تُعد "ضرورة حياتية" للسجين، واعتبر أن نوعية الطعام الذي توفره إدارة السجن "رديئة جداً"، لدرجة أن البعض قد يقدم لحيواناته طعامًا أفضل منه، مشيرًا إلى أن الدولة تتعلل دائمًا "بضعف الإمكانيات المادية".
وأوضح المستيري لـ"الترا تونس" أن السجين يتمتع بـ "القفة" يومين فقط في الأسبوع، وهي محددة بنوعية معينة من الأطعمة المسموحة تتغير من وقت لآخر، كما حُددت الكمية بأربع علب بلاستيكية.
اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع لافت لعدد المساجين في تونس.. صناعة الأزمة والحلول المتروكة
واعتبر أن طريقة التفتيش المتبعة هي أحد أسباب فساد الطعام داخل القفة، ودعا إلى "ضرورة تمكين السجين من أكثر من يومين في الأسبوع للحصول على القفة، إلى جانب اعتماد طرق أفضل في عملية التفتيش، التي يرى أنها تتسم "بالكثير من المبالغة".
وأشار إلى أن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان دأبت، في تقاريرها المنشورة، على التنبيه والدعوة إلى ضرورة توفير وجبة صحية للسجين.
في السياق نفسه بين رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فتحي الجراي، في تصريح لـ "الترا تونس"، أن "قفة السجين" هي ممارسة شائعة وقديمة لكنها تتجاوز المعايير الدولية، ففي الدول المتقدمة التي رسخت حقوق الإنسان للمحرومين من حريتهم، تضمن الدولة نفسها تقديم وجبة صحية ومتكاملة مجانية للسجين، بحيث لا يضطر للاعتماد على "قفة" تصل إليه مرة أو مرتين أسبوعيًا من عائلته.
فتحي الجراي (رئيس هيئة الوقاية من التعذيب) لـ"الترا تونس": "قفة السجين" تُشكل عبئًا إضافيًا كبيرًا على العائلة، التي غالبًا ما تكون قد فقدت مُعيلها بوجوده في السجن، والحل يكمن في توفير المؤسسة السجنية نفسها الوجبة الصحية المتكاملة للسجين
ويؤكد الجراي أن زيارة العائلة للسجين وحمل بعض الأطعمة إليه يمكن أن يكون "من باب دعم الرابط الأسري"، لكنه ليس بديلًا عن وجبة سجن كاملة. أما في تونس، فالسجناء لا يتناولون طعام السجن لرداءته، ويعتمدون بشكل كبير على "القفة" التي تصلهم من عائلاتهم.
ويشير إلى أن السجناء يشكلون مجموعات ويتقاسمون فيما بينهم "القفة" التي تصل أحدهم، باعتبارها طعامًا "بيتيًا نظيفًا" يمكن تناوله.
واعتبر فتحي الجراي أن "قفة السجين" تُشكل عبئًا إضافيًا كبيرًا على العائلة، التي غالبًا ما تكون قد فقدت مُعيلها بوجوده في السجن. وتتطلب هذه الممارسة "أموالًا طائلة"، خاصة إذا كانت العائلة تتنقل من مكان بعيد لزيارة السجن. ومع غلاء الأسعار، ترتفع تكلفة مكونات القفة؛ إذ يبلغ الحد الأدنى لتكلفتها 70 دينارًا، مما يثقل كاهل العائلة المتوسطة أو الفقيرة.
كما نبه رئيس الهيئة إلى الخطر الصحي للقفة؛ إذ أنها تُحضّر أحيانًا من أماكن بعيدة، وتمر ساعات بين إعدادها ووصولها للسجين، مما يعرّضها للتلف والفساد، فتصبح غير صحية، خاصة في الطقس الحار.
اقرأ/ي أيضًا: فتحي الجراي: زيادة بنحو 10 آلاف سجين في تونس خلال سنتين
وأكد محدثنا أيضًا أن "القفة السجنية" قد تُستخدم لمحاولة تمرير مواد مخدرة داخل السجن، وهو ما يحدث بالفعل. هذا الأمر يبرر منع بعض الأكلات التي يسهل إخفاء الممنوعات داخلها، مع الإشارة إلى أن القفة تخضع دائمًا للمراقبة والتفتيش.
علاوة على ذلك، لفت الجراي الانتباه إلى أن عددًا من السجناء، منهم أجانب أو من ليس لديهم عائلة قادرة على إرسال القفة، يضطرون لتناول طعام السجن الرديء لعدم وجود بديل.
ويرى الأستاذ فتحي الجراي أن كل هذه العوامل تؤكد أن الحل الجذري يكمن في توفير المؤسسة السجنية نفسها الوجبة الصحية المتكاملة للسجين.
وشدد رئيس الهيئة على أن السجن عقوبة تحرم المذنب من حريته في التنقل والحركة، لكنها لا تحرمه من وجبة صحية متكاملة ومن حقه في الدراسة.
وأكد أن السجن هو "مرفق عمومي يُدار وفق القانون والمعايير"، وفيه أناس يجب أن تكون كرامتهم وصحتهم الجسدية مصانة. ولا يجب الاعتماد على طرف خارجي لتوفير طعام السجين، حتى وإن كانت عائلته، بل على المؤسسة السجنية أن تحترم "القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء"، خاصة أن تونس صادقت على كل الاتفاقيات تقريبًا.
وختم رئيس الهيئة بالقول إنه لا ينكر أن إمكانيات الدولة قد تكون محدودة، ولكن يجب "ترشيدها". وإذا كانت عاجزة، يمكنها تشجيع مكونات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والإنمائية لتقديم خدمات الطعام "في إطار مُراقب ومِعياري". هذا من شأنه أن يُخفف العبء عن كاهل الأسرة، الذي وصفه بـ "العذاب الحقيقي" الذي تتكبده الأسرة، ويعتبره "أثقل مما يعانيه السجين".

