ultracheck
رأي

قضية أحمد صواب.. ليست محاكمة حتى نسأل عن المحاكمة العادلة

1 نوفمبر 2025
أحمد صواب غيتي Nur photo
"ستمرّ المحنة يومًا ما وسيغادر أحمد صواب السجن يومًا ما، بقرار من أدخله أو لسبب آخر، ولن نستذكره دائمًا إلا رمزًا لمحاماة منحازة لقيمها ومبادئها.." (صورة أرشيفية/الشاذلي بن إبراهيم/Nur photo/Getty)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقيباحث من تونس

 

مقال رأي


المطالبة بمحاكمة عادلة يقتضي وجود محاكمة من أصله. ولكن في قضية المحامي أحمد صواب يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بالمحكمة الابتدائية بتونس غابت أي مؤشرات تفيد أننا أمام مشهد محاكمة. لم تُحضر المحكمة المتهم بقاعة الجلسة. طلب عميد المحامين في ملاحظة دامت 7 دقائق بحق المتهم في جلسة حضورية دون محاكمة عن بُعد مفروضة خارج شروطها القانونية. ثم باغتت المحكمة بحجز القضية للتصريح بالحكم. وبعد ساعات، قضت بسجن صواب لمدة خمسة سنوات مع ثلاث سنوات مراقبة إدارية. لا إحضار للمتهم ولا استنطاقه ولا تمكين المحامين من الدفاع. محاكمة صورية؟ بل ما دونها.

تعامل "الوظيفة القضائية" مع قضية صواب هو تكريس لحقيقة متصاعدة في المحاكمات السياسية ومحاكمات الرأي في تونس وهو الإمعان في نسف ليس فقط ضمانات المحاكمة العادلة المنعدمة بطبعها مع قضاء منزوع الاستقلالية تديره السلطة السياسية بوجه مكشوف، ولكنه نسف لمقوّمات إخراج شكلي قابل للدعاية. فالإمعان في منع المتهمين من حق بديهي وهو الحضور أمام الدائرة القضائية عبر التمسك بالمحاكمة عن بُعد في غياب أي "خطر حقيقي وملم" يفرضها، يستهدف منع وجود محاكمة من أصله. وبالتبعية منع حق الدفاع من أداء دوره. هذا ما فُرض في قضية "التآمر" وتواصل السلطة فرضه دون هوادة. 

أصبحنا أمام مسلسل متعدّد الحلقات يكشف عما يظهر خيارًا واضحًا بالمضي في تكميم الأفواه وبث الرعب في الفضاء العام عبر المحاكمات السياسية. محاكمات تستهدف في مضمونها الحريات والتضييق على مربعاتها، وتُفرض داخل ردهات المحاكم التي وضعت السلطة السياسية يدها عليها

وقضية صواب، في العمق، هي بذاتها قضية تستهدف محاكمة الدفاع في جوهره، ومن ثمّ حقّقت مجريات الجلسة الوحيدة ذلك. صواب يُحاكم لأنه انتصر لدور المحامي في كشف خفايا المحاكمات السياسية وصرّح للرأي العام، وهو مرتدي لزيّ المحاماة ومن أمام "دار المحامي"، بواقع الضغوطات المسلطة على رئيس الدائرة في قضية "التآمر" استنادًا على معطيات وردت في جلسة القضية المذكورة، واستعمل تعبيرًا مجازيًا في ذلك، ليجد نفسه متهمًا من أجل ارتكاب جرائم بينها جرائم إرهابية. ومن ثمّ في جلسة محاكمته، لم يتمّ إحضاره للمحكمة وكأنه متهم إرهابي خطير يُخشى منه.

من البيّن أننا أمام عدوان على المحاماة والمحامين، ليس في مهنتهم ظاهرًا ولا ذواتهم قصدًا، بل في مبدأ الدفاع الذي يمثّل شرطًا جوهريًا لأي محاكمة. وهو شرط يتعزّز بالخصوص في المادة الجنائية التي تفرض وجوب إنابة محامٍ لكلّ متهّم.

