قضية التآمر في تونس.. "محكمة التاريخ" أدانت والبقية تنفيذ!
29 نوفمبر 2025
مقال رأي
قضت الدائرة الجنائية المتخصصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس مؤخرًا بما قضت به قبلها الدائرة الجنائية المتخصصة بالمحكمة الابتدائية في أفريل/نيسان المنقضي بإدانة "المتآمرين والخونة"، وقبلهما بما قضى به رئيس الدولة، منذ قبيْل إثارة الملف من أصله وقبل بدء إيقاف أي "متآمر"، وبما أكده تباعًا وتكرارًا إلى حدّ قبيْل الحكم النهائي الصادر مؤخرًا. فالإدانة جاهزة منذ البداية والتفاصيل القضائية، بما فيها الأحكام، هو تنفيذ. نحن دائمًا بحاجة لإنعاش الذاكرة.
استقبل رئيس الدولة قيس سعيّد، يوم 10 فيفري/شباط 2023، وزيرة العدل ليلى جفال وأورد البلاغ الرئاسي جملة نصّها أنّه من "غير المعقول أن يبقى خارج دائرة المحاسبة من له ملف ينطق بإدانته قبل نطق المحاكم"، وفي نفس اليوم ظهرت أولى أوراق ملف القضية، إذ تولّت جهة أمنية توجيه مراسلة لوزيرة العدل حول اكتشاف "تآمر" لتتولّى تعهيد النيابة العمومية والتي تولّت بدورها تكليف فرقة أمنية بالبحث ولتبدأ تباعًا حملة الإيقافات. فالنيابة لم تتعهّد بمقتضى إعلام من الضابطة العدلية على النحو المعمول به في الأصل، بل بتعهيد مباشر من وزيرة العدل وهذا الاستثناء. بعد 3 أيام من بدء الإيقافات، زار رئيس الدولة بنفسه مقرّ وزارة الداخلية ليوجّه تحيّة في مدخلها للمسؤولين متوجهًا بعبارة "هؤلاء الذين تم اعتقالهم إرهابيين" في إشارة للموقوفين.
لا يفوّت رئيس الدولة أي فرصة لتأكيد حكم الإدانة الجاهز من جهته في هذا الملف، بما أكد الشكوك حول قدرة قاضي التحقيق المتعهّد بالملف على ممارسة مهامه بكل استقلالية عن السلطة السياسية
ونشرت صفحة الرئاسية مداخلة مطوّلة له بمقرّ الوزارة مؤكدًا أنه "أثبت التاريخ قبل أن تثبت المحاكم أنهم مجرمون". هذا للتذكير تصريح بتاريخ 14 فيفري/شباط 2023. ثم لم يتردّد الرئيس في تبيان متابعته الشخصية لسير القضية منتقدًا أداء النيابة العمومية أمام "حالة تلبّس" طالبًا إياها بالتحرّك من تلقاء نفسها مضيفًا في هذا الجانب أنّ "التعلل بالإجراءات هدفه هو طمس الحقيقة وتمكين البعض من التهرب من الملاحقة وتطبيق القانون". كما توجّه بخطاب مباشر للقضاة بأنه "عليهم أن يتحملوا مسؤولياتهم التاريخية". فالتاريخ دائمًا في الخطاب الرئاسي.
وحتى عند استقبال وزيرة التجارة بتاريخ 14 فيفري/شباط لم تغب قضية التآمر عندما توجّه الرئيس للوزيرة جازمًا أن "هؤلاء المجرمين المتورطين في التآمر على أمن الدولة الخارجي والداخلي وهذا بالإثباتات هم من يقفون وراء هذه الأزمات المتصلة بتوزيع السلع وبالترفيع في الأسعار. عصابات منظمة تأتمر بأوامر هؤلاء الخونة والمرتزقة". في حين أنه لا تتضمّن أوراق الملف أي قرينة إدانة حول العلاقة بين الموقوفين ومسألة توزيع السلع والترفيع في الأسعار أو حتى علاقة مع أشخاص أو مجموعات تنشط في مجال توزيع السلع. ثم كان التدخل أكثر وضوحًا في سير البحث عندما اجتماع رئيس الدولة يوم 17 فيفري/شباط 2023 مع وزير الداخلية وعدد من الإطارات الأمنية العليا للتداول في "سير الأبحاث في قضية التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي". وهنا مهمّ التذكير أن الحديث وقتها عن الأبحاث الأولية قبل فتح النيابة العمومية لبحث تحقيقي في القضية وضبط تهم الإحالة.