الكلمات المفتاحية

اعتداء جنسي على طفل في روضة.. ملاحقة المشتبه بهم وغضب واسع في تونس
هزّت واقعة الاعتداء الجنسي على طفل داخل أحد رياض الأطفال مؤخرًا، الرأي العام في تونس، وتصاعدت مواقف الاستنكار لهذه الواقعة والمطالبة بالتحرك العاجل من طرف السلطات

زيادة بنحو 23%.. تصاعد نسق الاحتجاجات في تونس خلال جانفي 2026
منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: شهد شهر جانفي لسنة 2026، تصاعدًا في نسق الاحتجاج في تونس، بتسجيله 501 تحركًا احتجاجيًا أي بزيادة بنحو 23% مقارنة بنفس الفترة من سنة 2025

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة

نقل 234 تونسيًا من عناصر "داعش" من سجون سوريا إلى العراق
كشفت السلطات القضائية العراقية عن نقل 234 تونسيًا من بين أكثر من 5700 متهم بالانتماء إلى تنظيم "داعش"، تم تسلمهم من السجون التي كانت خاضعة لسيطرة قوات "قسد" في سوريا، مع تحديد هوياتهم

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار غزيرة في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الأحد 15 فيفري 2026، سيكون أحيانًا كثيف السحب مع أمطار متفرقة بالشمال ومحليًا الوسط، وتكون مؤقتًا رعدية وأحيانًا غزيرة بأقصى الشمال الغربي، مع إمكانية تساقط البرد بأماكن محدودة

وسام الصغير: قمع الحقوق والحريات من أركان الاستبداد والفشل الاجتماعي والاقتصادي
وسام الصغير لـ"الترا تونس": تقييم الأنظمة بالمساندة أو بالنقد لا يكون بشكل دغمائي عبثي، بل يقوم على تقييم المنجز من عدمه.. وبمرور 3 سنوات على وجود السياسيين في السجون، فإنّ الأوضاع تراوح مكانها وكلّ القطاعات تعاني أزمة

جبهة الخلاص: السلطة كثّفت من حملة استهداف حرية التعبير معتمدة تطويع القانون
جبهة الخلاص الوطني: "نطالب بالإفراج عن المعتقلين السّياسيّين ونعبّر عن انخراطنا الكامل في النّضال المدني السّلمي من أجل إنهاء المظلمة المسلّطة عليهم وقد افتتح بعضهم العام الرّابع خلف القضبان دون تهمة ولا ذنب"