اقرأ/ي أيضًا: بسبب تصريح.. 5 سنوات سجنًا و3 سنوات مراقبة إدارية ضد المحامي أحمد صواب

ماذا بعد؟ أصبحنا أمام مسلسل متعدّد الحلقات يكشف عما يظهر خيارًا واضحًا بالمضي في تكميم الأفواه وبث الرعب في الفضاء العام عبر المحاكمات السياسية. محاكمات تستهدف في مضمونها الحريات والتضييق على مربعاتها، وتُفرض داخل ردهات المحاكم التي وضعت السلطة السياسية يدها عليها أمام غياب حتى أبسط الضمانات وهو مجلس للقضاء العدلي. فالمجلس المؤقت بدون تركيبة بقصد من السلطة التي تدير منذ سنتين المسارات المهنية للقضاة كما تشاء بعيدًا عن أي شفافية ورقابة، وبما يكرّس واقعًا قضاء التبعية. والمجلس الدائم لا تريد السلطة تأسيسه. فهل هذه العدالة التي يريدها الرئيس الذي قال يومًا "قضاء مستقل خير من ألف دستور"؟ هل هذه العدالة التي يريدها الرئيس الذي طالما أعلن أن هدفه حكم القانون والإنصاف؟ هل هذه العدالة التي تتم في غياب ضمانات الاستقلالية بشقيْها الهيكلي والوظيفي؟ وهل يعتقد الرئيس أن أحمد صواب، القاضي السابق والمحامي الحالي، والذي طالما دافع طيلة مسيرته عن دولة القانون هو بحقّ إرهابي؟ 

لا أحد فوق القانون؟ قطعًا. وأحمد صواب هو من أوائل من رفعوا ودافعوا عن هذا الشعار وذلك طيلة مسيرته المهنية. ولكن هذا الشعار الذي يرفعه أنصار السلطة اليوم لا يستهدف إلا التغطية على حقيقة لا يختلف فيها عاقلان يؤمنان بالحق وهو أننا أمام حالة تجريف باستعمال قضاء تابع يدّعي الاحتكام للقانون، ولكنه يخرقه. بل الأكثر نحن أمام حالة إمعان في اللاقانون عندما أصبحت بديهيات المحاكمات والإجراءات تُداس على مرأى من الجميع.

من البيّن أننا أمام عدوان على المحاماة والمحامين، ليس في مهنتهم ظاهرًا ولا ذواتهم قصدًا، بل في مبدأ الدفاع الذي يمثّل شرطًا جوهريًا لأي محاكمة. وهو شرط يتعزّز بالخصوص في المادة الجنائية التي تفرض وجوب إنابة محامٍ لكلّ متهّم

وما العمل؟ إن الانتصار لأحمد صواب هو بالانتصار لنهجه في المقاومة بخطاب دولة القانون وبأدوات القانون بغاية استعادة سيادة القانون، الذي لا يتحقّق إلا بقضاء مستقلّ ونزيه لا تقربه يد السلطة السياسية، وبالتمسك بممارسة الحريات العامة لأن التنازل عنها هو تنازل عن مواطنتنا. أحمد صواب شخصية عظيمة تكتب اسمها من ذهب في كرّاس من يذودون بأنفسهم من أجل الكرامة والحرية ودولة القانون. 

ستمرّ المحنة يومًا ما وسيغادر أحمد صواب السجن يومًا ما، بقرار من أدخله أو لسبب آخر، ولن نستذكره دائمًا إلا رمزًا لمحاماة منحازة لقيمها ومبادئها. وسنستعيد أيضًا دولة القانون التي لا تعرف المحاسبة إلا في كنف ضمانات المحاكمة العادلة. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"


 

الكلمات المفتاحية

ظرف مسموم

ظرف مسموم

في ليلة ساخنة من ليالي شتاء 2010-2011، كانت آلة التّقتيل البشعة تُحاصر مجموعة من المتظاهرين في حيّ الزّهور، بالقصرين. مرّت السّاعات طويلة ثقيلة، قبل أن تنسحب قوّات الأمن. تقدّم أحد النّشطاء إلى مبنى حكوميّ لإنزال العَلَم. همّ برميه في النّار. لكنّ رفاقه صرخوا صرخة رجُل واحد: "إلّا العَلَم"!


17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير


نجيب الشابي رثاء السياسة

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس

أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.


إيقاف العياشي الهمّامي يثير موجة غضب واسعة في تونس

حول العياشي الهمامي

موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

الثورة في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
سیاسة

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي

الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
مجتمع

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف


تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
سیاسة

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة

رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
رأي

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

مرصد الطاقة والمناجم: تواصل تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية مع موفّى أكتوبر 2025


2
سیاسة

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة


3
رأي

ظرف مسموم


4
سیاسة

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي


5
مجتمع

جمعيات ومنظمات تونسية: وفاة نعيم البريكي تُجسّد مجددًا سياسة الإفلات من العقاب