اقرأ/ي أيضًا: أحزاب ومنظمات: الأحكام النهائية في قضية "التآمر 1" قاسية وجائرة
التصريحات الرئاسية بلغت درجة الإسهال. فمجدّدًا وعلى هامش نشاط رئاسي، صرّح رئيس الدولة بتاريخ 22 فيفري 2023 أن "من سيتولّى تبرئتهم فهو شريك لهم"، وهي جملة ستتحوّل إلى عنوان مكثّف، بشكل عامّ، حول ما ظهر تهديدًا مبطنًا للقضاة إن لم يسايروا إدانة السلطة السياسية السابق الحكم فيها باسم "التاريخ". فبعد يومين وتحديدًا بتاريخ 24 فيفري/فبراير 2024، قرّرت النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب فتح بحث تحقيقي من أجل "التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي" ضد مجموعة من المعارضين وآخرين، ليصدر قاضي التحقيق في مساء نفس اليوم وفجر اليوم الموالي بطاقات إيداع ضد ثمانية معارضين. وكانت هيئة الدفاع قرّرت مقاطعة الترافع بعد الاستنطاق الثالث بعد يقينها الجازم طبق بلاغها وقتها أن بطاقات الإيداع جاهزة بالنظر للتدخل المباشر للسلطة التنفيذية في توجيه الملف.
وإثر ذلك، لم يتوقّف مهرجان التصريحات الرئاسية حول قضية "التآمر" عندما تطرّق إليها الرئيس مجددًا عند استقبال وزيرة العدل بتاريخ 1 مارس/آذار 2023، وأورد البلاغ الرئاسي أن "من تآمروا على أمن الدولة الداخلي والخارجي ومن أرادوا ولا يزالون مصرّين على التنكيل به في كل المجالات لا يمكن أن يلعبوا دور الضحية".
ومجدّدًا بعد يومين عند استقبال رئيس المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، أورد البلاغ الرئاسي أن "من تآمروا على أمن الدولة الداخلي والخارجي ويدعون أنهم منفذون ووطنيون في حين أنهم ارتموا في أحضان الخارج وحاولوا ولازالوا يحاولون التنكيل بالشعب". مجددًا، لا يفوّت رئيس الدولة أي فرصة لتأكيد حكم الإدانة الجاهز من جهته في هذا الملف، بما أكد الشكوك حول قدرة قاضي التحقيق المتعهّد بالملف على ممارسة مهامه بكل استقلالية عن السلطة السياسية.
صرّح رئيس الدولة بتاريخ 22 فيفري 2023 أن "من سيتولّى تبرئتهم فهو شريك لهم"، وهي جملة ستتحوّل إلى عنوان مكثّف، بشكل عامّ، حول ما ظهر تهديدًا مبطنًا للقضاة إن لم يسايروا إدانة السلطة السياسية السابق الحكم فيها باسم "التاريخ"
إثر ذلك، تتالت الأحداث طيلة سير ملف القضية كقرار منع التداول الإعلامي في جوان/يونيو 2023 بعد الإحراج الذي فرضته سردية المحامين في مواجهة السردية الرسمية أمام وسائل الإعلام، وإثارة تتبعات قضائية ضد أعضاء في هيئة الدفاع على خلفية تصريحات صحفية والتي بلغت حدّ إيقاف الأستاذ أحمد صواب عندما عرّى واقع خضوع القضاة في المحاكمات السياسية إلى إرادة السلطة السياسية. فيما كان قرار فرض المحاكمة عن بعد، في الطورين الابتدائي والاستئنافي، والذي رفضه المعتقلون السياسيون والمحامين باعتباره ينسف الحد الأدنى من المحاكمة وهو حق المتهم في المثول الشخصي في قاعة الجلسة، دون الحديث عن غياب مقومات المحاكمة العادلة وفي مقدمتها استقلالية القضاء في ظل واقع إدارة السلطة السياسية، بوجه مكشوف، للمسارات المهنية للقضاة ومن ذلك تعيينها لرئيس الدائرة الحكمية في ملف قضية التآمر نفسه.
وقبيل صدور الحكم النهائي في القضية، نشر بلاغ رئاسي بمناسبة استقبال رئيس الدولة لرئيسة الحكومة أن "محكمة التاريخ أصدرت قراراتها النهائي وهو لا عزاء للخونة ولا رجوع للوراء". هنا يتأكد مجدّدًا أن محكمة التاريخ هي التي تدين وتجزم، أما البقية فدورها منحصر في تنفيذ أحكام "محكمة التاريخ". وهي محكمة من إحداث الرئيس بما يجعلها واقعًا محكمة استثنائية متخيّلة، لا تبتعد، في فلسفتها وغاياتها لدى السلطة السياسية عن محكمة أمن الدولة التي عرفها التاريخ السياسي المعاصر لتونس زمن الاستبداد. فبالنهاية لكل استبداد اسم خاص بمحكمته الخاصة بتصفية المعارضين "المتآمرين والخونة".
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا
"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار في عدد من المناطق
معهد الرصد الجوي: أمطار متفرقة بالشمال الغربي ثم تشمل تدريجيًا أثناء الليل بقية مناطق الشمال ومحليًا الوسط والجنوب وتكون مؤقتًا رعدية

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم
