قضايا جديدة ضد 3 محامين في قضية "التآمر".. هرسلة مستمرة للسان الدفاع
15 نوفمبر 2025
قرّرت وكالة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس فتح أبحاث تحقيقية ضد ثلاثة محامين بعد قرار إحالتهم من الوكالة العامة بمحكمة الاستئناف بتونس إثر شكايات من الهيئة العامة للسجون بعنوان "ترويج إشاعات وأخبار كاذبة" بعد نشر المحامين لأخبار حول مستجدات وضعية المضربين عن الطعام وبالخصوص وضعية جوهر بن مبارك. وهذه القضايا ليست الأولى ضد محامين في هيئة الدفاع في قضية "التآمر على أمن الدولة" على وجه الخصوص، وليست الأولى أيضًا إثر شكايات من الهيئة العامة للسجون على وجه التحديد.
وهي تكشف عن استمرار استهداف المحامين بشكل مكثّف على خلفية دورهم في كشف وضعية المساجين السياسيين أو ملابسات سير المحاكمات أو تعليقاتهم حول غياب مقومات المحاكمة العادلة. وهي تطرح بدورها تحديًا جديدًا على هيئة المحامين، في ظلّ المنتخب حديثًا العميد بوبكر بالثابت، لمواجهة ما يظهر استهدافًا ممنهجًا لحق الدفاع، ومع تواصل إيقاف محامين سواء على خلفية نشاطهم الحقوقي أو السياسي.
دفعة إضافية لقائمة القضايا ضد هيئة الدفاع
القضايا الجديدة تعلّقت بالمحامين العياشي الهمامي وسمير ديلو ودليلة بن مبارك مصدّق لتُضاف لقائمة قضايا سابقة مثارة ضد المحامين في هيئة الدفاع في قضية "التآمر". وقد ابتدأت سلسلة الإحالات بإثارة قضية ضد الأستاذ عبد العزيز الصيد، في شهر ماي/أيار 2023، على خلفية إعلانه خلال ندوة صحفية، منعقدة بـ"دار المحامي"، عن تقديم شكاية جزائية ضد وزيرة العدل ليلى جفال من أجل شبهات تدليس إثر معاينة إضافات وتشطيبات في إحدى أوراق قضية "التآمر". وقد قضت الدائرة الجناحية بتونس بعدم سماع الدعوى وهو الحكم الذي استأنفته النيابة العمومية لتقضي محكمة الاستئناف، في جوان/يونيو 2024، بالإدانة والسجن لمدة 9 أشهر مع تأجيل التنفيذ، وبعد تكييف محكمة الدرجة الثانية أن تصريح المحامي يعدّ من قبيل نشر أخبار زائفة على معنى الفصل 24 من المرسوم 54.
تكشف القضايا الجديدة ضد 3 محامين في قضية "التآمر" عن استمرار استهداف المحامين بشكل مكثّف على خلفية دورهم في كشف وضعية المساجين السياسيين أو ملابسات سير المحاكمات أو تعليقاتهم حول غياب مقومات المحاكمة العادلة
هيئة السجون والإصلاح، الطرف الشاكي في التتبعات الجديدة، سبق لها أن قدّمت شكاية، في جوان/يونيو 2023، ضد الأستاذة إسلام حمزة على خلفية تصريح إذاعي حول ما سّمتها هيئة الدفاع "سيارة التعذيب"، وهي السيارة التي تخصّصها هيئة السجون لنقل الموقوفين في قضايا الإرهاب، والتي عبّر المحامون على لسان المعتقلين أنها لا تؤمن ظروف نقل إنسانية. وفي سبتمبر/أيلول من نفس العام وقتها، أثارت النيابة العمومية قضية ثانية ضد إسلام حمزة إثر تصريح إذاعي آخر حول طلب هيئة الدفاع بسماع الدبلوماسيين الأجانب الذي ورد ذكر أسماؤهم في أوراق قضية "التآمر".
اقرأ/ي أيضًا: احتجاج من وراء القضبان.. ما رسالة السياسيين المضربين عن الطعام في تونس؟
كما أثارت النيابة تتبعًا، في نفس الفترة، ضدّ الأستاذة دليلة بن مبارك مصدّق على خلفية تصريح في نفس إطار تصريح زميلتها. ومجددًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أحالت مصدّق في قضية ثانية مع الصحفي برهان بسيّس على خلفية تصريحاتها في حصة تلفزية على قناة "حنبعل" من تقديم الصحفي المذكور. وقد قرّرت دائرة الاتهام تأييد قرار قاضي التحقيق وإحالتهما معًا على الدائرة الجنائية من أجل جرائم نشر وترويج أخبار كاذبة ونسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير والإضرار بالأمن العام ومعالجة معطيات شخصية متعلقة بتتبعات جزائية ومخالفة القرارات الصادرة ممّن له النظر على معنى المرسوم 54 وقانون حماية المعطيات الشخصية والمجلة الجزائية.
وتواصلت التتبعات لتشمل الأستاذ أحمد صواب الذي تم إيقافه وإحالته على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب إثر تصريح لوسائل الإعلام أمام "دار المحامي"، بعيْد رفع جلسة قضية "التآمر" في أفريل/نيسان 2025، وكشفه عن تعرّض القضاة لضغوطات من بينهم رئيس الدائرة الجنائية في قضية "التآمر". وقد صدر ضدّه، بتاريخ 31 أكتوبر/تشرين الأول، المنقضي حكمًا بالإدانة والسجن لمدة 5 سنوات مع مراقبة إدارية لمدة 3 سنوات دون إحضاره لقاعة الجلسة ودون ترافع المحامين عنه. إذ بعد تمسّك عميد المحامين بوبكر بالثابت بلزوم ضمان الحد الأدنى من مقوّمات المحاكمة العادلة وفي مقدّمتها حضور المتهم لقاعة الجلسة رفضًا لفرض المحاكمة عن بعد خارج إطارها القانوني، حجزت الدائرة القضية للتصريح بالحكم السابق ذكره.
دلالات تواصل مسلسل الإحالات ضد المحامين
تكشف حزمة الإحالات الجديدة ضد ثلاثة محامين عن تصاعد القلق من تأثير دور المحامين عبر تصريحاتهم الإعلامية في كشف الحقيقة ومن ذلك إعلام الرأي العام بخصوص الوضعية الصحية للمعتقل المضرب عن الطعام جوهر بن مبارك منذ 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025. وهو إضراب بدأه وحشيًا دون طعام ولا ماء ولا دواء قبل استجابته بشرب الماء بكميات ولو صغيرة بطلب من عائلته والمحامين. وقد كان للمحامين الأثر البالغ في نقل الصورة بما جعل هيئة السجون تصدر بلاغين لتكذيب تدهور الوضعية الصحية. وهي الوضعية التي تشهد تراجعًا مستمرًا بحسب شهادات المحامين الزائرين في ظلّ تمسّك بن مبارك بمواصلة إضرابه.
تطرح حزمة الإحالات الجديدة ضد 3 محامين، تحديًا جديدًا على هيئة المحامين، في ظلّ المنتخب حديثًا العميد بوبكر بالثابت، لمواجهة ما يظهر استهدافًا ممنهجًا لحق الدفاع، ومع تواصل إيقاف محامين سواء على خلفية نشاطهم الحقوقي أو السياسي
وطيلة سير قضية "التآمر" المثارة منذ فيفري/شباط 2023، تبيّن دور المحامين كحلقة أساسية في نقل المعلومة أوّلًا، وفي مواجهة السردية الرسمية وتفنيدها ثانيًا، خصوصًا في ظلّ غياب الشفافية من الجهات الرسمية وتعدّد المؤشرات الدالّة على الطابع السياسي الخالص للقضية وافتقارها لشروط المحاكمة العادلة. وقد دفع ذلك قاضي التحقيق، في جوان/يونيو 2023، إلى إصدار قرار يمنع التداول الإعلامي في موضوع القضية وحيثياتها عبر وسائل الإعلام السمعية والبصرية، وهو ما زاد في تقييد حرية النشر والإعلام بوجه عام، في ظلّ المخاوف من التتبعات القضائية التي طالت في النهاية محامين وصحفيين على حدّ سواء.
في الأثناء، تطرح الإحالات الجديدة التي استهدفت عددًا من المحامين، والتي سبقها قبل أسبوعين صدور حكم قاس ضدّ المحامي أحمد صواب على خلفية تصريح صحفي، تحدّيًا جدّيًا أمام هيئة المحامين بتركيبتها الجديدة إثر انتخابات سبتمبر/أيلول المنقضي، وتحديدًا أمام العميد بوبكر بالثابت الذي انتُخب بالأغلبية المطلقة منذ الدور الأول، في رسالة واضحة من القاعدة المهنية لطيّ صفحة العهدة السابقة التي وُجّهت خلالها انتقادات واسعة للعميد الأسبق حاتم المزيو بسبب خذلانه لقيم المهنة ومبادئها وخذلانه لزملائه المعتقلين. وقد بدا لافتًا أنّ السلطة لم تُبد ارتياحها لانتخاب العميد الجديد، وهو ما تجسّد، من بين مؤشرات أخرى، في عدم استقباله من قبل رئاسة الجمهورية خلافًا لما جرى عليه العرف خلال السنوات الماضية.
اقرأ/ي أيضًا: العميد حاتم المزيو.. أكثر من مجرّد خذلان أو كشف حساب للتاريخ
وقد عقدت هيئة المحامين بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني جلسة عامة إخبارية خُصّصت لتدارس موقع دور المحامي في إجراءات المحاكمة الجزائية في السياق الراهن، وانتهت بإصدار لائحة توصيات شدّدت في مقدّمتها على مكانة المحاماة كحصن منيع لحماية الحريات، وعلى ضرورة دعم الدفاع في قضايا الرأي ورفض الضغوط المُسلّطة على القضاة. غير أنّ السؤال يبقى مطروحًا حول الخطوات العملية المنتظرة للتصدّي لاستهداف حقّ الدفاع، وإعادة تحديد المسافة تجاه السلطة التنفيذية وأجهزتها القضائية بهدف وقف نزيف الإحالات، بل الأهم استعادة الدور الحيوي للدفاع في المحاكمات وذلك في ظلّ تواصل تغييب مقوّمات المحاكمة العادلة.
الكلمات المفتاحية

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة
رئيس رابطة حقوق الإنسان بسام الطريفي: كل الحقوق منتهكة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ومن الضروري أن يستمر النضال من أجل تعزيز المكتسبات والحقوق المدنية والسياسية في تونس

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي
بعد 15 سنة على الثورة التونسية وسقوط نظام الاستبداد، تتزايد الانتقادات للنظام الحالي بقيادة قيس سعيّد.. "الترا تونس" رصد في هذا التقرير تقييم منظمات ومحللين لمسار الانتقال الديمقراطي

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

